خبر دراسة : الفلسطينيون واسرائيل: بين التسوية والأزمة – الجولة المقبلة

الساعة 08:44 م|02 مايو 2010

دراسة : الفلسطينيون واسرائيل: بين التسوية والأزمة – الجولة المقبلة *

فلسطين اليوم- خاص

بقلم: د. افرايم لفي **

* تقدير استراتيجي – معهد بحوث الامن القومي.

** مدير مركز تامي شتاينتس لبحوث السلام، ومدير برنامج كونراد اديناور للتعاون اليهودي العربي، وباحث في مركز موشيه دايان لدراسات الشرق الاوسط وافريقية في جامعة تل أبيب.

        بعد نحو من سنة من وقف التفاوض في التسوية الدائمة ("مسيرة أنابوليس") وبعد عملية الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة، اصبح الفلسطينيين واسرائيل مرة اخرى على مفرق طرق فيما يتعلق بمستقبل العلاقات بينهما. يواجه الفلسطينيون الذين يجربون شقاقا سياسيا وجغرافيا واسرائيل في ايام حكومية يمين حسما بين التسوية والازمة: بين تجديد المسيرة السياسية للتوصل الى تسوية دائمة وبين جمود سياسي قد يفضي الى اقامة دولة فعلية في الضفة الغربية وانشاء كيان اسلامي متطرف في قطاع غزة.

        خابت محاولات التوصل الى مصالحة وطنية بين حماس وفتح والتمكين من اقامة انتخابات لرئاسة السلطة الفلسطينية والمجلس التشريعي في موعدها (كانون ا لثاني 2010) او في موعد بعد ذلك. رتبت قيادة المنظمة التحرير الفلسطينية في المدة الاخيرة بقراراتها واقع الحكم القائم وفي ضمنه استمرار ولاية ابي مازن رئيسا للسلطة حتى اقامة الانتخابات. في ضمن ذلك يتم الحفاظ على استقرار للحكم والامن نسبي، للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ولسلطة حماس في قطاع غزة.

        مع رئيس الحكومة سلام فياض، ينفذ ابو مازن سياسة تقوم على دعامتين رئيستين: الاولى – محاولة تجديد التفاوض المباشر مع اسرائيل في التسوية الدائمة لانشاء دولة مستقلة في حدود 1967، والتوجه الى الامم المتحدة للاعتراف بان حدود 1967 هي حدود الدولة الفلسطينية في المستقبل؛ والثانية – بناء الدولة الفلسطينية بالفعل حتى منتصف 2011. تواصل قيادة حماس الحفاظ من جهة على سيطرتها على القطاع، وترفض من جهة اخرى شروط الرباعية الدولية ولا تعترف باسرائيل. ولذلك لا تسارع الى التوصل الى مصالحة مع فتح والمشاركة في الانتخابات. وهي دائبة في اعادة بناء قوتها العسكرية وتثبيت مكانتها ككيان اسرائيلي بمساعدة اقتصادية وعسكرية من ايران، وتتوقع كسب ربح جماهيري عند الرأي العام الفلسطيني من صفقة اطلاق السجناء مع اسرائيل.

        في هذا الواقع تواجه اسرائيل سؤال كيف تمنع نشوء مسار أزمة يفضي الى اقامة دولة فعلية في الضفة الغربية وانشاء كيان اسلامي متطرف في قطاع غزة. ان تجديد المسيرة السياسية والتقدم الكبير فيها كما تبين تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قد يضمنان ان تكون اقامة الدولة الفلسطينية نتيجة للتفاوض. قد يعزز السير في المسار السياسي قاعدة شرعية السلطة عند الرأي العام الفلسطيني ويمنع الخوف من أن تظهر منفذة لاملاءات اسرائيل. اما سلطة حماس في قطاع غزة في مقابلة ذلك فسيراها الرأي العام الدولي عائق تقدم سياسي لتسوية النزاع. وقد يمنح ذلك اسرائيل شرعية اجراء عسكري لمواجهة حماس في القطاع اذا اصبح الامر محتوما.

        هدفي من هذه المقالة تحليل النظام الفلسطيني المنقسم، وميزان القوى والاتجاهات التي تنشأ في جزئيه، وتقدير المعاني التي تنبع من ذلك عند اسرائيل في المجال السياسي الامني.

        الانقسام الداخلي

        دأبت مصر التي تشفق من امكان انشاء كيان اسلامي متطرف موال لايران في قطاع غزة الذي يحادها، دأبت في السنة الماضية في جهودها للوساطة بين حماس وفتح لاحراز مصالحة وطنية. وهي تسعى اليوم الى تجديد المسيرة السياسية بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية لاحراز تسوية دائمة. موقفها هو أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الجهة الفلسطينية الشرعية الوحيدة لاجراء التفاوض السياسي مع اسرائيل وان المصالحة بين حماس وفتح ليست شرطا لتجديد المسيرة السياسية. يبنى توجه مصر على تقدير ان تحريك المسيرة السياسية قد يملأ جهود المصالحة بين فتح وحماس بمضمون ايجابي لتوحيد الساحة الفلسطينية وتمكن ابي مازن من اعادة سيطرته على القطاع بالفوز في الانتخابات.

