شريط الأخبار

يوم اجتاحوا طبريا.. حديث ذكريات الأيام المرة المجبولة بالدم والتهجير

09:51 - 17 تموز / أبريل 2010

يوم اجتاحوا طبريا.. حديث ذكريات الأيام المرة المجبولة بالدم والتهجير

فلسطين اليوم: وكالات*

مايو/أيار من أقسى الشهور قال الشاعر توماس آليوت وهذا ما يقر به كل فلسطيني لما يستبطنه هذا الشهر من دلالة مروعة . ولكن ابريل/نيسان لا يخلو من القسوة، وبالنسبة لطبريا فهو شهر أسود إذ كانت طبريا من أوائل المدن الفلسطينية التي نالت منها الصهيونية في الثامن عشر من أبريل/نيسان 48 وسقطت في اليوم التالي شقيقتها حيفا أيضاً مضرجة بدمائها .

 

بعد يومين تحل الذكرى الثانية والستون لنكبة المدينة الفلسطينية العريقة طبريا، حين هجر أكثر من 6000 عربي من سكانها تحت تهديد السلاح والقتل، بعد تواطؤ الانتداب البريطاني مع العصابات الصهيونية .

 

لجأ الطبرانيون الى انحاء مختلفة، من دول الجوار، وخصوصاً الى لبنان وسوريا والأردن، في حين أصبح آخرون مهجرين داخل وطنهم في الناصرة وغيرها وكلهم يجمعهم الحنين الدائم للتواصل معها .

 

أبدع أنيس الصايغ قبل رحيله مطلع العام الحالي في استعادة ملامح مدينته المدللة طبريا بشهادات شفوية متلفزة وبدقة لافتة بوسع مشاهدها الإصغاء لإيقاع الحياة العامة واليومية فيها ويخال أنه ركب قطار الماضي وعاد ستة عقود جالساً على فنجان قهوة مقابل شاطئ الكنيسة على ضفاف البحيرة . مثلما يستعيد بعض رواياتها الكاتب يحيى يخلف ابن بلدة سمخ المجاورة في روايته الجميلة "نهر يستحم في البحيرة".

 

الشيخ جبرا قردحجي (أبو حبيب) ليس باحثاً وكاتباً كالصايغ ويخلف، لكنه مسكون هو الآخر بحب يبلغ الهوس بطبريا حيث الوطن والبيت والملك والذكريات كيف لا وهي لا تباع ولا تشترى .

 

أبو حبيب ابن الثانية والثمانين عاماً هُجّر من مسقط رأسه في ريعان الشباب، ليقيم منذ زلزل الزلزال في الناصرة يطفىء بعض حنينه بالاستحمام بمياهها الأعذب من السكر أو بصورها التاريخية .

 

في الموعد كان أبو حبيب في الانتظار، ما إن صعدنا على الدرجة الأولى، حتى خرج الى عتبة المنزل الذي كان بابه مفتوحا على اتساعه، رحب بنا ورفع يده داعياً الدخول الى غرفة الجلوس، وخلال الاستعداد لبدء الحوار، يخرج مضيفنا من الجيب اليميني لسترته ورقة كبيرة، دهشنا حين علمنا انها وثيقة كتبها بنفسه، يوثق بها ما حدث لطبريا من حرب وتهجير .

 

ترعرع قردحجي في عائلة مباركة الأولاد، (5 اولاد و3 بنات)، في منزل عادي مثل بقية البيوت في تلك الأيام، تعلم في المدرسة الابتدائية في المدينة وانهى تعليمه في الصف الثامن ليخرج الى سوق العمل "كان من الصعب توفير النقود للدروس الخصوصية"، عمل في الحدادة وبعدها في مصانع "الشل" للنفط في حيفا، حتى الشهر الأخير من عام 1947 .

 

التفاهم والتصادم

 

يستعيد أبو حبيب علاقات الشعبين عشية الصدام فيقول إنه لم يكن هناك من فرق بين يهودي وعربي، إذ عاشا معاً في وئام وسلام وكان معظمهم من المغرب وتونس والجزائر، وبقي الوضع على هذا النحو حتى قرار "التقسيم".

 

ويتابع "بعدها قرر العرب أنه حان الوقت للدفاع عن النفس بعد اتضاح المطامع الصهيونية فتوجه وفد من طبريا الى الشام طالباً المساعدة وشكلت لجنة قومية برئاسة الشيخ كامل طبري، ووصلت المساعدات من سوريا مع مناضل من طبريا يدعى صبحي شاهين، عبارة عن 25 بندقية بالكمال والتمام وبعض الذخيرة (ضاحكاً) في حين بلغ عدد المقاتلين اليهود في المدينة 1000 مقاتل مدججين بأحدث الأسلحة، اما الدعم المحلي فوصل من الناصرة بقيادة محمد العواريني وذياب الفاهوم، ليصل عدد المدافعين عن المدينة الى 200 مقاتل مقابل 1000 صهيوني، تحضيرا للمعارك .

