شريط الأخبار

دور اليراع في زمن الضياع .. بثينة شعبان

02:12 - 19 تموز / أبريل 2010

بقلم: بثينة شعبان

خلال حرب 1973 تساءل الكثير من الكتاب العرب «ما الفائدة من الكتابة؟»، وما هو دور القلم في عالم تحكمه القنابل والدبابات والطائرات الحربية، والتي في النتيجة تتحكم بمصائر الشعوب وحقوقهم ومستقبل أبنائهم؟ أما اليوم فالوضع الدولي أشد ظلما للشعوب التي أصبحت تعاني من الحروب والعقوبات والحصار والتعذيب رسميا ومن قبل دول «متحضرة وديمقراطية»، وكأن لغة السياسة شيء والواقع شيء آخر.

البيان الختامي لقمة الأمن النووي التي عقدت في واشنطن في 13 أبريل (نيسان) 2010، يتحدث مثلا عن عالم آخر لا علاقة له بعالم اليوم الذي نتابع فيه أخبار العقوبات التي يحاولون فرضها ضد هذه الدولة، فيما يتم التجاهل المطلق لخرق دولة أخرى لكل القوانين والاتفاقات والمعاهدات الدولية. القمة دعت كيانا مسلحا نوويا لكنه لم يوقع على منع معاهدة انتشار الأسلحة النووية، فيما استبعدت دولا موقعة على المعاهدة وملتزمة بها ويقوم المفتشون بمراقبة نشاطاتها، لكن البيان قلب هذا الواقع، فإيران هي الخطيرة وإسرائيل هي ضيفة الشرف!.

دعا البيان إلى «تسهيل التعاون الدولي في المجال النووي السلمي». إذا كان هذا هو الحال، فلماذا اقتراح العقوبات على إيران، التي تخضع للمعايير الدولية للمراقبة، فيما لا توجه العقوبات لدولة أخرى تقوم بتطوير التقنية النووية للأغراض الحربية؟.

إذا كان الهدف هو وجود أمن نووي حقيقي، فلماذا التسامح مع كيان معتد ومحتل ويمتلك الرؤوس النووية الحربية، ويرفض التوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، كما شهد الخبير الإسرائيلي فعنونو الذي كشف سر القدرات النووية العسكرية الإسرائيلية؟.

لغة البيان الختامي عائمة إلى درجة أنك تعيد قراءة كل بند مرات عدة، ولا تتأكد بالنتيجة من القصد الحقيقي. إذن ما الهدف من الكتابة إذا كان طغاة العالم يتلاعبون باللغة ليسهل عليهم خداع الناس وتزييف الحقيقة وتخدمهم في ذلك آلة إعلامية طيعة بأيديهم؟!

البيان أكد على استمرار ازدواجية المعايير في السياسة الغربية. كما أنه يشهر سيف الإرهاب ضد المسلمين مستخدما بعبع «احتمال امتلاك الإرهابيين (مسلمين بالطبع!) لهذا السلاح الخطير» لإرهاب العالم وابتزازهم.

الموقعون على البيان يرفضون منذ عام 1986 إلى حد اليوم وضع تعريف دولي للإرهاب، كي يبقى المصطلح أداة طيعة في يد من يرغب باستخدامه في الزمان والمكان المناسبين للأغراض التي يرتئيها القوي في استخدامه ضد الضعيف.

وفيما كان بيريس يحاضر عن الإرهاب النووي الإسلامي، كانت سلطاته تقوم بطرد سبعين ألف فلسطيني من منازلهم في الضفة، في عملية تطهير عرقي لا مثيل لصمت العالم «المتحضر» عنها في القرن الحادي والعشرين. وهنا أيضا تدفع اللغة المستخدمة إلى القنوط. فقد تراوحت ردود الأفعال بين «انتقاد» للقرار و«مطالبات» بالعودة عنه، ودعوة إلى «التعقل»، ولو أن أي دولة أخرى قد أساءت بنسبة صغيرة جدا لسكان مدنيين أبرياء، لاستحقت قرار مجلس أمن تحت الفصل السابع، إذ إن العراق، ورغم الحرب عليه والاحتلال الأجنبي المستمر منذ 2003، ما زال يرزح تحت مثل هذا القرار. أي جدوى من الكتابة والغرب يتمسك بمثل هذه المواقف المشينة من حقوق الإنسان في فلسطين؟

رغم عنصرية وكارثية مثل هذا القرار، الذي يدمر حياة آلاف الفلسطينيين ويمزق النسيج الأسري الذي تعرض منذ عام 1948 للتمزق والتفتت مرات ومرات بفعل المجازر الإسرائيلية وعمليات التطهير العرقي المستمرة ضد الفلسطينيين، فإن الطريقة التي قوبل بهذا هذا القرار دوليا وعربيا هي بحد ذاتها الكارثة، فقد كانت لغة المبني للمجهول هي سيدة الموقف، كي لا يتم تحميل المسؤولية للكيان الصهيوني المعتدي. فها هو العنوان في «صنداي تايمز» البريطانية (12 أبريل 2010) «يُخشى من طرد جماعي بعد قرار الإذن في الضفة الغربية»، وفي متن المقال تنسب هذه الخشية والخوف إلى «ادعاءات جمعيات حقوق الإنسان»، رغم أن القرار صدر والجرافات تهدم المنازل، والأطفال والجدات يبكون على أنقاض منازلهم في مناظر تقشعر لها الأبدان، ويجب أن يندى لها جبين البشرية. وقد اختفى الخبر بعد عدة أيام كليا عن شاشات التلفاز والجرائد ونشرات الأخبار، ويترك الآن الفلسطينيون إلى أقدارهم. وكالعادة سوف يلجأ الكيان إلى تطبيقه سرا وبهدوء من دون ضجة إعلامية منعا لإحراج أصدقاء إسرائيل. ورغم كل هذا فإن 76 عضو مجلس شيوخ يطالبون الرئيس أوباما «بعدم تغيير سياسته اتجاه إسرائيل»، أي عدم اتخاذ أي خطوة «تزعج إسرائيل» رغم كل الجرائم التي ترتكبها.