        سمت مصر مرة بعد اخرى تواريخ جديدة لاتمام الحوار الفلسطيني الداخلي، الذي يفترض  ان يفضي الى توقيع حماس وفتح وسائر الفصائل على وثيقة المصالحة التي اعدتها. يفترض ان تعلن هذه – برعاية مصر وتأييد الجامعة العربية – اتفاقا في شأن انهاء الانقسام في الشعب الفلسطيني واجراء انتخابات للرئاسة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني. على حسب وثيقة المصالحة المحدثة، يفترض ان تجرى الانتخابات في حزيران 2010. ويفترض أن تنشأ بأمر رئاسي لجنة من 16 عضو من فتح وحماس ومن الفصائل والعناصر المستقلة تخول تنفيذ الاتفاق وتنهي عملها مع اجراء الانتخابات واقامة الحكومة. وسيجب عليها من جملة ما يجب ان تهيىء الجو لاجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات السلطة في المنطقتين، واعادة الروابط والمؤسسات غير الحكومية الى ما كانت عليه، ومتابعة اعمال اعادة بناء القطاع.

        وقع ممثلو فتح على وثيقة المصالحة. أما قيادة حماس فعرضت طائفة من التحفظات. تشتمل وثيقة المصالحة نفسها على مواد تقبلها حماس وعلى مواد اخرى تريد توضيحات لها. تتناول المواد المقبولة الموضوعات الاتية: الحاجة الى اجراء اصلاحات في منظمة التحرير الفلسطينية على نحو تشتمل فيه المنظمة على جميع القوى والفصائل الفلسطينية؛ واجراء انتخابات نسبية لمجلس وطني فلسطيني جديد تضمن تمثيمل جميع القوى والفصائل والاحزاب الوطنية والاسلامية وجميع الاوساط والاتحادات داخل مناطق السلطة وخارجها؛ وان تدافع اجهزة الامن عن الوطن (مناطق السلطة) وعن السكان وان تحترم حق الشعب الفلسطيني في المقاومة؛ وان يعتبر نقل معلومات الى العدو تضر بالوطن وبالسكان أو بالمقاومة خيانة شديدة يلزم القانون اتخاذ عقوبة عليها.

        في مقابلة ذلك، طلبت قيادة حماس توضيحات في طائفة من الموضوعات الواردة في وثيقة المصالحة. وهي تشتمل على الموضوعات الاتية: اعادة افراد اجهزة الامن السابقة (نحو من 3 الاف شخص) الى القطاع، وهو اجراء يضمن وجودا امنيا للسلطة في القطاع، لكنه لا يضمن وجودا مماثلا لحماس في الضفة الغربية؛ وحظر اقامة اجسام عسكرية خارج اجهزة الامن المتفق عليها – وهي خطوة تلمح الى طلب حل اجهزة امن حماس وفي ضمنها افراد "القوة التنفيذية" (نحو من 11 الف شخص)؛ والتعاون بين اجهزة امن السلطة و "دول صديقة"، تفسره حماس على أنه منح الشرعية للتعاون الامني مع اسرائيل؛ والتناقض الذي يبدو من أن احدى المواد في الوثيقة تعترف بالحق في "المقاومة"، اما مادة اخرى فتحظر وجود عناصر "المقاومة".

        توجد عوامل تعويق اخرى لتوقيع حماس على وثيقة المصالحة التي اقترحتها مصر، تتصل بصراعات القوة الداخلية في الحركة بين قيادة "الداخل" وقيادة "الخارج"، والخوف من نتائج الانتخابات. يؤيد اسماعيل هنية ومحمود الزهار التوقع على اتفاق المصالحة مع ضم التحفظات التي فصلت اعلاه، عن ادراك ان حماس تراها الجماعة الدولية اليوم "الولد الشرير" الذي يمنع اجراء المصالحة. وهما يخافان من ان تثقل مصر على حماس باغلاق معبر رفح وتحديد حرية حركة مسؤوليها الكبار. يملي خالد مشعل اليوم الذي كان مؤيدا للتوقيع على وثيقة مصالحة، مع ضم التحفظات، موقف حماس الرافض ويظهر بذلك زعامته وسيطرته على الحركة. والى ذلك تشفق قيادة حماس من ان تفضي وثيقة المصالحة الى انتخابات في حزيران 2010 تخسر فيها وبذلك تخسر انجازاتها في القطاع. وتقدر انه في الانتخابات التي ستجرى في المنطقتين سيكون فوز ابي مازن مضمونا في حالة تجدد المسيرة السياسية واحراز تقدم حقيقي فيها. ويوجد لدى القيادة ايضا خوف من ان تزيف نتائج الانتخابات وتُميّل لمصلحة ابي مازن وفتح.

