شريط الأخبار

تقدير استراتيجي : الجدول الزمني للقنبلة الايرانية*

10:52 - 04 تموز / أبريل 2010

 

الجدول الزمني للقنبلة الايرانية*

بقلم: افرايم كام و افرايم اسكولائي**

نائب رئيس المعهد وباحث رفيع المستوى في معهد ابحاث الامن القومي

 وافرايم اسكولائي، باحث رفيع المستوى في معهد ابحاث الامن القومي.       

يوجد للمدة الزمنية التي تستطيع ايران فيها التوصل الى سلاح ذري معنى مهم على نحو خاص يتعلق بعلاج القضية الذرية الايرانية. سيؤثر تقدير المدة التي ستحرز فيها ايران قدرة ذرية عسكرية بقدر كبير في تخطيط الجهود السياسية لمحاولة وقفها قبل أن تصل الى هذه القدرة. وسيؤثر أكثر في قرار الأخذ باجراء عسكري  في مواجهتها، واذا حدث فمتى لانه يمكن ان يكون لعمل عسكري نتيجة مهمة فقط قبل ان تحرز ايران السلاح الذري. ان تقدير هذه المدة مهم ايضا من اجل الاستعداد لسيناريو أن تنجح ايران في تطوير سلاح ذري برغم جهود وقفها.

        ان تقدير الجدول الزمني لاحراز ايران للسلاح الذري قضية مشكلة، ومركبة ومختلف فيها منذ سنين، واكثر محاولات صياغة استنتاج دقيق في هذا الشأن لم تثبت الى الان لامتحان الواقع. فمنذ 1992 قدرت الجماعات الاستخبارية في اسرائيل وفي الولايا المتحدة ان ايران تستطيع التوصل الى سلاح ذري في غضون خمس سنين الى ثماني سنين، أي حتى سنة 2000 في أبعد تقدير. واضح ان هذا التقدير كان مخطوءا من أساسه. الصعوبة الرئيسة التي قامت الى الان أمام صياغة هذا التقدير نبعت من كثرة المجهولات في سلوك ايران في القضية الذرية، في المجال التقني والسياسي، والذي لم يمكن من التنبؤ بايقاع تقدم برنامجها الذري. ما تزال هذه الصعوبة موجودة الى الان لكن المعلومات الكثيرة نسبيا التي تم الحصول عليها ونشرها في السنين الاخيرة عن برنامج ايران الذري تمكن كما يبدو من الوصول الى دقة اكبر للتنبؤ بايقاع تقدمها نحو سلاح ذري.

        تقديرات اسرائيل والولايات المتحدة الاستخبارية

        لاحت في العقد الأخيرة فروق ما بين تقديرات اسرائيل الاستخبارية وتقديرات استخبارات الولايات المتحدة فيما يتصل بالجدول الزمني المتوقع لاحراز ايران سلاحا ذريا. لم تكن الفروق جوهرية، ولم توجد اختلافات في الرأي تتعلق بحقيقة سعي ايران للسلاح الذري، لكن جماعة الاستخبارات الاسرائيلية مالت على نحو عام الى التشدد اكثر، والى ان تعرض جدولا زمنيا أقصر لحصول ايران على القدرة الذرية، في مقابلة الجماعة الاستخبارية الامريكية، التي لم تمل الى عرض الحال الاسوأ. نبعت هذه الفروق كما يبدو من تقدير مختلف يتصل بقدرة ايران على التغلب على عوائق تقنية في سعيها الى السلاح الذري ومن تفسيرات مختلفة لمعنى المعلومات الاستخبارية.

        يتخلص تقدير شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية اليوم لقضية الجدول الزمني الايراني كما يلي:

·        في سنة 2008 سيطرت ايران على تقنية تخصيب اليورانيوم كاملة. وفي سنة 2009 خصبت اليورانيوم بمستوى منخفض بكمية تكفي – بعد ان تخصب الى مستوى مرتفع – لقنبلة ذرية أولى. في الوقت نفسه تحسن ايران القدرات في مجال تطوير منشآت للتفجير الذري، وأنهت تطوير صواريخ باليستية تستطيع حمل رأس ذري.

·        لا تسعى ايران بكامل السرعة الى القنبلة الذرية الاولى. بدل ذلك تبني قاعدة واسعة متنوعة لقدرات ذرية، بأجهزة شتى ومواقع مختلفة. ستمكنها هذه القاعدة من أن تقرر التقدم نحو السلاح الذري عندما تقدر ان شروط ذلك ناضجة وأن الثمن الدولي الذي ستدفعه عن هذا التقدم سيكون في الحد الادنى او عندما ترى حاجة ضرورية الى ذلك. بحسب هذه الاستراتيجية، تريد ايران، تخصيب كمية كبيرة من اليورانيوم في مستوى منخفض. منذ اللحظة التي تقرر ايران فيها تخصيب اليورانيوم الى مستوى مرتفع، تستطيع ان تجمع كمية المادة الانشطارية المطلوبة لقنبلة واحدة في غضون بضعة اشهر الى سنة.

