شريط الأخبار

الزهار.. "وجْهٌ خفيّ" تُواريهِ "مساحيقُ التجهم"

11:32 - 02 تموز / مايو 2010

"فلسطين" تبحث عن مكامن "الإنسان" و"القائد"

الزهار.. "وجْهٌ خفيّ" تُواريهِ "مساحيقُ التجهم"

فلسطين اليوم- هديل عطاالله

خلف مكتبه الفاخر كان يجلس، بمجرد دخولي إلى "مَضافةِ" منزله سألتُ نفسي وأنا ألقي حولي "نظرة تأمل": "تُرى "أناقة" الأثاث ترتبط بمنصبه الرفيع، أم ربما "شخصية المكان" تنتمي إلى "شخصية صاحبها" ذا "الأنَفة"؟..

وقفَ بتواضع ليرحبّ بنا ويخيّرنا ما بين الجلوس على "مقعدٍ رسمي" يواجه مكتبه العريض، وما بين "جلسةٍ" على "أرائكَ" مقابلة، تحيّنتُ الفرصة وآثرتُ "الخيار الثاني"، فطبيعة لقاءي به تستلزم الخروج عن أجواء "سين جيم" الروتينة، ودون ذلك لن يتسنى لي رصد الرجل الذي عُرف عنه بأنه "القيادي صعب المراس" رصداً شاملاً لا تشّوشه حواجز "البرستيج" المصطنعة، مخططةً في ذلك الوصول في "أقصر وقتٍ ممكن" إلى مكامن "الإنسان" و"السياسي" فيه على حدٍ سواء.

وقبل أن أبدأ "بخارطة الأسئلة" التي كان لا بد أن أدسّ فيها "ألغاماً" بعنايةٍ حذرة تفادياً لأي ردٍ منه قد يسببّ لي إحراجاً وقع فيه سابقاً زملاء صحفيون، قبل "خارطتي" بادر بإذابة الحاجز ليسألني وزميلتي إيمان عامر التي رافقتني:"شاي أم قهوة؟"..أجبناه:"بالطبع قهوة"، ردَ مازحاً في أول تعقيبٍ له:"يبدو أنكم "كيّيفة"!!.

 

"فلسطين" تدعو قرائها المهتمين بمعرفة ما وراء سطور "شخصيةِ" الدكتور محمود الزهار الذي يتصدر شهرةً عالية ومكانة خاصة في الأوساط الفلسطينية، إلى الانضمام "لجلسةٍ" مطولة ذات أبعادٍ من الدفء الإنساني الذي عادةً ما يغيب في "طاحونة" الحوارات المعتادة، محاولين في ذلك الكشف عن الوجه الكامن في أعماق "روحه"، التي ينقسم حولها الناس ما بين محبين، وحاقدين لأسبابٍ تدور أغلبها حول أن "الزهار" يتسم "بالصلافة" "والتشدد" وفق ما يعتقده أنصار هذا "الرأي".

 

النصف المصري

قبل خمسةٍ وستين عاماً وُلد الزهار لأبٍ فلسطيني وأمٍ مصرية، وقضي نحو عقدين من الزمن في "أرض الكنانة"، بـ"ريشة الطفولة" رسم تلك اللوحة بكثيرٍ من الحنين قائلاً:"لعلني اعتبر عام 1958م مفصليُ في حياتي، ذلك أننا غادرنا غزة في عام 1947م وسافرنا إلى مصر، وعِشنا بها، وفي عام 1958 سُدّت وسائل العمل في وجه والدي وأخي الكبير حسن، فاضطرا إلى السفر للسعودية كي يبحثا عن مصدر رزق تحديداً في مهنة "الميكانيكا"، ولكنهما لم يجدا نتيجة الكساد في تلك الفترة، فكان القرار المهم بتشجيعٍ من الوالدة بأن ننتقل من الإسماعيلية إلى غزة حيث يوجد لنا بيت في حي الزيتون، وبالفعل انتقلنا للعيش هنا، فكانت هذه "نقطة التحول" بالنسبة لي، إذ التحقتُ بالمدرسة ليبدأَ مشوار حياتي".

 

"بمناسبة الحديث عن "مصر".. يبدو من خلال تصريحاتك التي توصي فيها بضرورة الحفاظ على علاقة طيبة معها، أن ارتباطك بها غير عادي.. هل السبب في ذلك يعود إلى "أمك"؟!..يقول:"الأمر لا يتعلق بأمي وحدها، فقد وُلدتُ هنا في غزة، ولكن عندما بدأَ وعيّ يتفتح كنتُ مَوجوداً في مصر في الإسماعيلية والتي تُعد من أجمل مدن العالم في نظري، من حيث توفر المياه والخضرة وسُكانها المعطاءون".

