شريط الأخبار

الخيارات الإستراتيجية الفلسطينية: ما العمل؟../ هاني المصري

11:43 - 20 حزيران / أبريل 2010

الخيارات الإستراتيجية الفلسطينية: ما العمل؟ هاني المصري

 

لا يمكن تقديم ملخص شامل عما دار في الورشة التي نظمتها مجموعة أكسفورد للأبحاث ومركز بدائل، لأنها كانت غنية بالأفكار والاقتراحات والآراء، ولأنها ضمن مشروع سيشمل عقد عدة ورشات داخل فلسطين وخارجها ويهدف إلى بلورة وثيقة جديدة، إذا أمكن ذلك، تبني على وتستكمل الوثيقة الأولى التي خرجت عن ورشات سابقة نظمتها مجموعة أكسفورد للأبحاث بعنوان: استعادة زمام المبادرة: الخيارات الإستراتيجية الفلسطينية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

 

ورشة الخيارات الإستراتيجية الفلسطينية: ما العمل؟ استهدفت التقدم أكثر والانتقال من التشخيص للواقع واحتمالاته والعوامل المؤثرة فيه إلى تقديم الحلول والأفكار والتوصيات الكفيلة بالمعالجة.

 

فمحاور الورشة تضمنت: سيناريوهات المستقبل القريب، معالجة الانقسام أو إدارة الانقسام؟، الأجندة الوطنية المشتركة- المكونات والاحتمالات، أشكال المقاومة وخياراتها، العملية السلمية والخيارات مع إدارة أوباما، وأخيراً السياسات والأطراف الإقليمية ودورها.

 

أول شيء ملفت للنظر هو أنه رغم مشاركة مختلف ألوان الطيف السياسي، ورغم أن الحوار تناول كل شيء بصراحة وعمق وجرأة، ورغم وجود اختلافات جوهرية حول العديد من المسائل فإن التقارب في البرنامج السياسي والرؤى، وما يجمع الكل الفلسطيني أكثر بكثير مما يفرقه. وهذه العبارة ليست عاطفية، ولا تسقط التمنيات على الواقع، بل تعكس الحقيقة التي تغدو أوضح وأقوى باستمرار ويساعد على ذلك:

 

أولا: اتضاح المأزق والذي وصلت إليه العملية السياسية بحيث لم تعد عملية يراهن عليها حتى الكثيرون من أبرز مؤيديها.

 

ثانياً: وصول القوى والفصائل التي تطرح خيار المقاومة كخيار وحيد، إلى حد قبول الهدنة، ولو من طرف واحد، وبدون اتفاق رسمي، بما يشبه تعليق المقاومة حتى إشعار أخر، والسعي لإقناع من يقاوم بشكل مسلح إلى الالتزام بالامتناع عن تنفيذ عمليات في المرحلة الراهنة حفاظا على المصالح الوطنية.

 

إن ما سبق يفتح الطريق لمقاربة جديدة تجمع ما بين كافة الخيارات، المقاومة والمفاوضات، بحيث لا يستبعد أحدها الآخر، لا بشكل كلي ولا بشكل جزئي. فلا يمكن تحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية في ظل طبيعة وجذرية الأهداف التوسعية الاحتلالية الإسرائيلية بدون مقاومة. فالمقاومة غير محرمة وليست مقدسة. فلا يجب تحريمها فهي حق، ولا تقديسها فهي وسيلة لتحقيق الهدف، وأشكال المقاومة وتوقيتها وأهدافها يجب أن تخضع للبرنامج الوطني والقيادة الوطنية الموحدة التي يجب أن تشكل بعد الوحدة. فالمقاومة المسلحة قد تكون ملائمة في ظرف ما وغير ملائمة في ظرف آخر.

 

وهناك قناعة تتزايد حول ضرورة الاحتفاظ بالحق الفلسطيني بمقاومة الاحتلال بالأشكال كافة، بما فيها الكفاح المسلح، مع تركيز المقاومة في المرحلة الراهنة على المقاومة الشعبية بكل أشكالها، والتي لا تقتصر على المظاهرات السلمية فقط، وإنما مقاومة متنوعة ومتسعة لتشمل كل شكل من أشكال الصمود والمواجهة السياسية والقانونية والجماهيرية والإعلامية والثقافية والاقتصادية.

 

كما أن هناك قناعة تكاد تكون إجماعية بأن المفاوضات كما سارت عليه، وليس من حيث المبدأ، خاطئة وضارة مع أن أي صراع سيجد حلا في نهاية الأمر على طاولة المفاوضات. ولكن يجب أن تكون هناك مرجعية للمفاوضات تحدد منذ البداية الأسس والأهداف وشكل الحل النهائي، مع الإصرار على ضرورة وقف جميع الإجراءات الإسرائيلية التي تجحف بالقضايا التي يتم التفاوض حولها، وخصوصا وقف الاستيطان الذي لا يبقي ما يمكن التفاوض حوله.

 

وإذا نظرنا إلى السيناريوهات القريبة، فهي تظهر إذا استمر الانقسام الفلسطيني مرعبة للغاية. فهي تتراوح بين أن يستمر الواقع الحالي، أقل قليلا أو أكثر قليلا، أو أن تسير الأمور نحو حل انتقالي آخر، تحت مسميات مختلفة أبرزها الدولة ذات الحدود المؤقتة، أو نحو فرض حل نهائي لا يلبي الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، أو للتوجه لإحياء الخيارات العربية والإقليمية والدولية.

 

وهناك سيناريوهات ايجابية تتوقف على قدرة الفلسطينيين على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة على أسس وطنية وديمقراطية قادرة على تفعيل الطاقة الفلسطينية للحد الأقصى.