 

يعود قردحجي بالذاكرة الى الوراء، وبالتحديد الى تاريخ الرابع من نيسان حين بدأت المناوشات، فغادر اليهود الذين كانوا يسكنون الى جوار العرب الى احياء يهودية خالصة، واستمر القتال نحو اسبوع، قبل ان يتدخل البريطانيون "الضابط ايفانس، يتذكر ابن طبريا: “لم يرق له الوضع، فارسل في الحادية عشرة ليلاً سيارة عسكرية لاحضار صاحب البنك العربي صدقي طبري ورئيس البلدية اليهودي "دهان" وحمّلهم مسؤولية أي أعمال عنف تحصل، مهددا بان المدفعية البريطانية ستقصف المنطقة التي سيصدر عنها اطلاق نار".

 

هدأت المدينة ليومين أو ثلاثة، بعدها عادت الاشتباكات من جديد، فأصدرت سلطة الانتداب أمراً بمنع التجول، وهنا تدهورت الاوضاع بحسب قردحجي، فكانت "المؤامرة" إذ وخلال الهدنة احتلت العصابات الصهيونية فندق الجليل، وكان عليهم المرور بجانب مقر الشرطة البريطانية للوصول الى المكان، فعبروا من هناك من دون أي تدخل بريطاني "وهذا دليل على المؤامرة"، وبدأوا يقصفون الاحياء والبيوت العربية في المنطقة السفلى والسوق، فسيطروا على المنطقة ، لينسحب المناضلون، منهم من لجأ الى قرى وبلدات أخرى وآخرون ركبوا الزوارق وابحروا بها الى الشواطئ الشرقية للبحيرة، الواقعة ضمن الحدود السورية . واجتمع السكان في منطقة السوق . وكانت البحيرة واليهود من ورائهم والبريطانيون من أمامهم.

 

جاء جنود الانتداب الى السكان المطوقين معلنين "بأن اليهود لا يريدون العرب في المدينة، لذلك عليكم الخروج اما الى الاردن أو الناصرة من دون أخذ أي شئ معكم، فقط ما ترتدونه” . الا ان القصة لم تنته هنا، فرغم القرار الصادر بالتهجير واصلت العصابات جرائمها "وبدأت تطلق النار، فقتل اثنان من العرب هما صبحي حموي وشخص يدعى القشقوس واصيب ثالث، فأثار ذلك حفيظة كاهن رعية الروم الكاثوليك الأب نتنائيل شحادة الذي توجه الى الضابط البريطاني” مطالباً بوقف هذه المهزلة، فطلب الضابط من اليهود وقف ذلك ليخرج ابناء طبريا من مدينتهم، الذين اختاروا الأردن حيث نقلوا بالشاحنات العسكرية الى جسر المجامع فيما استقل آخرون باصات "الجليل" وأخرى بريطانية إلى الناصرة وهم يرمقون مدينتهم بنظرات طافحة بالأسى والخوف من المجهول.

 

على أطلال المنزل

 

لم يكن اختيار الناصرة لسبب قربها من طبريا وحسب، بل اختيرت بعد أن "راجت شائعات تتحدث عن انها ستبقى دولية مع القدس، وبالتالي فان اليهود لن يدخلوها"، ولم تصدر هذه الادعاءات من فراغ، في الواقع كان القرار يتحدث عن أن تكون هاتان المدينتان دوليتين الا أن القرار الدولي لم يطبق كما مئات القرارات اللاحقة .

 

يروي قردحجي الحياة الجديدة في الناصرة التي بدأت بخيبة أمل وصفعة أخرى: "بعد اسبوعين على وصولنا قال لنا البريطانيون انه بامكاننا ان نستقل شاحنات ونذهب الى طبريا وننقل ما بقي لنا من ادوات واغراض في بيوتنا".

 

ويضيف "لكن ما ان وصلنا فوجئنا بعدم وجود أي شيء في المنازل، لقد نهبوها جميعها "لم يتركوا حتى اللبنة والجبنة، سرقوا كل شيء" ليعود الجميع ادراجهم الى الناصرة بعد أن دفع كل واحد منهم 10 ليرات أجرة الشاحنة التي استأجرها بلا جدوى .