 

ويتابع :"وعندما أنهيتُ مرحلة الثانوية العامة، عدتُ إلى القاهرة لدراسة الطب في جامعة "عين شمس" من عام 1965م إلى عام 1972م، كما مكثتُ لفترةٍ من عام 74 إلى 76، أي أن هناك "عِشرة عمرٍ" ليست بالقليلة، علاوةً على ذلك أن أساتذتنا الذين درّسونا في غزة هم مصريون، وسواء درستُ في القاهرة أو لم أدرس، فالأمر في النهاية ليس شخصياً، بقدر ما هو ارتباطُ عضوي، كما أن العامل الجغرافي يلعب دوره، ناهيك عن أن من مصلحتنا الحقيقية أن تبقى مصر مفتوحةً لنا".

 

"الزهار" الصغير"

ووفق ما يشير إليه الزهار فإنه منذ مصغره كان وفياً لكلا والديه حيث يجمعه بهما تشابهُ في "الشكل" و"المضمون"..تسلّلت البراءة إلى صوته وهو يوضح مقصده:" بالنسبة لأبي فقد كان يتيماً ووحيداً لا إخوة له، مما جعل نشأته تتسم بالاعتماد على الذات، أما أمي فقد كانت شخصيتها قوية ومرحة في ذات الوقت، وهكذا انتقلت الصفات السابقة لأخوتي ولي على وجه الخصوص".

 

أما علاقته بوالده فقد كانت مميزة إلى حدٍ كبير، لا سيما أن "محمود" كان الابن البكر من الزوجة الثانية...يصف طبيعة هذه العلاقة في مرحلة "التأسيس" بقوله:"والدي كان يرى أني أبذل مجهوداً غير عادي في دراستي، التي لم تخلو من مشاركتي في أنشطةٍ أخرى، وتمثّل ذلك في لُعبي لكرةِ القدم إذ لطالما سجلّتُ أهدافاً قوية من وسط ملعب اليرموك، كنتُ كغيري من أبناء جيلي أذاكر على "لمبة الغاز"، وأحافظُ على ما يوفره والدي بصعوبة من ملابسٍ وكتب مجتهداً في ذلك ألا أخيّب أمله".

 

 

كنتُ كغيري من أبناء جيلي أذاكر على "لمبة الغاز"، وأحافظُ على ما يوفره والدي بصعوبة من ملابسٍ وكتب مجتهداً في ذلك ألا أخيّب أمله"

ولم تكن الرياضة وحدها مثار اهتمام الزهار في صغره بل المطالعة أيضاً كانت العامل الأشد تأثيرٍ في شخصيته لتبرز لديه موهبة الكتابة، يشير إلى ذلك:"في فترة "المراهقة" كنت أقرأ كل ما يقع تحت يدي لـ "فيكتور هوجو" و"ديستفوسكي" ولـ"أغاثا كريستي"، وأذكر أني في عام 1963 وأنا لا زلتُ في "المرحلة الثانوية" كتبتُ قصة "شمعة لم تنطفئ" التي تدور أحداثها عن عز الدين القسام، ذلك أنني على وشك نشرها بعد تطويرها لتصبح قصةً تاريخية".

 

كانت بلا شك ثمار الاجتهاد التي حصل عليها "التلميذ الصغير" مدعاةً للفخر، وقد توجّ ذلك بإحرازه في المرحلةِ الإعدادية على المركز الأول على مستوى قطاعِ غزة، وفي مرحلة الثانوية تفوق والتحق بكليةِ الطب ليبدأ مرحلةً جديدة في حياته عام 1965م، إذ تولى أخيه حسن مهمة الإنفاق على تكاليفه الدراسية إبان انقطاع الطلبة عن أهاليهم في غزة، وهكذا مضت السنوات سريعاً، ليتخرج من جامعة عين شمس بتقدير "جيد جداً الذي لم يكن الحصول عليه بالأمر اليسير.

 

العمل الطبي المقاوم

على الرغم من انشغال "الطبيب الشاب" آنذاك بخدمة أهل بلده، إلا أن ذلك لم يلغي انخراطه في "العمل الوطني" ولكن "على طريقته"، هذا النوع من "العمل" الذي بدت بوادر الاستعداد له عندما بدأ يكتب وهو لا يزال شبلاً عن "المقاومة"، وعن "الرجال الأبطال".

