شريط الأخبار

أوباما إذ يتراجع أمام الهجوم الصهيوني .. ياسر الزعاترة

07:40 - 28 تشرين أول / أبريل 2010

بقلم: ياسر الزعاترة 

لم يدم صمود أوباما طويلا في مواجهة الضغوط الصهيونية، وها هو ورموز إدارته ينزلون على ركبهم من جديد مؤكدين للقاصي والداني متانة العلاقة بينهم وبين الدولة العبرية، ومؤكدين من جديد أيضا حقيقة أنه لا أحد في الولايات المتحدة يمكنه فرض شيء على تلك الدولة.

بدأت الأزمة بين الطرفين عندما أمل أوباما في إطلاق عملية سلام ذات معنى، بصرف النظر عن مدى نجاحها التالي، فكان أن اشترط على نتنياهو وقف الاستيطان في الضفة والقدس، وهو موقف ربما مال إليه صهاينة في الإدارة الأميركية نفسها مثل رام إيمانويل، كبير موظفي البيت الأبيض، وشجع عليه ظهور لوبي صهيوني آخر (جي ستريت) في مواجهة "الايباك" يدعم عملية السلام ويميل إلى تهذيب مواقف الدولة العبرية المتعلقة بعملية السلام.

لم يكن ذلك هو كل شيء، فقد توافر دعم مهم أيضا من طرف البنتاغون، وبالطبع في ضوء مقاربة سياسية صحيحة تقول إن ما يجري في الساحة الفلسطينية يمكن أن يؤثر سلبا على الجنود الأميركيين في العراق وأفغانستان، كما يمكن أن يؤثر على سائر المصالح الأميركية في المنطقة، لاسيَّما إذا أفضى الانسداد السياسي في الملف الفلسطيني إلى إشعال انتفاضة جديدة، ستشعل بدورها المنطقة برمتها.

هذه المقاربة لم تبقَ في سياق الهمس بين إدارة أوباما ومؤسسة الجيش، بل خرجت إلى العلن من خلال جملة تصريحات لقادة كبار في المؤسسة، من بينهم الجنرال بتريوس، قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي، ووزير الدفاع نفسه، فيما رددها آخرون في الإدارة رغم انحيازهم الكبير للدولة العبرية، مثل نائب الرئيس جو بايدن، وكذلك وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون.

هكذا أمل هؤلاء جميعاً في استجابة نتنياهو لمطالب وقف الاستيطان، معتبرين أن ذلك لن يؤثر بدوره على مصالح الدولة العبرية، لا في سياق الواقع القائم، ولا في سياق أية تسوية مستقبلية لن تتم إلا بالتوافق بين الطرفين، في حين يدرك الجميع أن الحديث يدور عن استيطان في مناطق فلسطينية محتلة بحسب قرارات الشرعية الدولية.

تمثلت المفاجأة في رفض نتنياهو مجاملة أوباما وإدارته، اللهم إلا بتجميد الاستيطان مدة 10 أشهر في الضفة دون القدس، وهو ما رفضه الجانب الفلسطيني لبعض الوقت قبل أن يقرر العودة للتفاوض بقرار عربي، لكن الإعلان عن مشاريع بناء جديدة في القدس لم يلبث أن استفزّ الفلسطينيين والعرب، معطوفاً على لعبة تهويد مفضوحة للمقدسات في القدس تمثلت في بناء كنيس على مرمى مئات الأمتار من المسجد الأقصى، بل أضيف إليها أيضا خطاب مستفز من نتنياهو يقول إن القدس ليست مستوطنة، بل هي عاصمة الدولة العبرية.

في هذه الأجواء بدا أن الوضع الفلسطيني والعربي قد أصيب بالضجر من مواقف نتنياهو، فيما ظهرت مخاوف أميركية من تطور الموقف نحو انتفاضة جديدة، فكان لا بدّ من تحرك من طرف أوباما يدعمه جنرالات البنتاغون، وهو تحرك لم يتجاوز بعض الجفاء في التعامل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي لدى زيارته الولايات المتحدة لحضور مؤتمر الايباك الشهر الماضي.

في مواجهة هذا التطور السلبي في العلاقة، وإدراكا لحقيقة أن الجيش الأميركي يدعم موقف أوباما من نتنياهو، بدأ الهجوم المضاد من الطرف الآخر، والذي تمثل في شِـق منه بإخراج بعض الفضائح للجيش الأميركي (فضيحة في العراق وأخرى في أفغانستان)، كما تمثل في عرائض من أعضاء في الكونغرس تؤكد ضرورة الحفاظ على متانة العلاقة مع الدولة الصهيونية، إضافة إلى إعلانات مبرمجة في الصحف الأميركية، فكانت النتيجة تراجعا مزريا تمثل أولا في حديث حميمي للجنرال بتريوس نفسه عن الدول العبرية، تلته رسالة من وزيرة الخارجية (كلينتون) في الذكرى الثانية والستين لتأسيس الدولة الصهيونية، وليختم البازار برسالة أخرى من أوباما نفسه حملت خطاباً غير مسبوق يتحدث عن أرض فلسطين التاريخية بوصفها "الوطن التاريخي للشعب اليهودي". أما النتيجة النهائية فهي عودة ميتشيل للمنطقة في جولات متوالية ومعه مساعده، وتنازل واشنطن عن شرط تجميد الاستيطان في القدس كشرط لاستئناف المفاوضات، والضغط على السلطة في هذا الاتجاه.

ذلك كله يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ما ذهبنا إليه مرارا من أن التغلغل الصهيوني في الأروقة الأميركية قد تجاوز كل الحدود، ولم يعد بوسع أوباما ولا سواه، حتى لو أرادوا أن يتمردوا عليه، وهي حقيقة ينبغي أن يتوقف عندها العرب ملياً، لكن واقع الحال يقول إن الوضع العربي الرسمي يدرك ذلك، لكنه خائف من إعلان اليأس، ومن إمكانية اندلاع انتفاضة جديدة، ربما أكثر من الأميركيين أنفسهم.        

انشر عبر