وعلى ذلك لا تحدد شعبة الاستخبارات اليوم بصراحة الاجل الذي ستحرز ايران عنده سلاحا ذريا لان هذا سيكون متعلقا بقرارها على الانتقال الى المرحلة  النهائية من بناء القنبلة ويبدو انه ما زال لم يتخذ. في مقابلة ذلك، قال رئيس الموساد مئير دغان، في تصريح فريد في نوعه – كما أبلغ عنه وسائل الاعلام – قال في لجنة الخارجية والأمن في الكنيست انه سيكون لايران قدرة على اطلاق أول قنبلة ذرية في نهاية سنة 2014 اذا لم تلق مشكلات تقنية.

اما تقدير جماعات الاستخبارات الامريكية منذ بدء 2009 فتلخص كما يلي:

·        أنشأت ايران خيارا مفتوحا لتطوير سلاح ذري، بتطوير قدرات ذرية مختلفة، تجعلها تقترب من انتاج السلاح اذا قررت وعندما تقرر ذلك. القضية المركزية في هذا الشأن هي القرار السياسي في ايران على بناء السلاح الذري، وفي هذه المرحلة لا يعلم بأن هذا القرار قد اتخذ.

·        يوجد لايران يورانيوم مخصب بمستوى منخفض وبكمية كافية – اذا خصب لمستوى مرتفع – لانتاج سلاح ذري.

·        في خريف 2003 وقفت ايران نشاطها لتخصيب اليورانيوم غير المعلن وبرنامج تطوير منشأة تفجير ذرية. استمر هذا التجميد حتى منتصف 2007 في الاقل.

·        تستطيع ايران من جهة تقنية انتاج يورانيوم مخصب بمستوى عال يكفي لانتاج سلاح ذري بين 2010 – 2015. في مقابلة ذلك، قدرت وحدة البحث في وزارة خارجية الولايات المتحدة (INR) ان ايران لن تصل هذه القدرة قبل 2013 بسبب مشكلات تقنية متوقعة.

يجب ان نؤكد انه في مطلع شباط 2010 نشرت الجماعة الاستخبارية الامريكية تقديرها المحدث عن القضية الذرية في ايران. بخلاف تقديرات الجماعة في نهاية 2007 وبدء 2009، لا يتناول التقدير المحدث تجميد البرنامج العسكري والجدول الزمني لاحراز ايران السلاح الذري، ولهذا لا يتضح منه هل تغير التقدير في هذا الشأن. قد تكون العلامة الشاهدة على امكان تغيير هذا التوجه تقرير صحيفة "نيويورك تايمز" في مطلع كانون الثاني 2010، عن موظفين في الادارة، ان الجماعة الاستخبارية الامريكية لا تظن ان ايران تواصل تجميد البرنامج الذري العسكري وأنه مستمر الان في نطاق أضيق. ويقول تقرير آخر في صحيفة "واشنطن تايمز" في الشهر نفسه، انهم يظنون الان في الجماعة الاستخبارية الامريكية ان ايران لم تجمد قط برنامجها العسكري في 2003. على اية حال، الفروق بين تقدير الولايات المتحدة وتقدير اسرائيل اليوم ليست جوهرية؛ يتبين منهما أن ايران تستطيع من جهة القدرة التقنية انتاج مادة انشطارية لاول قنبلة ذرية في سنة 2010، وان المفتاح الان هو القرار السياسي على بناء القنبلة.

المراحل في الطريق الى سلاح ذري

يقتضي فحص الجدول الزمني لتقدم ايران في المسار الذري تحديد المراحل التي قد تجتازها في الطريق الى السلاح الذري. ان مسيرة تطوير ايران للسلاح الذري وانتاجه، التي قد بدأت، يتوقع ان تستمر بضع سنين، حتى بناء جهاز ذري عملياتي. يمكن أن نميز ثلاث مراحل في هذه المسيرة:

·        حشد مادة انشطارية بكمية ونوعية تكفيان لبناء أول قنبلة ذرية. هذه هي مرحلة شق الطريق لأنه منها فصاعدا سيكون الباب مفتوحا امام ايران لانتاج سلاح ذري. من جهة تقنية، المدة الزمنية بين هذه المرحلة وانتاج السلاح الذري يتوقع ان تكون قصيرة نسبيا لان نشاط انتاج مادة انشطارية وجعلها سلاحا ذريا سيتم في الوقت نفسه لا على نحو تدريجي. في هذه المرحلة لن تستطيع ايران مهاجمة اي دولة بالسلاح الذري لانها لن تملكه لكنها تستطيع استخلاص عدد من المزايا التي تتوقع الحصول عليها لمجرد كونها دولة سقف ذري.