 

ولكن تُرى بعد حصوله على "الشهادة الكبيرة" وعودته مجدداً إلى "مقبرة الغزاة" كيف كان بإمكانه مقاومة المحتل عبر "رداءٍ أبيض"؟..بأسلوبٍ يشي بإصراره على الهدف الذي يحدده واصل الحديث:"من بين ما كافحتُ لإنجازه واعتبرته "عملاً مقاوماً" هو إنشاء كلية التمريض، ففي عام 1972م كنتُ أدرّس في مدرسة التمريض التابعة للحكومة التي رأيتُ بأنه يتم تسييسها لتصبح خادمةً للاحتلال، فكان لا بدّ من إيجاد مؤسسةٍ بديلة عنها، لتتمخض عنها فيما بعد كلية التمريض التي حاربتها (إسرائيل) عبر مطاردتي أنا والدكتور عبد العزيز الرنتيسي- رحمه الله- عندما كانت تلاحقننا وتمنعنا من دخول الجامعة، وعندما أجبرت مجلس الأمناء في عمّان أن يغلق الكلية عام 1985 إلا أني لم استسلم وعاودتُ فتحها كقسمٍ من ضمن أقسام كلية العلوم".

 

 

في عام 1972م كنتُ أدرّس في مدرسة التمريض الحكومية التي كانت تُسيّس لخدمة الاحتلال، فكان لا بدّ من إيجاد مؤسسةٍ بديلة، هي "كلية التمريض" التي حاربتها (إسرائيل) وأجبرت مجلس أمنائها في عمّان على إغلاقها عام 1985، لكنني عاودت افتتاحها كقسمٍ يتبع كلية العلوم"

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل واجه الاحتلال أيضاً فيما عُرف بانتفاضة الجمعية الطبية عام 1981م التي كان يُديرها وقتئذ، إضافةً إلى عمله على دعم الأطباء العاطلين عن العمل بأموال من الخارج لتثبيت صمودهم، كل ما سبق وغيره ساعد على ظهور شخصيات مقاومة للاحتلال في المجال المهني، مما انعكس على معرفة الناس بأسمائهم وعلى رأسهم "ضيفنا" والدكتور الرنتيسي و ابراهيم المقادمة وإبراهيم اليازروي".

 

لقاءات "السلطان الجائر"

كل العقبات التي واجهت "الدكتور محمود" لم تثنِه عن مواصلة الطريق، حتى عندما وصلت الأمور إلى حد قطع رزقه، يمضي في سرده لـ "حكاية المسير":"فُصلتُ بسبب العمل الطبي المقاوم عام 1982 كاختصاصي رغم ندرة المختصين، وبفضل الله لم يلقَ "نشاطي" وما ترتب عليه أي تذمرٍ من أسرتي، بل افتخروا بأن الجزء المهم من الانتماء للوطن يتم في هذه الصورة المشرفة".

 

ويؤكد الزهار أنه طرح الموقف الفلسطيني بجرأة في لقاءاته بقادة اسرائيليين اُستدعي لمقابلتهم، مما يثير تساؤلاً عن فحوى تلك اللقاءات، متطرقاً باختصار:"بعد أن أصبح اسمي معروفاً في المجال الطبي بدخولي على "خط السياسة" بمجموعة الأنشطة التي ذكرتها والتي من أبرزها إضراب الجمعية الطبية التي كنتُ أرأسها، مطلع الثمانينيات، ففي ذلك الوقت أصبحت (اسرائيل) مُمثلةً في "الإدارة المدنية" تلتقي بكل رؤساء المؤسسات والنقابات ومن بينهم أنا، ساعيةً إلى اللعب على وتر الخلاف بين حركتي فتح وحماس، فكانت أول لعبة لهم في مارس 1988 بعد اندلاع الانتفاضة الأولى، عندما التقى شمعون بيرس وزير الخارجية آنذاك بالحاج رشاد الشوا، ومن بعده التقاني وعرض علي المبادرة المعروفة "الانسحاب الكامل من غزة". ويومها خاطبني:"قل ولا تخف"، فقلتُ له:"أنا مُلزم شرعاً ألا أخف، لأن الرسول يقول:"أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، وبما أنك سلطان جائر احتليتَ وقتلتَ وأبعَدت فأنا مُلزم بعدم الخوف منك".

 

 

 من أجل تأجيج الوضع بين فتح وحماس، التقى شمعون بيرس وزير الخارجية الحاج رشاد الشوا، ثم التقاني وعرض عليّ مبادرة "الانسحاب من غزة"، مخاطباً إياي :"قل ولا تخف"، فأجبته بقول النبي الكريم :"أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، وبما أنك سلطان جائر احتليتَ وقتلتَ وأبعَدت فأنا مُلزم بعدم الخوف منك

أما المرة الثانية التي التقى فيها بيرس يفيد أن ذلك كان بحضور الفصائل الفلسطينية في عام 1989، عندما قدم طرف من فتح مبادرة أسماها "مبادرة النقاط العشرة" التي استخدمت فيما بعد في مدريد وأوسلو، ويومها أبدى الزهار رفضاً تاماً مُتفقاً في ذلك مع ممثلي فصائل كانوا حاضرين.

