شريط الأخبار

قوة وضعف المشروع الاستعماري الصهيوني ..عوني فرسخ

10:52 - 09 تموز / أبريل 2010

قوة وضعف المشروع الاستعماري الصهيوني ..عوني فرسخ

في خطابها أمام مؤتمر "إيباك" أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية التزام بلادها بأمن "إسرائيل"، وقبيل أيام طالب وزير الخارجية الروسي حماس بعدم إطلاق الصواريخ على مستعمرات النقب. وكما أن الوزيرة الأمريكية تجاهلت أمن المواطنين العرب في القدس المهددين بالاقتلاع، وأشقائهم المهددين بالجوع والأمراض الخطرة في قطاع غزة المحاصر بقرار أمريكي، فإن نظيرها الروسي تجاهل كون حماس إنما تقوم بالدفاع عن النفس في مواجهة الغارات والاعتداءات "الإسرائيلية" المتوالية، كما تجاهل التهديد باقتلاع مواطني النقب العرب وتدمير قراهم لتقام عليها مستعمرات استيطانية جديدة.

 

وليست جديدة هذه الازدواجية في مواقف الدول العظمى تجاه كل من المستوطنين الصهاينة، والشعب العربي الفلسطيني، وإنما تعود لما قبل وعد بلفور، إذ قبيل إصداره في 2/11/1917 أقرت مضمونه كل من: الإدارة الأمريكية والحكومتين الفرنسية والايطالية، كما أشعرت به حاضرة الفاتيكان. وبالتالي لم يكن وعداً بريطانياً وإنما دولياً، ملتزمة بمضمونه دول الحلفاء الأربع الرئيسية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، برغم ما انطوى عليه من تزوير تاريخي وتناقض مع شرعة حقوق الإنسان، وحق شعب فلسطين في تقرير مصيره.

 

وفي 24/7/1922 أصدرت "عصبة الأمم" صك الانتداب، متضمناً وعد بلفور، وقد أقر في ديباجته ما اسماه "الصلة التاريخية التي تصل الشعب اليهودي بفلسطين، والأسباب التي تبعث على إعادة إنشاء وطنه القومي في تلك البلاد". في تزوير تاريخي آخر. فضلاً عن النص بأن تضع بريطانيا، كدولة منتدبة، فلسطين إدارياً واقتصادياً بما يكفل إقامة "الوطن القومي اليهودي"، بحيث تشكل "وكالة يهودية" كهيئة عمومية "لإسداء المشورة لإدارة الانتداب والتعاون معها في ما يتعلق بإنشاء "الوطن القومي" ومصالح السكان اليهود. وفضلاً عن أن صك الانتداب أهدر حق الشعب العربي في تقرير المصير، برغم كونه يجاوز 85% من سكان فلسطين يومذاك، خلا تماماً من أي نصوص لصالحه مماثلة لتلك التي تضمنها لصالح الصهاينة.

 

وفي 29/11/1947 ما كان القرار (181) بتقسيم فلسطين لتقره الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ثلثي الأصوات اللازمة لذلك لولا أن التقى على التصويت لصالحه مندوبو دول المعسكر الرأسمالي بقيادته الأمريكية ودول المنظومة الاشتراكية بزعامتها السوفييتية. واقتصرت معارضته على مندوبي الدول العربية والإسلامية والهند وكوبا واليونان. وفي اليوم التالي لصدور قرار التقسيم بادرت المنظمات الصهيونية إلى تفجير الحرب منتهزة فرصة افتقار الشعب العربي الفلسطيني لأي تنظيم مسلح، ومحدودية ما لديه من سلاح قديم. وبرغم الخلل الفادح لصالحها في الإمكانات والقدرات العسكرية نجحت المقاومة الشعبية العربية في الاحتفاظ بزمام المبادرة خلال الشهور الأولى. فيما أخذت الطائرات الأمريكية تقلع من مطار براغ محملة بالأسلحة والضباط من يهود أوروبا الشرقية، لتحط في مطارات فلسطين، التي كان الجيش البريطاني يسلمها للقوات اليهودية كلما أخلى واحداً منها. وبالتحكم البريطاني في عواصم صناعة القرار العربي يومذاك كانت الحرب محسومة والنكبة محتومة.

 

وتحسباً من أي خطر عربي محتمل استغلت القوى الاستعمارية معاناة يهود أوروبا، لتجعل من فقرائهم، المرفوض اندماجهم في المجتمعات الأوروبية، حاجزاً بشرياً غريباً فاصلاً بين جناحي الوطن العربي، بحيث يعطل تكامل العرب ووحدتهم، ويكبح دور مصر القومي، ليتواصل استغلال الوطن العربي موقعاً وموارد وأسواقاً وقدرات بشرية. وفي ضوء تجارب التسعين عاماً الماضية المرجح، إن لم يكن مؤكداً، أن الدول الصاعدة، بما فيها الهند والصين، ستجد في المشروع الصهيوني الأداة الوظيفية الأكثر كفاءة وملاءمة لخدمة مصالحها في الوطن العربي.

 

وإذا كان الموقع العربي الاستراتيجي نقطة قوة المشروع الصهيوني، فإنه في الوقت ذاته نقطة ضعفه التاريخية، إذ وضعه في تحد مصيري مع شعب ينتمي لأمة عريقة التاريخ ذات قدرة فذة على دحر الغزاة وتطهير ثراها المقدس من دنسهم. وأي قراءة موضوعية للأعوام التسعين الماضية توضح أن الممانعة والمقاومة الشعبية العربية مضت في خط صاعد، بحيث إنه برغم كل الدعم الدولي للمشروع الصهيوني بات جلياً أن الزمن لم يعد يعمل لصالحه. وإن نظرة لعجز مستوطنة تل أبيب عن قهر إرادة صمود العروبة في يافا التي أخضعت على مدى السنوات الستين الماضية لعملية إفساد وتخريب متعمدة، فضلاً عن الفعالية الوطنية الفلسطينية والقومية العربية المتنامية في عموم فلسطين، برغم ضغوط الاحتلال والتآمر الدولي والتخاذل الرسمي العربي، لبرهان حي على صحة القول إن نقطة قوة المشروع الصهيوني هي نقطة ضعفه.

 

صحيفة الخليج الإماراتية

انشر عبر