        ان قيادة حماس لا ترجع امكان الخسارة في الانتخابات الى نهج "المقاومة" الذي افضى الى الدمار والخراب او الى عجزها عن ازالة الحصار عن القطاع واعادة بنائه على أثر عملية "الرصاص المصبوب" او للصبغة الاسلامية للنظام الذي انشأته في المنطقة. مع ذلك يمكن افتراض ان هذه التقديرات ايضا موضوعة في اساس تفضيلها عدم اجراء الانتخابات. في مقابلة ذلك قد تغير قيادة الحركة موقفها من قضية المصالحة والانتخابات اذا كان السياق عدم وجود مسيرة سياسية واستطاعت أن تعرض ابا مازن وسلام فياض على أنهما متعاونان مع اسرائيل وان تتبجح بصفقة اطلاق السجناء. مهما يكن الامر، تهيىء القيادة في هذه الاثناء لوضع لا يكون من الممكن فيه عقد جسر فوق الخلافات والا تجرى انتخابات في المستقبل القريب. وهي تبني من اجل ذلك شرعية معتمدة على الشرع الاسلامي تصف قطاع غزة على أنه ارض الرباط التي ستكون اساسا لانشاء الخلافة الاسلامية التي ستوحد العالم الاسلامي في دولة واحدة من جديد. بعبارة اخرى يوجد تسويغ ديني لاستمرار وجود سلطة حماس في القطاع حتى لو كان ثمن ذلك الانقسام الوطني للشعب الفلسطيني.

        السلطة الفلسطينية: الطموح الى تسوية دائمة تامة

        يثابر ابو مازن على طموحه للتوصل الى تسوية سياسية شاملة مع اسرائيل مع معارضة اتفاقات جزئية واقامة دولة في حدود مؤقتة. وهو ما يزال يرى التفاوض مع اسرائيل الطريقة الفضلى للتوصل الى التسوية الدائمة ونتيجتها اقامة الدولة الفلسطينية الى جانب اسرائيل في حدود 1967. وفرض عمله هو أنه على اثر التقدم الذي طرأ على التفاوض في "مسيرة انابوليس" (في 2008)، اصبح الفلسطينيون قريبين من الاطار المطلوب لتسوية سياسية مع اسرائيل. مع ذلك، لما كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قد استجاب مطالب الوقف التام للبناء في المستوطنات وفي شرقي القدس وتجديد التفاوض على اساس "خريطة الطريق" الامريكية، على نحو جزئي، تبنى ابو مازن طريقة بديلة من المباشرة: فهو يقود حملة لتجنيد تأييد دولي يمكن القيادة الفلسطينية من التوجه الى الامم المتحدة طالبة الحق في الاعتراف بان تكون حدود 67 هي حدود الدولة الفلسطينية في المستقبل. ويعمل في الوقت نفسه في صياغة موقف عربي موحد يطلب أن يحدد سلفا حدود اطار الاتفاق على أن ذلك شرط لتجديد التفاوض. تشتمل حدود هذا الاطار على اقامة دولة في حدود 67 عاصمتها القدس الشرقية، وعلى تبادل الاراضي باتفاق، وتجميد كامل للبناء في المستوطنات وفي ضمنها القدس حتى من اجل الزيادة الطبيعية.

        لا ينبع الموقف الفلسطيني في شأن تجميد البناء في المستوطنات من التمسك فقط بالموقف الذي عبرت عنه الادارة الامريكية الجديدة في هذا الشأن في بدء ولايتها. فهو يقوم على عدة دعاوى: اولا الطلب المبدئي الذي يقول انه يجب عدم اقرار حقائق في الميدان الذي يجري التفاوض فيه، وذلك في الاساس خوف ان يفضي استمرار البناء الى زيادة كبيرة للكتل الاستيطانية التي ستطلبها اسرائيل لنفسها؛ وثانيا خريطة الطريق التي تلزم السلطة مكافحة الارهاب تقرر بصراحة ان على اسرائيل وقف البناء في المستوطنات؛ وثالثا عدم الثقة باستعداد حكومة اليمين في اسرائيل للاعتراف بحق الفلسطينيين في انشاء دولتهم في حدود 67. هذه هي خلفية جهد الفلسطينيين لوجدان قنوات بديلة من التفاوض المباشر مع اسرائيل لاحراز اهدافهم: سواء أكان ذلك بوساطة فعالة من الولايات المتحدة قد تضمن ان تنشأ الدولة الفلسطينية في حدود 1967 أو أن تكون الدولة مساوية في مساحتها للاراضي التي احتلت في 1967 أم بواسطة الجماعة الدولية التي تتبنى مطلب الفلسطينيين وتتخذ قرارا موافقا لذلك في الامم المتحدة.