 

"إسلاميُ" من "يوم يومَه"

ثمة "أقاويلُ" تناقلت أن "أبي خالد" كانت له ميولاً يسارية، ولكنه نفى ذلك نفياً جازماً ليشدد أن الميول الإسلامية نمت لديه منذ البداية:"لم أكن ذات يوم "يسارياً" حتى في مطلع شبابي، بدليل أني بقيتُ حتى عام 1958 أؤذن في مسجد الرحمة في الاسماعيلية، ربما البعض يظن هذا الاعتقاد انطلاقاً من أنني عندما رجعتُ لغزة عام 1972م، ونظرتُ لواقع الأطباء وجدتُ ضرورة تدريب المجتمع الفلسطيني على "الإسعاف الأولي"، لذا سعيتُ إلى عقد دورات في الجامعة الإسلامية وللأسف لم توافق، ليتكرر موقف الرفض مع وكالة الغوث، وحينها تبنى الدكتور حيدر عبد الشافي عبر الهلال الأحمر الفكرة، ووقتها أعددنا كتاباً بمشاركة مجموعة من الأطباء وأخذنا نعقد الدورات المطلوبة، وبناءاً على ذلك فالأمر كله تم من قبيل أن "الهلال" كان هو المؤسسة الوحيدة التي وافقت على ذلك، ولكن لم يخطر ببالي مطلقاً أن أكون يسارياً، إلا أن البعض عندما لمسوا علاقتي بـ"عبد الشافي" اعتقدوا أني فتحاوي"، لافتاً أنه واجه مشكلةً في حقبة التسعينيات صبت في ذات الاتجاه، حيث خرجت تصريحات من "متحدثين" بإسم الخارج تتهمه بأنه ذراعُ للسلطة، وبوقُ تم اختراقه من حركة فتح!.

 

 

لم أكن ذات يوم "يسارياً"، بدليل أني أذّنت في مسجد الرحمة بالإسماعيلية حتى عام 1958 ، وعندما رجعتُ لغزة، ونظرتُ إلى واقع الأطباء وجدتُ ضرورة تدريب المجتمع على "الإسعاف الأولي"، لذا سعيتُ إلى عقد دورات في الجامعة الإسلامية وكالة الغوث فلم توافقا، وحينها تبنى الدكتور حيدر عبد الشافي عبر الهلال الأحمر الفكرة

الحقيقة بين خيارين

"التلفزيون الاسرائيلي"..كان أول وسيلةٍ إعلامية يظهر فيها الزهار لتتاح أمامه فرصةَ التأسيس لخبرةٍ مميزة في تعامله مع الإعلام، مما جعله يقدم على تأليف كتابٍ جديرٍ بالقراءة عنوانه:"الإعلام الموجه للسياسيين"، يتذكر ذلك الظهور وكأنه "بالأمس" :"عندما تخرجت وعملت في غزة كان أول لقاء إعلامي لي في نوفمبر 1972 على "قناة اسرائيل"، حيث أجرت مقابلات مع أربعة أطباء آنذاك، وقلتُ يومها أننا محتاجين لرفع مستوى الخدمات الطبية من جهة، ومن جهةٍ ثانية أن نحسن العلاقة بين الجمهور وبين قطاع الأطباء، وقد اُستحسن هذا الخِطاب جداً عند الأطباء والإعلاميين".

 

ويعتبر الزهار الإعلام سلاحُ خطر، وأن كثيراً من الزعماء فقدوا مصداقيتهم في إساءة استخدامه دون أن يدركوا أن أي كلمةٍ تخرج بدون وعي وتوازن يمكن أن تدمر، بينما في المقابل هناك كثيرُ من الشخصيات البسيطة التي ارتفع رصيدها بالإعلام الملتزم والمهني.

 

وذات مرة وقع في أحد "المطبات" –مضطراً- أثناء تعامله مع الإعلام، لأجل قول حقيقةٍ تستدعي القول من وجهة نظره إتباعاً لقاعدة "لا أخاف في الله لومةَ لائم"، يقصّ الموقف بطريقةٍ توحي كما لو أنه من النوع الذي "لا يندم":"بالفعل نتعرض لمواقف يتعين فيها أن نختار بين قول الحقيقة فيغضب الناس، وبين ألا نقولها فنُغضِب الله ونخسر احترامنا لذواتنا، ما حدث أنه في عام 1992 عُقد مؤتمر مدريد وخرج البعض ممن شاركوا فيه يرقصون في الشوارع، وبعضهم الآخر ركب "جيبات" الإسرائيليين في رام الله حاملاً أغصان الزيتون..

