شريط الأخبار

فرية من انتاج هآرتس..معاريف

11:50 - 16 تموز / أبريل 2010

بقلم: بن درور يميني

يقول كثيرون في وسائل الاعلام: انظروا الحديث عن كشف صحفي مهم. ويزعمون ان الجيش الاسرائيلي أخل بأوامر محكمة العدل العليا، وعمل في اغتيالات مركزة، مع الاخلال بتوجيهات قضائية. ويواصلون زعمهم ان الجيش الاسرائيلي نفذ جرائم حرب، وما كان صحفي ليسكت لو بلغته أدلة موثقة. وهكذا لندع جانبا آلاف الوثائق التي لا علاقة لها بالتسريبات بل معلومات عملياتية بلا قيمة صحفية. ولندع حقيقة أنه قد كانت بين الوثائق التي سرقت ولم تعد خطط عمل للعملية العسكرية في غزة. ولندع حقيقة أن الجيش الاسرائيلي اضطر الى تغيير خطط عمليات بسبب الوثائق المسروقة. ولندع أيضا حقيقة أن وضع اليد على مادة كهذه مسألة جنائية تساعد عليها صحيفة اسرائيلية.

        سنتناول هذه المرة جوهر القضية. هذا ما تطلبه صحيفة "هآرتس". هل تكشف الوثائق التي سرقت ونشرت عن ان الجيش الاسرائيلي أخل حقا بأوامر محكمة العدل العليا؟ كان العنوان أن "رئيس الاركان وقيادة الجيش الاسرائيلي أجازوا اغتيال مطلوبين وأبرياء". وكادت كلمة "أبرياء" تتكرر عشرين مرة في التقرير الصحفي الذي نشرت فيه الوثائق. والانطباع هو ان الجيش الاسرائيلي ينفذ جرائم حرب. هذا هو الانطباع الذي تحاول صحيفة "هآرتس" احداثه.

        وهكذا يحسن أن نستجيب للتحدي وأن نفحص ما الذي تكشف عنه تلك الوثائق حقا. ان الزعم المركزي الذي حاولت الصحيفة اشاعته هو ان محكمة العدل العليا حظرت الاغتيالات المركزة. يوجد قرار حقا لكن لا يوجد أي حظر من محكمة العدل العليا للاغتيالات المركزة. فلم تتدهور محكمة العدل العليا الى هذا الموقع ومن الحسن انها لم تفعل. كان أهرون باراك رئيس المحكمة العليا في نهاية 2006 هو الذي قرر بلسان صريح ما يلي: لا يمكن ان نقرر سلفا ان كل اغتيال مركز محظور بحسب القانون الدولي، كما لا يمكن أن نقرر سلفا ان كل اغتيال مركز مسموح به على بحسب القانون الدولي". هذا كلام واضح مخالف شيئا ما لروح كلام صحيفة "هآرتس" آنذاك ايضا، عندما عرضت الوثائق في تقرير اوري بلاو، ومن المحقق أنها كذلك اليوم والصحيفة تختبىء وراء زعم الكشف عن جرائم حرب.

        يجب ان نذكر ان الوثائق تتناول الحاجة الى اعتقال او اصابة خلية من أناس جهاد ارهابيين بحسب كل تعريف، نفذوا عمليات قتل وخططوا لعمليات أخرى. وقد جالوا على الدوام مع أسلحة وأحزمة ناسفة. كان كل جيش لدولة ديمقراطية يرى اغتيالهم مسألة عدلا مرادة. بغير عذاب ضمير. تزعم الصحيفة انه كان ينبغي اعتقال اعضاء خلية الصديقين وعدم المس بها. بيد انه كما تبين الوثائق التي سربت، حرص الجيش الاسرائيلي خصوصا على أوامر محكمة العدل العليا. لم تكن يده خفيفة على الزناد بل يدا مترددة وربما مترددة جدا تزن وتكرر الوزن.