        الدعامة الاخرى في سياسة ابي مازن هي تقديم بناء الدولة الفلسطينية بالفعل، على حسب خطة رئيس الحكومة سلام فياض. القصد الى بناء مؤسسات الحكم وتعزيز الاسس الاجتماعية والاقتصادية والامنية للسلطة، كي تصبح الدولة الفلسطينية حتى منتصف 2011 حقيقة قائمة. وبهذا تبرهن السلطة والشعب الفلسطيني لاسرائيل والجماعة الدولية على أنهما قادران على تحمل مسؤولية عن الاراضي تحت سيطرتهما. وذلك سيمنع اسرائيل من زعم ان الفلسطينيين غير ناضجين لاقامة دولة او انهم محادث في اتفاق سياسي ولاقامة الاتفاقات والالتزامات في المستقبل.

        ان سير ابي مازن وسلام فياض نحو انشاء دولة فلسطينية سليمة يعبر عن سياسة واعية ترمي الى تقديم مصلحة الفلسطينيين على نحو مستقل في حال لم يجدد التفاوض مع اسرائيل. في السنتين الماضيتين بدأ فياض مسيرة اعادة بناء مؤسسات السلطة واجهزة الامن، واعادة القانون والنظام بواسطة الشرطة والمحاكم، والقضاء على الفساد واقامة حياة عادية مستقرة للسكان في الضفة الغربية. يعمل فياض اليوم في زيادة جدوى عمل مكاتب الحكومة ومؤسسات السلطة وتشجيع القطاع الخاص. وهو ينوي بناء اقتصاد فلسطيني لا يعتمد على العمل في اسرائيل حتى لو ظل متعلقا بالمساعدة الخارجية. ويعمل في تطوير مصادر عمل ومضاءلة البطالة، وتحسين عادات الجمهور  في مجال العمل ودفع الضرائب والاقلال من تعلق السلطة بالمساعدة الخارجية للنفقات الجارية. وبدأ يستغل صندوق الاستثمارات الحكومي على نحو يختلف عما كان في الماضي: اولا لم تعد تستغل ارباح الصندوق في نفقات جارية بل في استثمارات؛ وثانيا عُدل بمركز نشاط الصندوق عن شركات خارجية الى شركات فلسطينية محلية. والى ذلك ادخل تعديل على قانون ضريبة الدخل لتشجيع تسجيل شركات اجنبية في مناطق السلطة.

        تحتاج خطة سلام فياض الى مجال جغرافي يمكن في الجملة من اقامة ميناء وبناء مطار وحرية سياسية تمكن من التوقيع على اتفاقات تعاون اقتصادي مع دول المنطقة وجباية مستقلة للجمارك. وفي هذه الحدود ايضا يحظى نشاط فياض بردود ايجابية في الداخل ومن الجماعة الدولية ايضا. توجد مثلا علاقات ثقة وتعاون بين السلطة والمصارف التي تعمل في الضفة الغربية تمكن من اعطاء القطاع الخاص اعتمادا لتقديم النمو؛ وتسود اليوم بين العمال وارباب العمل والحكومة علاقات عمل سليمة، بعد ان عولجت مشكلات مختلفة في مجال الاجور مثل زيادة الغلاء بعقب التضخم. وفي الساحة الدولية تمتدح جهات مختلفة (وفيها الامين العام للامم المتحدة) انجازات الفلسطينيين في الامن والاقتصاد والاصلاحات المالية. وتواصل الدول المانحة تحويل المساعدة التي التزمتها في برنامج التطوير لثلاث سنين (2008 – 2010) على نحو منظم. ويتابع مفوضو البنك الدولي وصندوق النقد الدولي العجز الحالي لميزانية السلطة (نحو من 400 مليون دولار)، لكن يبدو أن الدول المانحة مستعدة في الظروف القائمة لسد هذا العجز. ان الهدف الرئيس لبرنامج التطوير الحالي لثلاث سنين الذي سينتهي في نهاية 2010 هو تطوير مؤسسات الحكومة. ينوي فياض صوغ خطة لثلاث سنين (2011 – 2013) تنحصر في التطوير الوطني في مجال البنى التحتية ومساعدة السكان الضعفاء.

        على نحو يخالف برنامج عمل ابي مازن وسلام فياض السياسي والاجتماعي والاقتصادي مع يزال يوجد في صفوف فتح خطاب كفاح اسرائيل الذي يتغذى باستمرار وضع الاحتلال وبناء المستوطنات وعدم وجود مسيرة سياسية. الان يتغلب خطاب الكفاح على خطاب ابي مازن وفياض ويعبر ايضا عن سيطرة القيادة الضعيفة على نشطاء الميدان وعناصر المعارضة داخل فتح. وتستمر في الحركة التي يقودها ابو مازن ظاهرة الانقسام التي تميزها. ولم يخلص المؤتمر السادس في 2009 الحركة من خمودها المتصل. ظل جيل الوسط في فتح الذي اندمج في مؤسسات قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وفتح بعد المؤتمر، بغير تكتل داخلي وقيادة رائدة، وبغير تأييد جماهيري كحركة. ان ولاية سلام فياض، الذي ليس هو من صفوف فتح، هي قذى في عيون اكثر مسؤولي فتح الكبار، لان انجازاته في مجالي الاقتصاد والمجتمع لا تنسب الى حركتهم. كذلك حقيقة أن قادة اجهزة الامن ليسوا من صفوف فتح تنتقص في نظرهم من مكانتهم وقوتهم كحركة وطنية رائدة.