 

ولكن الأنكى أتدرون ما هو؟..أن فلسطينيين دخلوا "مسجد السلام" وعاثوا فيه فساداً!، وهنا آثرت ألا أكتم ما لدي عندما أجرى التلفزيون الإسرائيلي لقاءاً معي، حيث كنتُ أملك وثائق وصور وشهود، مما أغضب الناس، ولكن الأمر في نظري هو قضيةً خطيرة تمسّ المصحف والمساجد التي أنكر هؤلاء دخولها".

 

"رفقاً بنا يا أبا خالد"

وفي ذات "ساحة" الإعلام...كان هناك سؤالٍ يتربصه بحذر، صغتِهُ بالشكل التالي:"صحفيون كثر تعاملوا مع القيادي "أبو خالد"، وكانوا يخرجون دوماً بانطباعٍ رسخ لديهم:"أنك حاد جداً وعصبي المزاج" مما جعل هاتين الصفتين تحديداً تصنعان حاجزاً من "عدم الألفة" والرهبة حيالك، بماذا ترد على هذا الاتهام؟!..ضحكةُ واسعة امتدت "بين أذنيه" سبقت رده:"يحدث أحياناً أن "يتفذلك" إعلاميُ صاحب توجه معاكس، فيقدم نفسه "كالبطل الذي قال للزهار ولم يخف"، فأنا في هذه الحالة أقوم (بقرصه) من أذنه، وهذا الأمر ليس فظاظة، ولكنه تصحيحُ للعلاقة بين "الإعلامي" و"الضيف الإعلامي" الذي يحمل عنوان كتابٍ لي، هذا "الضيف" يجب أن يُحترم طالما أنه في ضيافة الصحفي، لذا أنا أقولها بأن من يتعمّد الإساءة لي فيجب أن يتوقع الرد عليه، لكن من يلتزم بمهنيته فستكون العلاقة معه على ما يرام، فعندما يأتيني صحفي ليسألني عن أشياء لم أقلها، فمن الطبيعي أن أرد عليه بطريقةٍ تُحرجه:"من أين أتيت بهذا الكلام؟".

 

-حتى السؤال السابق- استطيع القول أني نجوتُ بحمدِ الله من "قَرصِ الأذن"، وهذا شجعني على رمي "نردٍ" آخر في طاولته بغية مكاشفته أكثر فيما إذا كان يتقبل النقد سيما أنه يُصّنف عادةً كواحدٍ من المتشددين في "حماس"، على الفور رَمى "حجر نَرده" بمهارة من يملك "أجوبةً فورية"، متابعاً:"نعم أتقبله، لكن إذا كانت لديّ فكرة ومقتنع بها، ومُلمّ بتفاصِيلها فإنني أدافع عنها، أما إذا كانت الأغلبية "ضد"، فأنني التزم، لكن عادةً لا اطرح أي فكرة إلا بعد دراستها بعناية، وكما ذكرتُ لكِ سلفاً بأنه إذا وجهت لي الإساءة عمداً فأنا لا أقبل الإهانة من أيٍ كان".

 

وحتى يستشهد بمثل واقعي...فقد ذكر بأن الرئيس الراحل أبو عمار كان واحداً ممن لم يأبه بهم فأعطاه "ما فيه النصيب" -كما يقول المثل-:"ذات يوم ادّعى عليّ عرفات بأني اتفقتُ وإياه على وقف العمل العسكري"..فقلتُ له:"كلا لم يحدث" أمام خمسة وعشرين شخص حاضرين، وسألته:"متى وكيف وأين ومن الذي كان جالس؟ كلامك غير صحيح، فسألني مستهجناً:"إذاً أنت تكذبني؟"...قلت له:"بل وأكثر من ذلك، فمن يكذب يفعل ذلك في كلمة وليس في شأنٍ كهذا".

 

مثالُ آخر مر به ولكن هذه المرة من الإعلام الغربي، تحديداً قناة "فوكس نيوز"، مُعقباً:"ذات مرة أجرت معي مقابلة وأطلقت علي "دكتور إرهاب"، فما كان مني بعد ذلك إلا أن أرفض مقابلتهم، لأني لستُ كذلك، وهم من يجب أن يفرقوا بين "إرهابي" و"مقاتلين لأجل الحرية".

 

 

ذات مرة أجرت معي مقابلة وأطلقت علي "دكتور إرهاب"، فما كان مني بعد ذلك إلا أن أرفض مقابلتهم، لأني لستُ كذلك، وهم من يجب أن يفرقوا بين "إرهابي" و"مقاتلين لأجل الحرية"

يا لها من أيام!