 

كما أن أي بحث في السيناريوهات لا يمكن أن يسقط احتمالات الحرب والسلام سواء على صعيد الملف الفلسطيني أو اللبناني السوري أو على صعيد الملف الإيراني. فإذا سارت المنطقة إلى الحرب ضد إيران فربما تتغير معالمها بشكل جذري، لأنها ستفتح احتمالات جديدة لم يكن مجرد التفكير فيها ممكناً.

 

وإذا سارت العلاقات الأميركية والدولية - الإيرانية نحو الوفاق المصالحة والتوصل إلى صفقة، فهذا سيؤثر على خريطة المنطقة بحيث تأخذ إيران دورا هاما وتركيا دورا هاما، وتبقى إسرائيل بالصورة بينما يكون العرب هم الغائب الأكبر.

 

وإذا وضعنا احتمالات الحرب والسلام مع إيران في سياق رؤية احتمالات التسوية السياسية في المنطقة في ظل رؤية إدارة باراك أوباما، التي يبدو أنها تفكر بتغيير السياسة الأميركية، ولكنها لم تبلور إستراتيجيتها بشكل كامل وواضح حتى الآن، وهي تشهد صراعاً بين جناحين مختلفين، الصقور والحمائم وتتعرض لضغوط من الأطراف المؤيدة لإسرائيل والذي لا يشمل اللوبي الصهيوني فقط ولا ينطلق من أسباب سياسية فقط إنما أيديولوجية ودينية وثقافية وقيمية.

 

الجديد الآن أن هناك في الحكم الأميركي من بدأ ينظر إلى ضرورة حل الصراع بالمنطقة ليس لأسباب أخلاقية فقط وإنما لأسباب سياسية واقتصادية وأمنية باعتبار أن حل الصراع وإقامة دولة فلسطينية أصبح مصلحة أميركية عليا.

 

على صعيد الملف الداخلي الفلسطيني، سواء على صعيد المنظمة والسلطة والمسألة الديمقراطية أو على صعيد الانقسام واستمرار حاله وجود سلطتين متنازعتين ومسألة برنامج الحكومة لإقامة مؤسسات الدولة حتى آب العام القادم، فلا يبدو أن هناك اختراقا على المدى القريب.

 

فبدون مصالحة وطنية لا يمكن تحقيق انجاز جوهري، ولا إعادة بناء النظام الفلسطيني على أسس سليمة. والمصالحة بعيدة حتى الآن وهي حتى تتحقق بحاجة إلى وضع أسس متكاملة للنظام السياسي الفلسطيني، تتناول الجوانب السياسية والديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية وأسس ومرجعية المفاوضات وأشكال المقاومة ومرجعيتها ومكانة السلطة في النظام السياسي وعلاقتها بالمنظمة، وتتناول الشراكة الوطنية، والآليات والإجراءات الكفيلة بتحقيق كل ذلك. وعدم الاتفاق على الأسس وكيفية الشراكة الوطنية تبدو هي العائق الأكبر أمام المصالحة، إضافة إلى العوائق الخارجية التي تؤثر جديا على إتمام المصالحة خصوصا العائق الإسرائيلي.

 

بدون تصور متكامل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن أن تكون الانتخابات لوحدها حلا.

بدون التفريق ما بين شروط المشاركة بالنظام السياسي الفلسطيني التي يقررها الفلسطينيون لوحدهم، وشروط المشاركة في الحكومة التي يتدخل بها المجتمع الدولي، لا يمكن الوصول إلى المصالحة. مع الأخذ بالاعتبار أن أي حكومة يجب أن تكون مقبولة من المجتمع الدولي لأنه يمدها بالشرعية والدعم المالي. ولكن قبول الحكومة دوليا لا يعني الموافقة على شروط اللجنة الرباعية، بل يمكن أن يقتصر على قبول القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بشكل إجمالي بما في ذلك قبول حل الدولتين.

 

إن الأمر الحاسم هو أن كون الانقسام أصبح امرأ واقعا لا يعني التسليم به والتعامل معه كأنه أبدي بل يجب مواصلة العمل لإنهائه. وإذا كان لا بد من إدارة الانقسام فيجب أن يتم ذلك بأفق إنهائه لا تكريسه.

 

يمكن التنافس بين السلطتين لتقديم نموذج حضاري ديمقراطي لا التنافس على القمع.

يمكن وقف الاعتقالات التعسفية والفصل الوظيفي والتحريض الإعلامي وإغلاق المؤسسات والحد من الحريات الفردية والعامة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وإذا تحقق ذلك فانه يساعد على إنهاء الانقسام.

يمكن إبقاء الحوار مستمرا ولبلورة الاتفاق على النقاط الممكن الاتفاق عليها مثل المقاومة المثمرة ومواصلة العمل من أجل تحقيق تسوية سياسية تحقق الحقوق الفلسطينية وما يعنيه ذلك من تأييد وقف المفاوضات وعدم استئنافها إلا بعد تحديد مرجعية واضحة وملزمة ووقف الاستيطان ويمكن تشجيع الخطوات الايجابية. والتي تساعد على التفهم والتقارب وليس انتقادها واستخدامها بالصراع الداخلي.

 

فإذا اقتربت حماس من فتح بالنسبة للتهدئة والتفاوض وبرنامج الدولة، فهذا يجب أن يسعد فتح لا أن يدعوها للشماتة بحماس.

وإذا عادت فتح لحمل لواء المقاومة، حتى ولو ركزت على المقاومة الشعبية وأخذت تجمع أوراق القوة مجددا فهذا يجب أن يسعد حماس!!

 

انشر عبر