        نشوء كيان اسلامي متطرف في قطاع غزة

        ما زالت حركة حماس تتمسك بمبادىء ميثاقها وتعارض الاعتراف باسرائيل واحترام الاتفاقات التي وقعت بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل. المواقف البرغماتية التي صدرت عن الحركة في الماضي القريب في مجال ادارة  النزاع، في محاولة لان تقبل على أنها لاعبة سياسية شرعية لم تترجم لاستعداد عملي عندما طلب اليها ان تعترف بمطالب الرباعية وان توقع على وثيقة المصالحة الفلسطينية الداخلية التي اقترحتها مصر. ولم تنجح قيادة الحركة في أن تحظى باعتراف عربي ودولي رسمي بسلطتها في القطاع، وأخفقت في جهودها لتجميد ضغط عالمي على اسرائيل لازالة الحصار عن القطاع.

        ان رفض حماس للمبادرة العربية للسلام من جهة وعلاقاتها الوثيقة بايران من جهة أخرى أسهمت في عزلتها السياسية وابعادها عن الاجماع العربي. طلبت العربية السعودية من خالد مشعل توضيحات تتعلق بما يبدو أنه تحول حماس الى أداة تخدم جهة غير عربية (ايران)، وطلبت منه ان يقرر: "أمعنا أنت أم علينا؟" وعبر وزير خارجية العربية السعودية سعود الفيصل عن تأميله أن تتنبه حماس وتقبل مبادرة السلام العربية. وعبرت مصر عن خوفها من المس بسيادتها، وبدأت تبني جدارا فولاذيا تحت الأرض على حدودها مع القطاع. ولم تخف أيضا تصميمها على منع حماس انشاء علاقات تضامن مع حركة "الاخوان المسلمين" في مصر على نحو قد يخل باستقرار الدولة. ردت قيادة حماس بغضب على بناء الجدار الفولاذي مدركة أن مصر تنضم بذلك في واقع الامر الى الحصار على القطاع. على هذه الخلفية تدبر قيادة الحركة خطواتها بحذر شديد في كل ما يتعلق بنهج "المقاومة"، في قصد الى الحفاظ على انجازاتها وضمان استمرار سلطتها في القطاع وأن تفضي في المستقبل، بالتدريج الى انقلاب سياسي في الضفة الغربية.

        بعد الضربة العسكرية التي تلقتها قيادة حماس من اسرائيل في عملية "الرصاص المصبوب"، عززت من جديد سلطتها في قطاع غزة مع اظهار تجاهل قيم الديمقراطية، وهي تقيم اليوم سلطة فعالة بلا ضوابط وتفرض القانون والنظام، على نحو لا يشبه الاضطراب الذي كان موجودا في فترة حكم فتح والسلطة. في الآن نفسه تزيد حماس قوتها العسكرية من جهة كمية وكيفية. وما زالت تبني ذراعها العسكرية لتصبح ذات خصائص جيش نظامي، وتعيد بناء نظام الصواريخ، وتتزود بصوارخ بعيدة المدى من طراز "فجر" (ذات مدى 75 كيلومتر). هدف حماس مزدوج: انشاء قدرة صمود لعملية عسكرية قريبة من اسرائيل، وبناء ردع لاسرائيل كي لا تصل الى مواجهة عسكرية واسعة، وأن تمنع بذلك تدمير مبان ومنشآت للسلطة والجيش من الجو. تقدر قيادة حماس أن ميزان ردع كهذا اذا نشأ سيمنح استقرارا وهدوء زمنا طويلا حتى بغير احراز اتفاق بينها وبين اسرائيل، وسيمكنها ذلك من تعزيز سلطتها في القطاع وحصر عنايتها في عمل اعادة بنائه.

        ان قيادة حماس السياسية والعسكرية في القطاع التي جربت لاول مرة في تاريخ الحركة القوة العسكرية للجيش الاسرائيلي في عملية "الرصاص المصبوب"، تريد اليوم أن تلمح الى اسرائيل والى الجماعة الدولية انها معنية باستمرار وضع وقف اطلاق النار للتركيز في النشاط المدني. وهي تواجه منظمات اسلامية مباعدة وعناصر جهاد عالمي تغلغلت الى القطاع، وتمنع تنفيذ عمليات على اسرائيل وفي ضمنها اطلاق صواريخ. يبين مسؤولو الحركة الكبار ان حماس ستحافظ على التهدئة ما ظل ذلك يخدم مصالح الشعب الفلسطيني. ويشيرون الى حقيقة ان اسرائيل ايضا تحرص على وجود التهدئة، وهم يرون تقرير غولدستون عاملا رادعا كابحا لاسرائيل. في مقابلة ذلك ما زالت قيادة حماس تتمسك بمواقفها السياسة. وبرغم انه من الواضح ان ازالة الحصار الاسرائيلي عن القطاع ستفضي الى اعادة بناء اقتصادي والى مضاءلة معاناة الجمهور، فان قيادة الحركة غير مستعدة لقبول شروط دول الرباعية لانها ترى ذلك انحرافا عقائديا بعيد المدى يصحبه اعتراف بدولة اسرائيل.