تجربته مع سجون السلطة الوطنية في مطلع التسعينيات فاقت في قسوتها تجربته مع السجان الاسرائيلي، في ظل هجمةٍ شرسة كانت تشن حينها على قيادات حماس دون أن يتصدى لها أحد؟ فما هو شكل التعذيب الذي تلقاه الزهار ورفاقه؟..بصلابة الحق المنتصر ارتدى الزهار الكلام:"كانت أياماً من أصعب ما يمكن، عندما أقدم موسى عرفات على اعتقالي مع إخواني الدكتور أحمد بحر والشيخ سلامة الصفدي، و"بدون تحقيق" كنا نُضَرب في كل أربعة وعشرين ساعة أربع مرات، من بينها مرتين نفقد فيها الوعي تماماً، ليزّرق جلدنا نازفاً منه الدم إلى أن نفقد القدرة على الوقوف"، معبراً عن فخره بأن "السلطة" لم تقدر أن تنتزع منه كلمة واحدة، والأهم أنهم لم يكسروا إرادته مطلقاً.

 

ليالٍ طويلة قاسَتها "أم خالد" في غياب زوجها الثائر، وهنا تجلى حنانُ فائق في عيني "الزهار" خالعاً عن وجهه "وجه الشدة":"كانت أكثر لحظة مؤلمة مرت بزوجتي ولم أكن بجانبها، حين خُطف الجندي الاسرائيلي (فاكسمان) عام 1994، ولم أكن موجوداً في البيت، فدخلت ضباط من السُلطة الفلسطينية من "شرفة البيت" كاللصوص، من أجل البحث عن "المختطف" تحت سريري، وأشهروا البندقية في وجه امرأةٍ عزلاء فلم يتصدَ لهم إلا ابني خالد الذي لم يكن يبلغ من العمر إلا سنواتٍ قليلة، وقالت لهم:"لو أن الذي تبحثون عنه كان موجوداً لما تجرأّتم على ذلك"، يا لها من لحظات مؤلمة حين يحتاجك أطفالك كي تدافع عنهم فلا يجدونك بجانبهم!".

 

استدراجُ شيق

لم تكن في حياته السياسة والنضال فحسب، بل "الكتابة" لها فيه "نصيبُ"، حيث ألّف عدة كتب فكرية وسياسية وأدبية، وهنا يستحضرني طالبات الجامعة الإسلامية عندما كن يتناوبن على استعارة روايته "أعماق صخرة" باحثين فيها عن شخصية "أستاذهم" الذي درسّ الكثيرات منهن مساق "الإسعافات الأولية".

 

في هذه "المحطة" بالذات استرَخت تقاسيم وجه الزهار إلى درجةِ كدتُ أنسى أنه هو ذاته "الزهار"، وبشغفٍ جميل أخذ يصف علاقته "بالورقة" و"القلم":"الكتابة جزء مهمُ من حياتي، وهي في نظري عوالمُ أطلّ منها فأتعلم من نفسي فتتسع مداركي وتأملاتي، وأجد متعتي فيها خاصةً عندما ترتبط بالعاطفة، ومن "طقوسي الطفولية" أني أحب الكتابة بخطٍ صغير، وبالقلم الرصاص، وقد كتبتُ ثلاث سيناريوهات من بينها "عماد عقل" و"الرصيف" الذي كتبته مؤخراً في خمسة أيامٍ فقط".

 

وعطفاً على ذِكري لـ "أعماق صخرة" التي استدرجتُه عبرها إلى الكشف عن "ظلال الماضي"، فقد عبرّ بتلقائيةٍ عما يسمى بـ "حديث البوح" ليقول:"أولاً يعتقد الكثيرون أنها حكايةُ شخصية، لأني كتبتها بصيغة "المتكلم"، مما اضطرني لإعادة صياغتها، ثانياً أنا كتبتُ هذه الرواية عندما كنتُ أعيش مرحلةَ ما بين عدم التدين الظاهري وبين التدين، ذلك أن من هم في عمر جيلي كانوا يعيشوا مرحلتين في شخصيةٍ واحدة، بمعنى أنهم عاشوا حياة كانوا يعتبرونها عادية ثم فجأة اكتشفوا أنها حرام، فهذا الانتقال من مرحلة إلى أخرى جسدته في الرواية، لذا ستجدين فيها أشياء سيقال عنها أنها من المحرمات، لكن هذا ما كان بالفعل موجوداً، ففي مصر الفتاة التي لم تكن تحب لا تُعتبر "أنثى" أصلاً ، والشاب الذي لا "جو" له "باللهجة المصرية" ليس رجلاً، فنحن لم نفعل هذه الأجواء ولكن كانت يغطيها نطاق الزملاء والزميلات".

