شريط الأخبار

الذكرى الثانية والثلاثين لاعتقاله ..نائل البرغوثي مدرسة في التضحية والفداء

07:23 - 06 حزيران / أبريل 2010

   الذكرى الثانية والثلاثين لاعتقاله ..نائل البرغوثي مدرسة في التضحية والفداء

فلسطين اليوم: رام الله*

 لا يختلف اثنان أنّ السجن من أشدّ وأقسى العقوبات التي يتعرض لها الإنسان في حياته ، حيث أن الأسر وسيلة قهر بشعة لها مفاعيلها في النفس وعلى محيط الأسير وبيئته ، والاحتلال الصهيوني ومن خلال ممارساته السادية والهمجية حيث القمع والإرهاب بأقسى صوره وأشكاله ويجرع شعبنا الفلسطيني مرارة العذاب والتنكيل ألواناً ومذاقات مختلفة فقد غيَّب وعبر سنوات الاحتلال مئات الآلاف من أبناء فلسطين في بطن الحوت ، لأن هذا الشعب يرفض الاحتلال ولا يعطي الدنية وينتفض مقاوماً للتخلص منه حتى يتمكن من العيش وممارسة حياته بسلام وأمن واستقرار .

 

ومن الأسرى الذين تمنيت اللقاء بهم فالنظر في وجوههم قربة إلى الله عز وجل وعلى مدار ثماني سنوات اقتطعها السجن من عمري هو ذلك الأسير الذي ينحدر من قرية كوبر ، شمال غرب مدينة رام الله ، حيث رأى النور وتنفس هواء فلسطين لأول مرة يوم 23-10-1957 فكانت نشأته صالحة وتربيته على القيم والأخلاق في بيت والده الحاج صالح البرغوثي ، وقد رضع من والدته حب الوطن والعزة والكرامة في بيئة إسلامية وبيت يفوح ويعبق بأريج الوطنية التي ينتشر شذاها اليوم في كل أرجاء فلسطين .

 

لقد شكلت له أسرته حاضنة تربوية دينية ووطنية فكانت شخصية منبثقة من تلك المقومات والقيم التي صقلت شخصيته وجعلت منه شاباً من خيرة أبناء الشعب الفلسطيني يرفض الذل والهوان ويرفض الخضوع والاستسلام ولا يعطي الدنية وينتصر للحق وينتصر للشعب وينتصر للقضية .

 

لم أحظ بشرف اللقاء به والحديث إليه ، ولكنني سمعت عنه الكثير الكثير ولأنه المناضل والمجاهد ، ولأنه مدرسة في التضحية والفداء ، ولأنه مدرسة في الصبر والاحتساب ، ولأنه قهر القهر واعتلى صهوة المجد ، كان حقه عليَّ وعلى الشعب والأمة أكبر من كبير وهو الذي يدفع سنين عمره فداءً للشعب والوطن ، فقررت أن أقف أمامه وقفة تقدير وإجلال ، وقفة عز وفخار ، وليتني التقيته وطبعت على جبينه قبلة الحب والوفاء ، وهو الصقر الأبي الذي يحلق وعلى الدوام في القمم السامقة ، وهو الذي لا يعرف الانحناء إلا لله عز وجل .