        أخذت الضائقة الاقتصادية في القطاع تزداد شدة على أثر استمرار الحصار وعملية "الرصاص المصبوب": فالبطالة تبلغ اليوم نحوا من 40 في المائة، والانتاج الخام للفرد 1000 دولار في السنة. مع ذلك ما زالت تعمل المصادر وسبل ادخال الاموال من الخارج – التي تحول من طريق الخليج الفارسي الى سورية والى مصر ومن هناك الى قيادة حماس في القطاع. كذلك تستمر أعمال التهريب في الانفاق التي تعمل في رفح برغم هجمات اسرائيل من الجو وموت عمال بانهيار انفاق. ان صناعة التهريب تخفف شيئا ما الحصار الاقتصادي وكذلك حقيقة ان الحصار اليوم ليس مطلقا: فقد سمحت اسرائيل بادخال آلاف الخراف في القطاع قبيل عيد الاضحى الاخير، وأجازت تصدير الزهور من القطاع. كذلك زاد حجم السلع التي أدخلتها منظمات المساعدة الدولية في السنة الماضية في القطاع جدا قياسا بالسنة السابقة، لكن مع عدم وجود معدات ثقيلة لازالة الانقاض ومع عدم وجود مواد بناء كالأسمنت والحديد والزجاج والخشب تمنع اسرائيل ادخالها القطاع، لا يوجد امكان عملي لتقديم أعمال ترميم الانقاض وتحريك عجلات الاقتصاد من جديد في  المنطقة.

        تحار قيادة حماس اليوم بين طموحها الى تقديم عملية أسلمة وتطبيق للشرعية في القطاع وبين رغبتها في عدم خسارة تأييد الجمهور. يجري داخل القيادة جدل بين معسكر يؤيد تقديما سريعا للتشريع بهدي من الشريعة الاسلامية وتطبيقها وبين معسكر يقترح التقدم بالتدريج في هذا الاتجاه كي لا تحدث مقاومة جماهيرية لسلطة حماس. يخاف أناس المعسكر الذي يقترح تقدما تدريجيا تعاظم الدعاوى الموجهة الى حماس وكأنها تنوي اقامة دولة اسلامية في القطاع. ومن جهة عملية تؤكد قيادة حماس اليوم الطابع الديني للمؤسسات الحاكمة وتقوي بالتدريج الصبغة الدينية في حياة السكان اليومية. وهكذا مثلا تعطى الافضلية للمحاكم الشرعية على حساب المحاكم المدنية، وأقيمت لجان مصالحة اسلامية تعمل في تسوية الخلافات بحسب القانون العرفي، وأقيمت شرطة آداب، وفتحت مؤسسات مثل مصرف اسلامي وشركة تأمين اسلامية. في الوقت نفسه استعملت قوانين تلزم السكان اغلاق الاسواق والحوانيت في يوم الجمعة، وتقرر فصل بين الرجال والنساء في الشواطىء، ونشرت توجيهات للامتناع عن الرقص المختلط في الاعراس، وتدعى النساء الى لبس الحجاب والأردية الطويلة. وبحث أعضاء المجلس التشريعي في المدة الاخيرة امكان تطبيق قوانين العقوبة بحسب الشريعة، كقطع يد السارق.

        تلخيص وتقدير المعاني بالنسبة لاسرائيل

        تبنى ابو مازن وسلام فياض في السنة الماضية استراتيجية سياسية يقوم في أساسها الاعتراف بأنه قد حدث تقارب ملحوظ في التفاوض في التسوية الدائمة مع الحكومة السابقة في اسرائيل، وأنهم قريبون من الاطار المطلوب لتسوية سياسية مع اسرائيل. وعلى حسب ذلك قد يثمر تجديد المسيرة السياسية المباشرة مع اسرائيل على اساس "خريطة الطريق" الامريكية في نظرهما تفاهمات تمكن الفلسطينيين من اتمام مسيرة بناء الدولة ذات السيادة. على حسب تلك الاستراتيجية، اذا لم تتفضل حكومة اسرائيل بتجميد  البناء في المستوطنات ولم تستجب لتجديد المسيرة السياسية من النطقة التي وقفت عندها، فان الفلسطينيين يستطيعون تقديم شؤون على نحو مستقل مثل: بناء دولة في الواقع واحراز اعتراف دولي بحدودها واستعمال الاحتجاج الشعبي الشرعي غير العنيف اذا لزم الامر كالنضال الذي يجري في مواجهة جدار الفصل.

