شريط الأخبار

لا علم له..معاريف

12:16 - 09 حزيران / أبريل 2010

بقلم: بن كاسبيت

في ديوان رئيس الحكومة شعور بالضيق فلا منجى. اذا قال نتنياهو "نعم" لمطالب براك اوباما، فسيخسر اليمين ويقلب الساعة الرملية تهيأة لسقوطه. واذا قال "لا"، فسيخسر امريكا ومعها الضمان القليل الذي بقي له في العالم، بل قد يخسر ايهود باراك بعد ذلك. ستكون النتيجة متشابهة وهي التعثر الكئيب المعذب نحو الضياع. كان يريد جدا ان يقول نعم و لا مثل شمعون بيرس في الايام الحسنة. لكنه في هذه الحال سيخسر الجميع. في أول سفر له الى واشنطن، بعد ان دخل ديوان رئيس الحكومة، كان نتنياهو ما زال لا يعرف ما الذي يريدونه منه. في صبيحة السفر ظهر عنوان رئيس في صحيفة "يديعوت" قال ان الامريكيين يعلنون بأنه لا يوجد ما يتحدث فيه مع بيبي وان الحديث عن اضاعة وقت. اليوم لم يعد عنوان كهذا يؤثر في أي شخص، لكن آنذاك قبل نحو من سنة كان صارخا. تحصن رئيس الحكومة في طائرته يسأل نفسه ومقربيه وكل من دفع حوله "ما الذي يريدونه مني"، ويبحث عن جواب. لكنه يعلم اليوم. انهم يريدون اسقاطه كما يظن بيبي.

        في المحيط المباشر لنتنياهو توجه تهم لم يسبق لها مثيل الى الادارة الامريكية. فواشنطن، على حسب هذه التهم، تعمل على نحو مباشر لاسقاط رئيس حكومة في اسرائيل. على نحو لا لبس فيه. وذلك يشتمل على التدخل السياسي العميق والنبش في الجهاز السياسي الاسرائيلي. ويعلم أناس نتنياهو أن يقولوا ان مسؤولين كبارا في ادارة اوباما يوجهون صحفيين اسرائيليين يوميا نحو هذا الاتجاه. ان مسؤولين كبارا في الادارة على صلة وثيقة بعناصر سياسية معارضة في اسرائيل. كذلك السفارة الامريكية في تل ابيب نشيطة جدا في هذا الموضوع وتسوط القدر السياسية الداخلية في اسرائيل. للامريكيين اوراق معلومات منظمة فيمن يحادثونه وفي أي شيء. انهم يهزون سفينة نتنياهو على الدوام وبقوة للتخلص منه. والهدف كما يقول أناس بيبي بسيط واضح وهو اضعاف نتنياهو وسفك دمه واسقاطه او تغيير ائتلافه. انهم يفعلون ذلك، كما يقولون عند نتنياهو، بوطء شديد، مع اظهار وقاحة ساحقة.

        هذه التهم لم يسبق لها مثيل. سيتحلل ديوان نتنياهو منها رسميا البتة وبحق لكن في الغرف المغلقة يقال ذلك. واكثر من ذلك وعلى حسب المقربين من رئيس الحكومة، كانت حملة الاذلال الاخير لرئيس الحكومة على يد الادارة مخططا لها بالتفصيل. لم يكن أي شيء مصادفة. تبين لهم بتحليل بعد ذلك وبألعاب حرب وسيناريوات نفذها أناس نتنياهو أن الخطة الامريكية لخوزقة نتنياهو خوزقة معلنة اساسية جدا خطط لها سلفا. فنشر مناقصات البناء في القدس في اثناء زيارة جو بايدن كان من وجهة نظر الامريكيين تبيانا لافتراضهم لكن ذلك كان سيحدث على أية حال. تحولت الخطة من مقام سيناريو مخزون الى تنفيذ من الفور بعد وصول جورج ميتشل اسرائيل قبل أن يصل بايدن. فهم ميتشل من نتنياهو أن "محادثات التقارب" لن تتناول موضوعات جوهرية وستكون في الحقيقة أداة ضغط أخرى لاضاعة الوقت. كانت هذه هي القشة التي كسرت ظهر أوباما.