وفي الذكرى الثانية والثلاثين على اعتقاله من قبل سلطات الاحتلال الصهيوني وجدت لزاماً عليَّ أن أوفيه حقه ، وإذا بي أعجز من أن أقوم بذلك أمام اثنين وثلاثين عاماً طحنتها رحى سجون الاحتلال من عمره المديد والمبارك ، فأخذت أُدَاري عجزي بالبحث عن بعض الكلمات ، فوجدت أنني مهما كتبت ومهما أبدعت ومهما جاد قلمي ، تبقى الكلمات متقزمة أمام شخصية متميزة ، ومن طراز فريد ، إنه  المجاهد الكبير نائل صالح عبد الله البرغوثي " أبو النور " ، ويقيني إذا وقفت أمامه فإنك تشعر بالخجل والحرج ، ويتلعثم اللسان وتتيه الكلمات ، ولا يسعك إلا الاعتذار ، نعم الاعتذار لماذا بقي كل هذه العقود ، أين الشعب الفلسطيني ، وأين فصائله التي أصبحت لا تجيد إلا الكلام عبر الفضائيات بصورة مقززة جداً تجتر الكلام اجتراراً ، إلا من رحم ربي ، لأن كل الفصائل والسلطة الفلسطينية قد فشلت في تأمين الإفراج عن الأسرى وتبييض السجون ، هذه الفصائل التي تتباكى كثيراً على قضية الأسرى وتتغنى بها في نفس الوقت وتطلق العنان لفنون التصريحات فإن هناك أجساداً تتعفن داخل غرف السجن الرطبة ، حيث لم يكن بوسع أي فصيل حتى التفكير في البحث عن وسيلة لإطلاق سراحهم وإجبار الاحتلال الصهيوني على ذلك ، فالفصائل الفلسطينية ليست مقصرة فحسب بل لم تفعل شيئاً يذكر من أجل تحرير الأسرى إلا من حماس والمقاومة الإسلامية التي تصر على فرض شروطها من خلال صفقة تبادل مشرفة مقابل شاليط .

 

وكم هو مؤلم أن تسمع المزايدات ممن لم يفكر مجرد التفكير بملف الأسرى ، والسلطة الفلسطينية لم تأخذ هذا الملف بعين الاعتبار في اتفاقيات أوسلو وجميع الاتفاقيات اللاحقة مع المجرمين الصهاينة .

 

نائل البرغوثي " أبو النور " ابن قرية كوبر الصامدة ، هذا الجبل الأشم ففي مدرسة الأمير حسن في بيرزيت كانت البداية ، في هذه المدرسة يجتمع فيها الطلاب من أكثر من عشرين بلدة مجاورة من بيرزيت وعطارة وكوبر وأبو شخيدم وأبو قش ودير نظام ، وأم صفا وعين سنينا ودير عمار ، وكفر عين ، وقراوة بني زيد والنبي صالح ودير سودان وجبيبا وبتيللو وعابود وبرهام حيث اختلاف القرى والبيئات والجذور يلتقون ويتحملون المسؤولية منذ نعومة أظفارهم ، وبيت القصيد كيف تميز نائل على الجميع ، هذا الشاب له هيبة وكاريزما بين زملائه الطلاب ، مقدماً بين أقرانه ، مهيباً في مدرسته وبلده ، فريداً في زمانه ، ومتميزاً في عطائه الوطني ، فكان تلميذاً مطاعاً ويشار له بالبنان .

 