 

وبمزيدٍ من الصراحة يقرّ بأنه كأي شابٍ "عادي" مارسَ سلوكياتٍ كانت من منظوره "عادية":"استمعتُ لكل مطربين الكون، وكنت أُسلّم على النساء، لأنه في تلك الفترة لم تكن تبدو لنا هذه السلوكيات بأنها "عيبُ أو حرام"، وكنا نتعامل مع زميلاتنا في المعمل أو المشرحة ممن يرتدين فستاناً فوق الركبة أو بنطالاً، ونشاهد السينما، ولكني لم أدخن في حياتي سيجارةً واحدة، وما استطيع تسجيله من قناعات في تلك المرحلة أن الشرف ليس له علاقة بالدين، وإن كان الدين يُكمِل ويجعل له قدسيةَ الحلال والحرام".

 

 

استمعتُ لكل مطربين الكون، وكنت أُسلّم على النساء، لأنه في تلك الفترة لم تكن تبدو لنا هذه السلوكيات بأنها "عيبُ أو حرام"، وكنا نتعامل مع زميلاتنا في المعمل أو المشرحة ممن يرتدين فستاناً فوق الركبة أو بنطالاً، ونشاهد السينما

هل غابت "النكتة"؟!

حين يدور الحديث عن أعز الناس على قلبه يصبح للحديث طعماً خاصاً..إنهما ولديه خالد وحسام "وآخرون" لا يرحلون عن الروح...استشهد الأول عام 2003 عندما تعرض منزل والده لقصف اسرائيلي لم يحقق الهدف المنشود..وفي 2008 اُستشهد "آخر العنقود" حسام، لتبدأ "الدعابة" تتلاشى شيئاً فشيئاً لديه حسب قول أشخاصٍ يتعاملون مع الزهار..

 

فاصلٌ من الصمت أعقبته ابتسامة حزنٍ شاردة:"كلا..لا تزال "القفشة" موجودةُ عندي، ولكن دَعيني أقول بأن أولادي كلهم بدرجة واحدة، وإن كان لريم وخالد وقعُ خاص، لان ريم أول هي أول من نادتني "أبي"، وخالد لأنه ابني البكر، ناهيك عن أنه كان مميزاً ودمِثاً إلى أقصى درجة، ثم أتى استشهاد أحمد عوض زوج ابنتي سماح الذي تربطني به علاقةً خاصة، بصدق لم أستطع التغلب على الحزن إلا بطلب الإعانة من الله، ولولا ذلك لما احتملت، وهذا ما قلته للأستاذ حسنين هيكل حين اندهش من مقدرتي على التحمل".

 

أما حسام الذي سيبقى في "سويدائه" فقال عنه:"كان معروف أنه لا ينام إلا في حضني، وقد تشابه معي في الأخلاق والشجاعة، ونسج العلاقات الاجتماعية"، لافتاً أن تكالب "الفراق" عليه، إضافة إلى استشهاد كوكبة من الناس عاشوا معه كالشيخ أحمد ياسين، والرنتيسي والمقادمة واسماعيل أبو شنب، إلى جانب الأجواء العامة التي لا تبعث على البهجة، وتحمله لمسؤوليةٍ يخشى فيها أن يتخذ قراراً يتسبب في استشهاد طفل، كل ذلك يجعل غياب "الدعابة" ليس بسبب خالد و أحمد و حسام، بل أضحى الأمر أكبر من ذلك...إنها قضية وطنٍ بأكمله -حسبَ "فضفضته".

 

ويبتسم وهو يفتح قلبه أكثر لـ"فلسطين":"تصوروا أن هناك من يسأل بناتي سؤالاً غريباً:"هل يتعامل والدكم معكم بشكل جيد؟"، فهم لا يعرفون أني دائم اللعب مع أحفادي الصغار، وأن انطباع الصرامة "الملصق" بي ليس موجوداً، ولكن طبيعة مهنة فرضت علي أن أكون حاسماً، ففي لحظةٍ ما كنتُ أقررّ هل أبتر أو لا، وهل أفتح بطن إنسان أم لا، وإلا فأنا سأعرض حياة المريض للخطر، وقيسي ذلك على سائر الشئون".

 

 

تصوروا أن هناك من يسأل بناتي سؤالاً غريباً:"هل يتعامل والدكم معكم بشكل جيد؟"، فهم لا يعرفون أني دائم اللعب مع أحفادي الصغار، وأن انطباع الصرامة "الملصق" بي ليس موجوداً، ولكن طبيعة مهنة فرضت علي

هكذا أنا.."رجل موقف"

منذ فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية أصبح الزهار مشغولاً بهمّ السياسة كونه من كبار القوم الذين يديرون دفّة الحكم في قطاع غزة، ولكن ترى ماذا أخذت منه السياسة وماذا أعطته؟!... كان رده:"أنا لم أأخذ من السياسة شيئاً، حتى عندما ذهبت إلى وزارة الخارجية كسياسيٍ محترف فكان ذلك لأعطي، الشيء الوحيد الذي حصّلته من السياسة أن بعض الناس بات يقدرني، وفي المقابل بعضهم يكرهني، وأنا بالمناسبة سعيد في كلتا الحالتين، ذلك أنني أدرك بأن من يكرهني هو مشوّه من الداخل وطنياً أو أخلاقياً أو فكرياً.