        تبين الوثائق أنفسها عن أربعة أشياء. اولا أن قائد المنطقة يئير نفيه قد أمر بالاعتقال لا بالتصفية. وينبغي تنفيذ التثبيط اذا كان الحديث فقط عن أناس الجهاد الذين يجولون كما قلنا آنفا مع بنادق وأحزمة ناسفة واذا اقتضى سير الامور ذلك ومكن منه. وثانيا، تبين ان قوة التنفيذ تلقت أمرا آخر وهو أنه اذا وجد نساء وأولاد فينبغي الامتناع من التثبيط والعمل في الاعتقال فقط. وهنا يزعم أبرار صحيفة "هآرتس" ان هذا برهان على وجود بديل من الاعتقال وانه لم تكن حاجة الى التثبيط. هراء. هذا برهان فقط على شيء واحد وهو انه عندما يوجد أبرياء في المحيط، ولا سيما اولاد ونساء، فان جنود الجيش الاسرائيلي يتحملون على أنفسهم مخاطرة كبيرة جدا. وثالثا يقيد الجيش الاسرائيلي قوة التنفيذ في كل ما يتعلق بمس ممكن بابرياء . تقرر في مباحثة عند اللواء يئير نفيه انه اذا وجد فقط اثنان آخران غير معروفين، زيادة على المطلوبين، يمكن تنفيذ العملية. وفي مباحثة أخرى عند اللواء تال روسو، حددت العملية في وضع يكون فيه خوف من اصابة شخص واحد. بلغت القضية رئيس الاركان، وهناك أيضا حظر اشكنازي تنفيذ عملية في ارهابيين كبار من الجهاد "اذا وجد غير معروف واحد". أي تلغى العملية اذا وجد نساء وأولاد. وتلغى العملية اذا وجد اثنان غير معروفين. ونؤكد أنه لا يوجد أي أمر بتصفية غير المعروف. كلا حقا. بيد انه لا تلغى العملية اذا وجد شخص واحد غير معروف. هل يناقض هذا أوامر محكمة العدل العليا؟ سنفحص. قرر باراك في القرار التوجيهي أن "الاصابة المصاحبة لمواطنين أبرياء تكون قانونية فقط اذا ثبتت لمطالب التناسبية".

        لنفترض جدلا ان الحديث عن خوف المس باثنين بازاء المس بخمسة أعضاء خلية خطرة قاتلة. أهذا مس تناسبي؟ لقد أجري لقاء في الحقيقة مع من كان مسؤولا عن الاغتيالات المركزة في وزارة الدفاع الامريكية، مارك غارلسكو، مع برنامج "ستون دقيقة"، وتحدث هناك عن انه عندما يكون الحديث عن اغتيال عراقي رفيع المستوى،كان التوجيه أن يقتل "ثلاثون مواطنا بريئا آخر من أجل اغتيال شخص واحد". لا تبين لنا صحيفة "هآرتس" ما هي "التناسبية" المناسبة في رأيها. وهي لن تبين البتة. لان الهدف – أي الجيش الاسرائيلي ودولة اسرائيل – قد أعلم سلفا.

***

زغم غولدستون السيء الذكر أنه فحص ووجد ان جنود الولايات المتحدة يعملون مع الحفاظ الحريص على القانون الدولي. أجل، فهم يقتلون مخربا واحدا مع ثلاثين بريئا، وفي اسرائيل – تعطى الموافقة على العملية اذا وجد في المكان واحد غير معروف. وكلا، لا يوجد أي أمر بتصفيته ولا بتصفيتهم. والفرق كالفرق بين الثرى والثريا بين الولايات المتحدة واسرائيل. اعترف غارلسكو ذاك بالمناسبة، بالمسؤولية عن قتل 200 بريء، في اطار مطاردة مطلوبين برغم انه لم يصب مطلوب واحد. هذا هو التناسب وهذا هو المعيار. لم يصدر في غارلسكو أي أمر اعتقال دولي بل العكس. لقد أصبح غارلسكو نفسه مسؤولا رفيع المستوى في حرس حقوق الانسان (HRW).