 

بعد خروج آخر جندي بريطاني من فلسطين في الرابع عشر من مايو  وسيطرة اليهود على البلاد وقيام "إسرائيل"، بدأ تنفيذ الحكم العسكري على العرب في البلاد، ومنع قردحجي والباقون من السفر الى طبريا "فقط في اعياد الاستقلال كان الحاكم العسكري يصدر تصاريح للسفر كتب عليها للنهار فقط"، ويضيف ابن طبريا المهجر وابتسامة ساخرة مرّة تملأ وجهه، "كنا نذهب مع العائلة الى البحيرة في حين رفض آخرون ذلك، منهم من وافته المنية من دون ان نتمكن من رؤية طبريا ثانية".

 

وفي احدى هذه الزيارت، يتذكر قردحجي "وقفت امام المكان حيث منزل العائلة إذ بنيت مكانه عمارة كبيرة كتب عليها “كوبات حلاف” ونظرت اليها طويلا، فجاءني يهودي وسألني الى ماذا تنظر؟ فأجبته: "في هذا المكان كان بيتي، فصرخ في وجهي، ماذا؟ لا يوجد لكم بيوت هنا، هذه ليست لكم، وهددني بتسليمي الى الشرطة".

 

انسحب الباكي على الاطلال بهدوء من المكان، لكن هذه الحادثة لم تفارق مخيلته ولا صورة ذلك "الاسرائيلي"، الذي يعتقد أنه يعرف كل شيء وهو لا يعرف شيئاً "هؤلاء القادمون من أوروبا الشرقية لا يفهمون شيئاً، ولا يدركون ماذا حصل قبل مجيئهم، ليسوا مثل المغربيين والتونسيين والجزائريين"، يشرح مضيفنا .

 

مع توقيف زياد في المعتقل

يضيف جبرا سكنت العائلة مع عائلات لاجئة أخرى في "الكازانوفا" في الناصرة لمدة عشرة اعوام، بعدها تشكلت لجنة بمساعدة المطران حكيم وقاموا ببناء مساكن لهم .

 

عام 1954 تزوج جبرا بمرتا الداي وانجبا 3 أولاد واربع بنات (الابن البكر حبيب طبيب معروف متخصص في امراض القلب) وعمل لغاية تقاعده في مصنع لحاويات البنزين .

 

بموازاة العمل والعائلة انخرط قردحجي في النشاط السياسي مع الحزب الشيوعي واعتقل 9 مرات في سجون الحكم العسكري اولها كان في أول مظاهرة للفلسطينيين في البلاد عام 1959 عندما خرج العمال في تظاهرة ضد الظلم والاضطهاد، "وتوجهت التظاهرة من الكازانوفا الى المسكوبية حيث وقف افراد من الشرطة هناك، واطلق أحدهم النار على احد المتظاهرين فاصابه بكتفه، فما لبثت ان نشبت مصادمات بين المتظاهرين والشرطة" عندما سمعت احدهم يقول اصبت في كتفي، اقتربت من ضابط الشرطة ولكمته في وجهه فقاموا باعتقالي مع الراحل توفيق زياد .

 

بين المدرسة والمتروبول

يحن جبرا الى طبريا كثيرا، وأكثر ما يحن اليه الجلوس مع الاصدقاء على شواطئها، فبطل هذه القصة كان زبوناً دائما على المقاهي والمطاعم مع اصدقائه، المتروبول لعائلة قهوجي، ومطعم ابو الياس الطبراني، والعكاوي ومقهى منير أبو علي، وآخر لمحمد علي . أما مكانه المفضل فكان المتروبول ومطعم الطبراني، لماذا؟ "الاستقبال كان غير شكل"! كان جبرا الشاب يعود من العمل ليخرج مع اصدقائه للسهر حتى التاسعة ليلاً عندها يعود إلى البيت، يومياً، منذ ان انهى تعليمه .

 

أما خلال المدرسة فالوضع كان يختلف، فالطريق من المدرسة كانت نهايتها البيت فقط، ليس بسبب النشاط والاجتهاد، بل لان "الاساتذة كانوا يعاقبون كل من يرونه يلهو في الشارع ولا يقوم بواجباته المدرسية في البيت” . يذكر جبرا قردحجي ذلك وابتسامة عريضة تعلو وجنتيه وبريق يلمع في عينيه، يزيد من لمعانه الحديث عن المعلمين، أولهم المربي رشاد جرايسي (والد رئيس البلدية رامز جرايسي) ومدير المدرسة طلعت السيفي “أبعد عن منصبه لانه كان وطنياً”، واستاذ اللغة الانجليزية نديم خوري، والعربية توفيق وهبة، والاستاذ محمد علي . أما الاستاذ المفضل والمحبوب فكان حبيب ديب “كان يعلمنا الرسم وكنا نحبه كثيراً".

 

* الخليج الإماراتية

 

انشر عبر