 

ويفّرق الزهار في حديثه بين قائد المواقف، وقائد العلاقات العامة:"أرفض أن أكون من النوع الأخير، فلستُ أنا من يجمع أصواتاً على حساب المواقف، لذا قد أكون في جلسة وأخسر تعاطف بعض الأشخاص، لأنه بالنسبة لي عندما يكون هناك ضرورة لموقف فأنني أعبر عنه حتى لو أزعج آخرين، وقد اتخذتُ هذا القرار بأن أكون "رجل موقف" منذ سنواتٍ طويلة، أما الذين يتبنون نظام "العلاقات العامة" فهم يربحون، ولكنهم "قياداتُ ضبابية".

 

الانسجام مع الذات!

عرّجنا معه على أكثر العلاقات المميزة التي جمعته بقياداتٍ حمساوية، فكان على رأسهم صلاح شحادة الذي عبر عن محبته له ببلاغةٍ جميلة:"يوماً ما سألتُ ابني حسام عن شعوره عندما يسّلم على صلاح شحادة فأجابني:"أشعر بأني أذوب في صدره لنصبح واحداً"، وشعوري تجاه صلاح هو هذا بالضبط، ويمكنني القول أنه مخلوقُ للجنة، ونزلَ لفترة مؤقتة على الأرض وعاد إليها".

 

ولم ينسى الزهار صديقه الحميم الدكتور ابراهيم المقادمة الذي كان من أقرب الناس إليه، مضيفاً:"أجمل ما فيه بأنه لم يكن لذاته "حِصةً" في حياته".

 

أما صديقه الأقرب الذي يفخر به فهو المهندس عماد العلمي عضو المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج، بعينين مشعّتين تحدث عنه:"عماد شخصيةُ قيادية فذّة من الدرجة الأولى، وقد قدم لفلسطين كثيراً، فهو منسجم مع نفسه تماماً حتى لو كلفه أن يفقد شيئاً، ولكن في المقابل هناك أشخاص لا احترمهم، لذا أرفض أن الجلوس معهم وهذا يعتبرونه "جلافة"، بينما اعتبره "انسجامُ مع الذات".

 

حين أنام...

ضيفنا "الكاتب القارىء" لا يسمح بأن تضيع دقيقةً واحدة من وقت فراغه "النادر"، فحسب تأكيده أنه في غير أوقات "الاجتماعات الرسمية المنهكة" يقضي أوقاته إما قارئاً أو كاتباً أو مشاهداً وعلى الأغلب "لمباريات كرة القدم".

 

ومن أهم الكتب التي تركت أثراً عميقاً في حياته يوضح:"بكل تأكيد القرآن الكريم، فعندما نضجتُ عليماً في الطب، وبدأت أعيدُ قراءة القرآن من منظورٍ علمي وجدتُ أن به إعجازاتٌ كثيرة تؤكد أن هذا الكتاب ليس من عند بشر، فالقرآن رقم واحد ليس في علم الطب فحسب ولكن أيضاً في سنن الأمم وتاريخ الشعوب.

 

صاحب "القُبعة الخضراء" الذي يُفضِل عادةً تناول الوجبات "الخضراء" وعلى رأسها "الملوخيّة"، أزِفَ الوقت معه بسرعة رغم أننا استغرقنا "ساعةً ونصف" في حديثٍ أظهرنا فيه ما أمكن كشفه من وجهه الذي اختفت منه تماماً "مساحيق التجهم"، ليكون سؤالِ "الرشفة الأخيرة" من قهوةٍ "رائقة المزاج":"أتنامُ سريعاً عندما تضع رأسك على الوسادة كل ليلة؟...

 

بحكمةٍ هادئة وضعَ آخِر لمساتِه على لوحة تتكرر كل مساء، فقال:"بالطبع لا يغمض جفني بسرعة، فأنا لدي هاجسُ مستديم أفكر فيه: "كيف لنا أن نؤذي (اسرائيل)، وحلمُ دائم هو "زوال (اسرائيل)، لأنها آذتنا كثيراً، آذت العالم كله، هذا الإيذاء الذي جاء مؤخراً باغتيال محمود المبحوح، والأكثر من ذلك أنها آذت اليهود في العالم كله، لأنها تكرر ذات التجربة التي ذاقها يهود الدنيا تاريخياً"..."إلى هنا" أغلقتُ جهاز التسجيل وقلت:"دكتور محمود الزهار..شكراً "كبيرة" لك".

- صحيفة فلسطين

انشر عبر