        شرك فتاك

        كان يفترض ان تلعب محادثات التقارب هذه من وجهة نظر اوباما وميتشل دورا مختلفا تماما، فقد كان يفترض ان تخط على نحو دقيق مواقف الطرفين من جميع القضايا الملحة. بعد ذلك كان يأتي ميتشل ويلقي باقتراح تقريب امريكي بين وجهات النظر  يقوم على النقطة الوسطى الارخميدية بين اسرائيل وفلسطين. الان وبغير خيار يتحول الامريكيون الى خطة بديلة فانهم سيأتون باقتراح على اية حال. مع محادثات تقارب او بغيرها. وكلما تبين ان محادثات التقارب تتلاشى الى لا شيء ستقترب التسوية التي تفرضها أمريكا. سيجد نتنياهو نفسه مرة اخرى مع شرك فتاك. فكلما حاول المناورة واضاعة الوقت سينطبق عليه الشرك على نحو أسرع. ان مناوراته الباطلة ستشد الحبل على عنقه.

        ما يزال يوجد خلاف في الرأي داخل الادارة الامريكية. فالطرف المصمم (السيناتور جون كيري صاحب التأثير الكبير في أوباما ورام عمانوئيل واخرون) يعتقد انه يجب القفز مباشرة الى خطة التسوية المفروضة (لن تكون مفروضة على اسرائيل من امريكا وحدها بل من العالم كله: اوروبا وروسيا والصين والجامعة العربية). وكل ثرثرة مع نتنياهو، بحسب هذا التوجه اضاعة للوقت لا داعي لها وقد تنشىء وضعا لن يظل فيه للادارة طاقة كافية اذا حان الوقت. اما الطرف الثاني (عناصر في وزارة الخارجية وفيها كما يبدو هيلاري كلينتون نفسها)، فيعتقد انه يجب اعطاء محادثات التقارب فرصة اخرى وعدم الاستسلام في هذه الاثناء. وكي يكون من الممكن ايضا عرض خطة منظمة اذا حان الوقت عندما يلقى اقتراح اوباما على المائدة. او بعبارة اخرى التحادث قبل استعمال القوة. صحيح، مثل التوجه الامريكي ازاء ايران حقا.

        أي من هذين التوجهين سيغلب؟ ليس واضحا الى الان. ان التوجيه الذي بادر اليه البيت الابيض لصحيفتي "واشنطن بوست" و "نيويورك تايمز" منتصف الاسبوع، عن امكان مقترح سلام امريكي في الخريف (موعد زوال فعل تجميد البناء في المناطق) يشير الى معركة قريبة. والشيء المضمون ان تصور ميتشل قد أفلس على أية حال. فجميع مسؤولي البيت الابيض الكبار من اوباما فنازلا، يدركون انه لا يمكن الاستمرار على هذا النحو. فقد أضيعت عبثا سنة اولى ثمينة. ولا ينوي الامريكيون البتة اضاعة الثانية ايضا. لقد اثبت اوباما انه قادر على ان يتجاهل الضغط الاسرائيلي اليهودي وان يجيز في مواجهته قرارا تاريخيا حاسما كالتأمين الصحي. وسيمضي ايضا الى انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني بقواه الذاتية. ان اوباما وهو في تركيز وتصميم على الهدف يسمع أصوات من لا ينوي التخلي. من جهة ثانية المقابر ملىء برؤساء وزعماء صدرت عنهم اصوات كهذه و اعتزلوا في مكتبتهم الرئاسية من غير شيء.

        لا امكان للالتفاف

        ما الذي سيفعله نتنياهو؟ ليس له علم. في السباعية أكثرية قوية تعارض اتفاقا على التجميد في القدس حتى لاربعة اشهر. فبني بيغن وبوغي يعلون وافيغدور ليبرمان وايلي يشاي غير مستعدين لاستماع ذلك. ويفضل نتنياهو أيضا ألا يستمع لذلك لكن يتاح له احيانا ان يسمع ذلك من فم المحامي اسحاق مولخو الذي يسمع عن ذلك في واشنطن. وفي الجانب الثاني دان مريدور وحده (الذي فصل مواقفه في مقابلة صحفية شجاعة لصحيفة "معاريف" في الفصح) وايهود باراك.