        يفضل ابو مازن وسلام فياض مع هذه الاستراتيجية السياسية الاستمرار على اجراء تعاون أمني مع اسرائيل برغم الضرورات التي تصحب ذلك، والبرهان على ان الطرف الفلسطيني يفي بالتزاماته في "خريطة الطريق". وهما يريان ان الاستقرار الامني النسبي الذي يسود الضفة الغربية اليوم والتطور الاقتصادي ايضا يفرغان مزاعم سابقة لاسرائيل من مضمونها كانت تقول ان السلطة الفلسطينية ليست محادثا في المحادثات الامنية والسياسية وغير ناضجة لقبول سيطرة على الارض والسكان. والى ذلك تتسق هذه الابدال في نظرهما مع تصور "السلام الاقتصادي" لحكومة اسرائيل وتصوغ بالتدريج واقعا وجوا أسهل لتسوية سياسية.

        هذا الطريق السياسي الذي يمضي به ابو مازن وسلام فياض قد ينجح نجاحا حسنا عندهما. فهما يستطيعان ان يعرضا اسرائيل على أنها دولة رافضة ما تزال تستعمل دعاوى جوفاء عن مكافحة الارهاب للتهرب من التزاماتها من الفلسطينيين في المسيرة السياسية وابقاء الاحتلال على حاله. يمكن افتراض ان تفسيرا كهذا سيلقى اذانا صاغية في الجماعة الدولية اليوم، ولا سيما بعد تقرير غولدستون الذي اتهم اسرائيل بانها مسؤولة عن جرائم حرب في غزة، وأضعف مكانتها في الامم المتحدة واضر بصورتها على انها عضو في هذه المنظمة. قد تكف الجماعة الدولية عن رؤية اسرائيل طرفا ضحية يدافع عن نفسه ويقف في جبهة مكافحة ارهاب عناصر الاسلام المتطرف، وتبدأ تراها طرفا محتلا عدوانيا يستعمل قوة غير معقولة على الفلسطينيين ويمس مسا شديدا متصلا بحقوق المواطنين منهم.

        من أجل ذلك قد ينشأ حراك اتخاذ قرارات في حلقات دولية مختلفة في شأن عدم شرعية المستوطنات في الضفة الغربية وكذلك اعتراف بحدود 1967 على أنها حدود الدولة الفلسطينية وبالقدس العربية على انها عاصمتها. قد تصاحب هذه القرارات المواقف الرسمية للولايات المتحدة مما يتعلق بالنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني وفي ضمنها تلك التي تقرر ان المستوطنات عائق للسلام، وان تقدم ذات يوم لنقاشها في الامم المتحدة من أجل تبنيها الرسمي. وهكذا في أمد بضع سنين، عندما تصبح الدولة الفعلية الفلسطينية حقيقة قائمة يستطيع الفلسطينيون الحصول على اعتراف دولي بدولتهم.

        الى جنب التحدي السياسي لاسرائيل كما وصفناه اعلاه ما زال يوجد التحدي العسكري. برغم أن وضع الاقتصاد في الضفة الغربية كان في تحسن في السنتين الماضيتين، ويكرر ابو مازن وسلام فياض الاعلان بانهما سيعارضان معاودة الكفاح المسلح لاسرائيل، فليس في ذلك ضمان لاستقرار امني دائم لزمن طويل. في الحقيقة اخذ يبنى الشعور بالرفاهة الاقتصادية عند السكان لكن بسبب استمرار وضع الاحتلال والبناء في المستوطنات سيبقى الدافع الى معاودة طريق المواجهة من جهة عناصر في حركة فتح ما يزال يوجد عندها خطاب الكفاح، ومن جهة جماعات وطنية واسلامية اخرى تحصل على مساعدة وتأييد من الخارج (ايران وحزب الله). كذلك قد يضعف بغير مسيرة سياسية حافز أجهزة أمن السلطة، التي تجري اليوم تعاونا امنيا عن دوافع بناء الدولة الفلسطينية والخوف من حماس. ان عدم وجود مسيرة سياسية سينفي عن السلطة الفلسطينية شرعية الاستمرار على العمل بجد في مواجهة حماس في الضفة الغربية.