كما أن النغمة الجديدة اليوم هي تثبيت مبدأ «تبادل» الأراضي في الحلول المقترحة، وخلق دولة فلسطينية منزوعة السلاح، ومن دون حق لها في القدس، ومن دون مناقشة عودة اللاجئين. ففي خطة السلام الأميركية المقترحة والتي يعتبرها البعض أملا ووعدا «يتم إرجاء البحث في قضايا اللاجئين والمدينة القديمة في القدس واعتماد حدود تعتمد على خط 1967، مع الاتفاق على تبادل للأراضي بطريقة متساوية، والأخذ في الاعتبار حقائق جديدة على الأرض (مستوطنات قريبة من الخط الأخضر) وتصبح الدولة الفلسطينية خالية من السلاح، مع ترتيبات أمنية يشرف عليها انتشار لقوى متعددة الجنسيات».

إن عبارة «تبادل الأراضي بطريقة متساوية»، التي أدخلها الإسرائيليون إلى قاموس التسوية منذ عام ونيف، تهدف إلى تثبيت سرقة مصادر المياه الفلسطينية وأراضيهم الخصبة، كما أن عبارة «الحقائق الجديدة على الأرض»، تعني الاعتراف بكل ما قامت به إسرائيل من قتل، وتهجير، واستيطان، وسرقة أرض ومياه، فها هم المستوطنون في القدس الشرقية يخرجون الفلسطينيين من منازلهم ويدّعون أن حقهم في هذه البيوت منصوص عليه في التوراة (انظر يديعوت أحرونوت 7 أبريل 2010). أولا يدعو كل هذا إلى اليأس من أسرة دولية وأمم متحدة وشرعية وقرارات دولية، أولا يدعو أيضا إلى فقدان الرغبة في الاطلاع على أخبار ومشاريع سلام مصدرها الأساسي فرض الأمر الواقع بقوة السلاح. هل هناك جدوى للكتابة في زمن الضعف العربي هذا؟.

وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تجاهلت كل ما تقوم به إسرائيل من جرائم، ودعت العرب «لدفع مبادرة السلام العربية بالأعمال وليس فقط بالأقوال»، لتؤكد موقفها بأن العرب هم الذين لا يريدون السلام وليس الإسرائيليين، وكالعادة تؤكد على «أمن إسرائيل» الذي لا يهدده أحد أصلا، فيما الواقع الفعلي هو أن إسرائيل تهدد أمن الفلسطينيين.

وتحدثت عن حق الإسرائيليين والأميركيين «في العيش بحرية من الخوف» ولكن ماذا عن الشعب الفلسطيني، أوليس له الحق في العيش بكرامة وحرية بعيدا عن الخوف، والقتل، والتهجير اليومي الذي تفرضه عليه قوات الاحتلال العنصرية؟ أما الرئيس أوباما الذي أرعد في خطاباته الأولى بالوعود الطنانة فقد عبر عن عزمه، وفقط، ممارسة «الضغط على الإسرائيليين والفلسطينيين معا»، ثم تراجع سريعا لأنهم «غير جاهزين لتسوية الصراع مهما كان حجم الضغط الذي تمارسه واشنطن عليهم». وبهذا فقد ساوى الرئيس أوباما بين الجلاد والضحية، وبين القاتل والمقتول، وبين المعتدي والمعتدى عليه تجنبا لتحميل الكيان الصهيوني مسؤولية فشل الجهود الرامية إلى تحقيق السلام للسنوات العشرين القادمة.

وبعد هذا وذاك، ورغم كل هذا الحيف الواقع على المسلمين والعرب، ورغم كل هذه العنصرية ضدهم، يعكف بعضهم على التسلح بالصمت، والهزال، والانصياع للمعتدي.

إذا كان لا بد من دور لليراع، فيجب أن يتمثل في كشف زيف اللغة المستخدمة لفرض الظلم على العرب واصطناع المواقف المقلوبة، والتبني المقصود للنفاق دوليا. وإذا كان للأسرة الدولية من وجود، فعليها أن تعترف بالواقع وتوصفه وتكف عن الكيل بمكيالين لأسباب انتخابية أو لخوف من مجموعات الضغط العنصرية، ولكن هذا لن يحدث ما لم يعد العرب إلى توصيف واقعهم، وكتابة معاناتهم، وفضح كل السياسات، والنصوص، والخطط الهادفة إلى طمس حقوقهم مهما كان مصدرها، لأن التاريخ أثبت أن الحقوق العادلة أقوى من أي جبروت متغطرس في أي زمان ومكان.

انشر عبر