        سيكون من الصعب جدا ايضا على نتنياهو اجازة استمرار التجميد بعد أيلول. وكما ألمح ها هنا عدة مرات في الماضي، لا أمل أن يوافق الامريكيون على تجديد البناء في تشرين الاول. وهذا يجعل مجرد وجود حكومة نتنياهو مشكوكا فيه هذا العام. هذا هو الشلال الطاغي الذي ينتظر بيبي وراء عطفة النهر. لا امكان للالتفاف عليه. يجب اغماض العينين بقوة والدعاء لله. بالمناسبة ليست السباعية جسما مقررا. فمنذ انشائها لم يجر فيها أي تصويت.  ولا توجد لها أي صلاحيات. فهي جسم يفكر ويشير، لكن كما يسميها بيبي نفسه هي جسم دعم. انها تدعمه. والمشكلة هي ان السباعية تمنح نتنياهو دعما في مواجهة الائتلاف. فمن يمنحه الدعم في مواجهة امريكا؟

        ان بيبي تصيبه بالجنون حقيقة ان المطالب الامريكية من اسرائيل تمر ها هنا بهدوء. فالجماهير كما يتبين لا تخرج الى الشوارع. فالجمهور معني بالبورصة وبالسفر الى الخارج وباستمرار الهدوء الأمني اما ما سوى ذلك فلا يهمه حقا. ولا يعلم الجمهور ما الذي يقترب منا هنا، ومن الذي نواجهه يقول بيبي. انه يستمر على اجراء مباحثات السباعية مع تلك الوجوه الشاحبة، وتستعاد سيناريوات الرعب ولا سيما العجز ولا يوجد حل.

        اذا استثنينا الوزراء السبعة يجلس في السباعية ايضا في مقام الضيوف ممثلو الاذرع الأمنية. والجيش الاسرائيلي هو المحذر الرئيس من قول "لا" لامريكا. فجهاز الأمن يصاب بالرعب  في كل مرة يثار فيها امكان برود العلاقات الأمنية والتعاون الاستخباري او امكان ان يمنعنا الامريكيون عددا من الاشياء لا احتمال ان نكتب عنها ها هنا.

        يوجد في السباعية مشاركون دائمون آخرون من المستشارين المقربين من نتنياهو: سكرتير الحكومة هاوزر، ومستشار الامن القومي أراد، والمستشار السياسي دريمر، والمبعوث مولخو، والمستشار الاعلامي حفيتس. يتبين من مباحثات السباعية انه لا مشكلة لاسرائيل في أن تقول "نعم" لاوباما في جميع المجالات ما عدا تجميد البناء في القدس واستمرار التجميد في المناطق. لكن هذه هي المجالات التي تهم اوباما في الحقيقة. سيكون نتنياهو مستعدا مثلا ان يسمح للفلسطينيين باقامة مراكز شرطة في المناطق "ب". وسيكون مستعدا للمساعدة في اقامة المدينة الفلسطينية الجديدة قرب رام الله. وسيخرج عن طوره بتفضلات تشتمل على اطلاق سجناء بشرط ألا يمسوا بالقدس. وهو يعلم ان كل هذا لن يساعد. انهم يريدون المس بالقدس. او في الاقل وقف البناء فيها في أثناء المحادثات وهو لا يستطيع ان يمنحهم ذلك. لو استطاع فلربما اجل نهايته. او انشأ وهم تفاوض سياسي. ولانه لا يستطيع فانه يقرب الجبل الجليدي. هذه مفارقة قاسية.

        حيرة يائسة

        ان الاضطراب داخل ديوان نتنياهو لا يساعد في هذا الوضع. الحيرة اليائسة أيسافر الى المؤتمر الذري ام لا يسافر. يشعر نتنياهو بالمطاردة حتى ان كل خروج من البيت يوقعه تحت الضغط. فما يدريك أي شرك يعده له الامريكيون الان وفي مؤتمر يرمي الى تجريد العالم من السلاح الذري. في البدء تلهى رجاله بفكرة أن يرسلوا الى المؤتمر الوزير دان مريدور المسؤول عن الشؤون الاستخبارية لكن هذا غير ممكن لان الحديث عن مؤتمر رؤساء دول. لكن أليس من أجل ذلك أوجدوا شمعون بيرس؟ أليس هذا رئيس دولة؟ كم كان من اللذيذ لو تلقى بيرس من نتنياهو الملف الامريكي وحطم رأسه معهم كـ "رئيس الدولة".