        يبدو أنه يوجد في الافكار التي تقوم في أساس خطة ابي مازن وسلام فياض عناصر ايجابية بالنسبة لاسرائيل. من بينها الطموح الى حل الدولتين في حدود 1967 (لا 1948)، وتحمل مسؤولية عملية عن مصير المجتمع الفلسطيني ومستقبله في الضفة الغربية وفي قطاع غزة وبناء دولة قانون سوية ذات قدرة على الحكم واقامة اتفاقات والتزامات مع اسرائيل. بل يمكن ان نفترض أن ابا مازن سيقبل بترحاب كل تعاون من اسرائيل على تقديم هذه الخطة اذا رأى مع اسرائيل الغاية النهائية للتفاوض والاطار الزمني لاجرائه حتى نهايته. وهو عازم على التوصل الى تسوية سياسية مع اسرائيل ومعارضة اتفاقات جزئية واقامة دولة في حدود مؤقتة. وهو يزعم بانه يمكن اكمال التفاوض في غضون بضعة اشهر اذا وجد استعداد من اسرائيل،  حتى لو كان تطبيق الاتفاق تدريجيا واحتاج الى عدة سنين.

        في الحقيقة ان الشقاق بين حماس وفتح في الجانب الفلسطيني والخلاف السياسي العميق في اسرائيل لا يمنعان امكان تجديد المسيرة السياسية، لكن نجاح التفاوض في اطارها مشروط بسلسلة عوامل ما زال يشك في وجودها عند الطرفين. اولا يحتاج الى اتفاق بين قادة الطرفين على ان ينحصر التفاوض في حل مشكلات 1967 لا قضايا 1948 وان يكون مصدر صلاحية التسوية قراري الامم المتحدة 242 و 338، وفي اساسهما مبدأ "الاراضي مقابل السلام"؛ وثانيا، يجب على القادة ان يجندوا تأييدا عاما واسعا لقرارات حاسمة تاريخية تطلب منهم وفي ضمنها مسألة حق العودة للاجئين وقضية تقسيم البلاد وفي ضمنها القدس.

        ان ميل اسرائيل الى تفضيل وضع الفرقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة سيمنع احتمال تطبيق الاتفاق اذا احرز. التقدم نحو تسوية النزاع بطريقة سياسية سيقتضي اذن الغاء الفرقة بين المنطقتين حتى لو كان ذلك بمسار تدريجي: اولا بتجسيد المزايا التي ستنشأ للشعب الفلسطيني من البديل الذي تعرضه السلطة اليوم في الضفة الغربية قياسيا ببديل حماس في القطاع في شأن احراز استقلال سياسي وبناء دولة ومجتمع؛ وثانيا تجديد المسيرة السياسية على اساس "خريطة الطريق" الامريكية من غير تأجيل وتقدم حقيقي فيها في ما يتعلق بالدولة الفلسطينية التي ستنشأ في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وثالثا اجراء انتخابات: يستطيع ابو مازن في هذه الظروف ان يعلن اجراء انتخابات وان لم تستجب قيادة حماس للمصالحة. تستطيع السلطة أن تجري الانتخابات في الضفة الغربية عندما يصبح واضحا للجميع ان الحل السياسي الذي سيحرز سينطبق على المنطقتين. في هذه الحال سينظر الى حماس انها تمنع التقدم نحو انهاء الاحتلال وانشاء دولة فلسطينية مستقلة في المنطقتين، اما الانتخابات فسيراها الرأي العام الفلسطيني اجراءا توحيديا لا شقاقيا.

        في مقابلة ذلك، مع عدم وجود مسيرة سياسية قد يقوى من جديد كون حماس بديلا سياسيا برغم عزلتها السياسية اليوم. تستغل قيادة الحركة الوقت الذي يمنحها اياه الجهود في الوضع لاعادة بناء قوتها العسكرية وانشاء كيان اسلامي يخضع للتأثير العقائدي من ايران ويحظى بمساعدة اقتصادية وعسكرية منها. وكل ذلك في حين اخذت تتضاءل الشرعية الدولية الممنوحة لاسرائيل للقيام بعمل عسكري واسع لاسقاط حكم حماس، مع الوقت. وكلما جرت المحافظة على الهدوء الامني. مع عدم وجود قوة سياسية مهمة سوى حماس في الساحة الفلسطينية ستبدو هذه حركة وحيدة ذات أساس تنظيمي وقيادي صلب، تعرض اساسا فكريا وهوية وطنية اسلامية في المناطق الفلسطينية عامة.

        في الخلاصة، الامكان المحتمل الذي يقول ان الدولة الفلسطينية ستكون حقيقة قائمة في غضون بضع سنين يجب أن تكون عاملا حافزا آخر لاسرائيل في الطريق الى تجديد المسيرة السياسية في محاولة لتقديمها. تقتضي المصلحة الاسرائيلية ان تكون اقامة الدولة الفلسطينية نتاج التفاوض لا تطورا يفرض على اسرائيل ويلزمها ان تعترف بهذه الدولة وبخطوط 1967 على انها حدودها بضغط من الجماعة الدولية. بعبارة اخرى يجب على اسرائيل أن تختار أتنشأ الدولة الفلسطينية عن وضع نزاع ومواجهة أم عن وضع مسيرة مصالحة. سيكون لهذا الامر تأثير حاسم في شكل العلاقات التي ستسود في المستقبل بين دولة اسرائيل ودولة فلسطين.