ورابعا تبين أنه قد تمت مباحثات كثيرة في مستويات مختلفة من أجل كل عملية محددة موجهة الى أناس الجهاد. تقرر في تلك المباحثات أنه لا ينبغي المس بالابرياء. وأنه ينبغي تفضيل الاعتقال على التثبيط. وأنه لا ينبغي المس بالنساء والاولاد. وأنه ينبغي الحفاظ بحرص على التناسب. ولم تكن مجرد مباحثات لانه لم يكن حتى قائد المنطقة مخولا الموافقة على العملية إلا بعد موافقة مكتب رئيس الاركان. أيمكن أن نسمي هذا الاجراء المعقد، من الحيرة، والمباحثات الكثيرة، والاوامر بالحفاظ على حياة النساء والاولاد والابرياء، والقرار الواضح على التناسبية، جريمة حرب أو "قتلا" كما ورد في صحيفة "هآرتس"؟ النقاش التالي في واقع الامر نظري تماما. العملية التي تناولها التقرير الصحفية "هآرتس" قتل فيها مخربان هما زياد صبحي محمد ملايشة وابراهيم احمد عبداللطيف عابد. وقتل كلاهما، لا بحسب رواية الجيش الاسرائيلي بل بحسب رواية نبأ نشره الجهاد (كما وجد الباحث يونتان دحوح – هليف)، عندما حاولا مقاومة الاعتقال وكانا مسلحين ببنادق أم 16 ومع اجراء معركة مع جنود الجيش الاسرائيلي. يراهما الجهاد محاربين سقطا في المعركة. وتحدث صحيفة "هآرتس" انطباع ان الحديث عن ضحايا جريمة حرب.

***

        في ذلك التقرير الصحفي تعرض صحيفة "هآرتس" في الاساس آراء ثلاثة من رجال القانون، موتي كارمنيتسر، ودافيد كارتشمر وموشيه نغفي. يقررون، كل واحد بطريقته ان الجيش  الاسرائيلي يخل بأوامر المحكمة العليا مع تلميح الى جرائم حرب. اعتمادا على ماذا؟ أي أدلة يعرضون؟ نبحث عن جواب عبثا. توجهت صحيفة "هآرتس" الى ثلاثة رجال قانون مواقفهم معلومة سلفا. والحقائق لا تبلبلهم. وكان الهدف تلفيق قضية للجيش الاسرائيلي. وقد زود رجال القانون، وجميعهم مشايع لبيرتس وربما أكثر يسارية منها، زودوا بالسلعة. بيد أنه وجد رأي استشاري آخر. فعلى أثر نشر التقرير الصحفي توجه محاميان هما ميخائيل سفراد وأفيغدور فيلدمان، الى المستشار القانوني للحكومة، طالبين بدء تحقيق على أثر نشر التقرير الصحفي. كتب المستشار آنذاك، ميني مزوز ردا على توجههما: "صاحبت الجهات التنفيذية في مقر القيادة العام بالمشورة القانونية اللصيقة، وكانوا متنبهين بتوجيهات محكمة العدل العليا وأكدوها وطبقوها في كل مرحلة من مراحل تخطيط العملية والموافقة عليها".

        بيد أنه لا يحل أيضا بلبلة صحيفة "هآرتس" بالحقائق. فالاستشارة القانونية ليست علما دقيقا. ولهذا اختارت الصحيفة التوجه الى رجال قانون يتلون بالضبط ما أرادت سماعه. وقد زودوها بالسلعة بطبيعة الأمر. صحيح أنه يوجد رأي استشاري مخالف. بيد أنه يصبح غير مناسب لانه لا يلائم مسؤولي الصحيفة.

        يمكن بطبيعة الأمر ان نزيد أن عدد التصفيات المركزة منذ عدة سنين يقف على ما يقرب من الصفر. كانت تصفيات مركزة في فترة الانتفاضة، لقتلة كبار مشهود لهم وقتل أبرياء أيضا. بيد أنه بعد قرار محكمة العدل العليا في سنة 2006 قل عدد التصفيات ووقف عدد الابرياء الذين قتلوا على الصفر.

        وكي تسوغ صحيفة "هآرتس" الاتجاه الذي أخذت به تحاول احداث انطباع معاكس، عن تنفيذ جمعي لاغتيال ومس بابرياء بخلاف أوامر محكمة العدل العليا. كل من يقرأ تلك الصحيفة، ويؤسفنا أنها صحيفة تقع لكثيرين في العالم، قد يحدث فيه انطباع ان الجيش الاسرائيلي يعمل في تنفيذ جرائم اغتيال بلا انقطاع. لا أكذوبة اكبر من هذه. حصلت صناعة شيطنة دولة اسرائيل وسلبها شرعيتها في الايام الاخيرة على حقنة تشجيع بسبب صحيفة "هآرتس". من حق الصحيفة الاستمرار على نهجها. ومن حقها نشرها كل قصة. بيد أنه يحسن ان نسمي القضية الحالية باسمها الحقيقي وهو فرية من انتاج "هآرتس".

 

 

 

 

 

 

 

انشر عبر