        في النهاية استقر رأيهم على السفر مع كل ذلك وليكن ما كان. واذا عزم السفر فليحاولوا تنظيم يوم او يومين في نيويورك. هذا جيد للروح وللتسوق وللاطمئنان قليلا. من اجل النزول في نيويورك يجب تنظيم جدول زمني محترم. لقاءات مع قادة يهود وشبه ذلك. آنذاك تبين أنه لا يوجد الان في ديوان نتنياهو من يستطيع تنظيم شيء كهذا. فقد غادر مدير الديوان آري هارو. ونتان ايشل (رئيس هيئة العمل) غير قادر على تحدث الانكليزية. ورون بريمر المستشار السياسي (اللغة الام لبريمر وهارو هي الانجليزية) ما يزال في عطلة في امريكا. هكذا تبدو الامور في أهم مكتب في الدولة.

        العزاء الوحيد هو ان الامور في أهم ثاني مكتب، مكتب وزير الدفاع تبدو أشد بؤسا وهي خطرة ايضا. في يوم الاربعاء، من غد نشر النبأ الذي ليست فيه حاجة من قبل وزير الدفاع عن انهاء ولاية رئيس هيئة الاركان (في موعدها)، قام ايهود باراك وبنيامين نتنياهو كل واحد في مكانه وألقوا طائفة من المدائح المحرجة على رأس الفريق غابي اشكنازي في نهاية المديح (بل ان باراك سماه احد كبار رؤساء هيئات الاركان في الجيش الاسرائيلي على وجه الزمان. ومن حسن الحظ أن باراك ايضا كان رئيس أركان ولولا ذلك لحصد أشكنازي أعظم لقب)، وذكر نتنياهو ان "كل منظمة يجب ان تنعش نفسها وان تتجدد في سلسلة القيادة حتى لو كان في الرئاسة أناس ذوو كفاية" برغم كل شيء، اما باراك فزاد على ذلك قائلا "استبدال رئيس الاركان مرة كل اربع سنين شيء يقتضيه الواقع".

        يبدو ان هذين الاثنين يحسبان سائر البشر متخلفين عقليا سواهما. يا سادة، أخالف أحد عن قول انه يجب استبدال رئيس الاركان وانه يجب الانتعاش وغير ذلك؟ انه من اجل ذلك بالضبط استقر الرأي على تحديد مدة ولاية رئيس الاركان على نحو منظم. وقف من وراء هذا القرار وزير الدفاع  السابق عامير بيرتس (كم نشتاقه الان)، من اجل منع ما حدث هذا الاسبوع بالضبط. ان اشكنازي الذي سأله بيرتس لحينه كم يحسن تحديد الولاية أثلاث سنين أم أربعا، أجاب سريعا "ثلاث". وفضل بيرتس أربعا. لم يطلب اشكنازي سنة خامسة ولم يطلب أحد باسمه سنة خامسة، وقد اعترف بهذه الحقيقة حتى وايزمن شيري  أشد المقربين من باراك اخلاصا (والوحيد الذي يريد مصلحته حقا) في يوم الاربعاء في مقابلة مذياعية هاتفية.

        فلماذا يا سيد باراك الاعلان بأن الولاية لن تمدد؟ وكيف لا يستطيع شخص يملك جميع أجهزة الاستخبار العظيمة في الشرق الاوسط، وكمية مفرطة على نحو واضح من الذكاء وفريق مستشارين لا يحصى عددهم، كيف لا يستطيع أن يفهم أن هذا الاعلان يعني جلبة عظيمة وضربة أخرى لصورته الموجودة في مكان لا يوجد أدنى منه على وجه البسيطة؟ وكيف يحدث هذا معه مرة بعد أخرى في كل تصريح حماسي او رسالة ليلية دنيئة يرسلها الى الفضاء كي يرى مرة اخرى كيانا لا توجد اي سبيل علمية معروفة لفهم بواعثها او سلوكها او نزواتها؟

انشر عبر