لقد كان عام 1976 حافلاً بالفعاليات الوطنية المناهضة للاحتلال حيث عرف هذا العام بتلك الهبة المباركة على امتداد رقعة الوطن السليب ، ولا شك أن لمدرسة الأمير حسن دوراً بارزاً في إحياء الفعاليات وتفعيل الشارع وتحريكه لقربها من جامعة بيرزيت ( كانت في حينه كلية بيرزيت ) وكان الطلاب من الكلية والمدرسة يشتركون بالمظاهرات التي كانت تشتد وتيرتها مع اشتداد وتيرة الصدامات والمواجهات مع الاحتلال وخاصة مع وقوع الجرحى ، كان نائل البرغوثي في المرحلة الثانوية يتوقد وطنية ويتحرك في أوساط الطلبة يحرك فيهم الهمم ويبعث فيهم الأمل ويقودهم إلى ساحات المواجهة مع الاحتلال ، نائل الذي تسلق ماسورة عالية في كلية بيرزيت ورفع عليها العلم الفلسطيني وسط تصفيق وتشجيع الطلبة حيث كان الاحتلال في تلك السنوات يطلق النار ويقتل من يحاول رفع العلم الفلسطيني ، نائل بشجاعته وجرأته المعهودة وفي إحدى المواجهات استطاع الاستيلاء على هراوة أحد الجنود ويأخذها منه وعاد بها إلى الطلاب الذين تجمهروا حوله يؤدون له التحية ويصفقون له بعد يوم دامٍ حيث حصلت مواجهات عنيفة مع الجيش أغلقت على أثرها الشوارع بالمتاريس وأشعلت النيران في إطارات السيارات ورشقت سيارات المستوطنين بالحجارة والزجاجات الفارغة وكم كانت المفاجأة عندما اعتقل هذا الشاب يوم 4-4-1978 وقبل أن ينهي الدراسة الثانوية ، وكم كانت المفاجأة أكثر لكل من عرفه أن نضاله ومقاومته لم تكن مظاهرات ومواجهات فحسب وإنما خلايا عسكرية وسلاح وقد صدر بحقه حكم مؤبد مدى الحياة ، لقد كان لذلك الأثر البالغ في نفوس الطلاب والمعلمين حيث غيب خلف القضبان بطل وقائد المقاومة في بيرزيت والقرى المجاورة التي عرفته وبلدته كوبر بوطنيته العالية .

 

إن المجاهد نائل البرغوثي وهو أقدم أسير في سجون الاحتلال وعميد الأسرى الفلسطينيين والعرب قد دخل عامه الثالث والثلاثين خلف القضبان وهو الذي دخل موسوعة جينتس للأرقام القياسية ، وقد اعتقل معه يومها شقيقه الأكبر عمر البرغوثي " أبو عاصف " وحكم أيضاً عليه بالمؤبد وأفرج عنه في صفقة التبادل سنة 1985 .

 

اليوم نائل في السجن وظلماته ، لا بل مع الظلم الصهيوني وظلماته ، لا يغفل عن القيام بكل واجباته الدينية والتنظيمية ، وهو مصدر إعزاز ومعين معنوية ، منه يستمد الأسرى قوتهم معنوياتهم وهو الذي يعرف جيداً حياة الأسر وواقعه ، وهو الذي عاش تفاصيل هذه الحياة على مدار أكثر من اثنين وثلاثين عاماً ، فخبر نفوس الأسرى ومداخلها فما أروعه وهو القدوة ، والأسوة الحسنة في المعاملة ، وهو الذي يعلم أن الدين المعاملة ، فحسن معاملته ، وقوة شخصيته وحجم أدبه وروعة سلوكه ، يجعل منه محط أنظار الأسرى ومقصدهم ، يجلسون إليه ، يتحلقون حوله ، يصغون إلى تجربته ، وهناك الكثيرون الذين يتمنون اللقاء به أمثالي .

 

نائل بعد كل هذه السنوات يعشق الحياة ويحبها ، ولكنه يرفض الذل والهوان ، يكره الاحتلال ، ويكره الظلم ، لذلك رفض الوقوف مكتوف اليدين أمام جرائم هذا المحتل من اغتصاب للأرض وتدنيس للمقدسات وقتل لأبناء شعبه .

نائل البرغوثي اليوم يكمل عامه الثاني والثلاثين يدفع الغالي والنفيس ، ويقدم عمره رخيصاً من أجل حرية واستقلال شعبه ، هذا الرائد وقد انفرد بلون خاص من المعاناة فقد ودع المئات لا بل الآلاف خلال مدة سجنه ممن عانقوا الحرية وتنسموا هواءها ، وهو لا يزال بين الجدران الإسمنتية ولكنه مفعم بالأمل وهو يرنو إلى يوم الخلاص من سجنه ، وثقته بالله كما هم كل الأسرى عالية بأن موعده مع معانقة الحرية قريب ، وسيكون معززاً مكرماً ، رغم أنف الاحتلال من خلال صفقة مشرفة وضعت شروطها المقاومة الفلسطينية المجاهدة وتديرها حركة عظيمة وعتيدة هي حركة نائل التي تشرف بالانتماء إليها وتفخر هي بأن يكون نائل وأمثاله في صفوفها فلله درك يا أبا النور وأنت تنفرد بشخصيتك على المسرح العالمي ، وتصرخ في وجه هذا العالم الظالم وفي الوقت الذي لا زلت تواجه فيه ألواناً شتى من الابتلاءات وأنت الذي دخلت السجن مطمئناً وراضياً بقدر الله وبهذا المصير والأمل يملأ نفسك .

 

إن نائل اليوم يسطر ملحمة من الثبات والصمود والصبر والاحتساب تتجاوز كل القيادات لا تحسن إلا من الكلام والخطابات الإنشائية .

 

نائل اليوم بصموده وثباته ومعنوياته العالية لوحة فنية فلسطينية رسمت معاناة وأحداث اثنين وثلاثين عاماً التقى خلالها آلاف الأسرى أكثر من ثلاثة عقود تحركت فيها شخصياتها الكثير وقد سجلت سماتها العامة ومحطاتها وجوانبها ،فأبو النور لوحة معاناة فلسطينية ممزوجة بالأمل ، نائل طوى ثلاثة عقود ودخل عامه الثالث من العقد الرابع وهو يدرك وكل قدامى الأسرى وأصحاب المحكوميات العالية والمؤبدة حجم التقصير والإهمال ، حيث تم نسيانهم وإهمالهم في كل مراحل التفاوض ، ولم تطرح قضيتهم بصورة جادة وجعلها شرطاً قبل التوقيع ، ورغم كل ذلك لم يزده السجن إلا قرباً من الله ، لأنه يدرك سر وجوده في الحياة ، فها هو ينادي في بطن الحوت أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .

 

بإيمانه ومعنوياته يناطح عنان السماء ، إرادته أقوى من الفولاذ ، لم تضعفها جدران السجن ولا قهر السجان ، ولا شماتة الأعداء ، لأنه على الدوام يبقى محلقاً في سماء روحه العالية ، ومع كتاب الله في تلك الركعات التي يداوم عليها ما بين منتصف الليل وصلاة الفجر ، لذلك يضرب اليوم نائل أروع الأمثلة في الجهاد والصبر والمصابرة والمرابطة ، تلتحم همته العالية بهمة المجاهدين من أبناء شعبه ، ويزداد بإيمانه عنفواناً بالرغم من أن ليل عذابه قد طال وطال انتظاره لفجر الحرية .

 

نائل قد تبوأ اليوم مكانته في قلوب ونفوس المجاهدين والمناضلين والأطهار الشرفاء وكل الشعب الفلسطيني ، وهو الذي يحلق في الأعالي ، يتربع على القمة السامقة في التضحية والفداء ، وبكل شموخ وإباء ، ينظر إليه الأسرى ومن كل الفصائل ، تشتد سواعد الأسرى وتتألق أرواحهم وهم يحكون ويتناقلون قصة ورواية نائل المثال والقدوة الحسنة .

نائل صامد رغم الأيام العاتية والليالي الحالقة ، يمتهن فن العطار وهو مدرسة بالعطاء ولسان حاله يردد :

" وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " .

 

فلك يا أبا النور ، وللحبيب أبي عاصف كل حب وتقدير ووفاء ، وغداً سيكون اللقاء على أرض كوبر وفي ساحات المسجد الأقصى .

 

وستبقى تسطر بأنين قلبك ، رسائل المحبة ترسلها مع أنفاس الشوق مع كل نبض ، كيف لا وأنت رمز للصمود والكبرياء .

 

ولك يا عميد الأسرى مني خالص الدعاء ، وتحت الليمونة التي غرستها بيديك قبل اثنين وثلاثين عاماً سيكون لنا معك بإذن الله لقاء .

*بقلم الوزير الأسيرالمهندس وصفي قبها.

 

 

 

انشر عبر