·        بناء أول قنبلة ذرية. هذه هي المرحلة التي سينشأ فيها تأثير ايران ذرية، ومنها فصاعدا تستطيع ايران في واقع الامر ان تهاجم دولا اخرى بالسلاح الذري. مع ذلك سيكون تأثير ايران الذرية في هذه المرحلة محدودا. من المنطقي افتراض انه ما ظل عند ايران قنبلة او اثنتان فانها لن تحاول ان تهاجم بهما، حتى لو تبنت سياسة ذرية هجومية. لهذا الفرض سببان: 1. الهجوم قد يفشل لاسباب تقنية او بسبب تثبيط وسائل الاطلاق، وآن ذاك لن يبقى مع ايران قدرة لمعاودة الهجوم؛ 2. لن يظل عند ايران القدرة على ضربة ثانية، لصد هجوم ذري عليها.

·        بناء احتياطي ذري عملياتي كبير نسبيا، فيه ثماني قنابل الى عشر في الارض، ويملك وسائل اطلاق مختلفة تشتمل على صواريخ باليستية، وصواريخ بحرية وطائرات هجوم. ينبغي افتراض انه اذا قررت ايران انتاج سلاح ذري، فانها ستطمح الى بناء احتياطي كهذا لتعزيز قدرة ردعها لاعدائها، ولمضاءلة الاخطار وفاعلية هجوم على منشآتها الذرية، وأن تطور قدرة على ضربة ثانية في حالة هجوم ذري عليها.

سيكون الجدول الزمني لتطوير ايران للسلاح الذري نتاج جملتي شروط: شروط تقنية تحدد قدرة ايران التقنية على التقدم الى هدف سلاح ذري، وشروط سياسية تؤثر في الجدول الزمني التقني، وفي ضمنها القرارات التي ستتخدها القيادة الايرانية في القضية الذرية.

        الجدول الزمني التقني

        ان المراحل الرئيسة لانتاج السلاح الذري من جهة تقنية، أربع:

·        انتاج المادة الانشطارية – اليورانيوم المخصب الى مستوى مرتفع (HEU).

·        تهيئة المادة الانشطارية لمنشأة التفجير الذري.

·        ادخال المادة المهيئة في جهاز التفجير.

·        ادخال المادة المتفجرة في الرأس القتالي، في صاروخ او قنبلة محمولة في الجو.

يجب ان نؤكد ان تطوير تقنيات العمليات الثلاث الاخيرة يمكن أن يتم بموازاة عملية التخصيب وأنه من المنطقي ان يستكمل هذا التطوير حتى قبل استخلاص المادة الانشطارية من أجل المادة المهيئة الاولى. من هنا يحدد الجدول الزمني للتطوير الشامل على حسب معدل استخلاص المادة الانشطارية. ويأتي تنفيذ المراحل الاخرى بالفعل بعد هذا الاستخلاص واحدة بعد الاخرى.

على حسب المعلومات التي نشرت حتى الان، ولا سيما اعتمادا على تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، استخلصت ايران حتى نهاية 2009 يورانيوم مخصبا في مستوى منخفض (LEU) بكمية تكفي لانتاج حشوة واحدة لمنشأة تفجير ذري، بعد ان تخصب هذه الكمية بمستوى مرتفع. والى ذلك تعلم الايرانيون تقنية تهيئة اليورانيوم لحشوة المنشأة التفجيرية (لا فرق في هذه العملية بين استعمال يورانيوم عادي واستعمال يورانيوم مخصب). ومن المنطقي ايضا افتراض ان الايرانيين حصلوا من باكستان على مخطط كامل لمنشأة التفجير الذري من الطراز الموجود عندها. والى ذلك توجد انباء عن ان الايرانيين عملوا في تزويد المنشأة التفجيرية برأس حربي.

        استخلاص المادة الانشطارية

        يتم اليوم تخصيب اليورانيوم الى مستو منخفض حتى 3.5 في المائة، في مصنع التخصيب الكبير قرب نتناز. يتم التخصيب بمساعدة آلات طرد مركزي غازية تغذى بمادة تنتج في منشأة تحويل في القرية الذرية قرب اصفهان. في نهاية 2009 عمل في المنشأة نحو من أربعة آلاف آلة طرد مركزية، وركب فيها نحو من 5 آلاف آلة طرد مركزي لكنها ما زالت لم تغذ بمادة للتخصيب. يفترض آخر الأمر أن يشتمل المصنع على نحو من أربعة وخمسين ألف آلة طرد مركزي. جميع آلات الطرد المركزي التي ركبت في المصنع من الطراز الباكستاني القديم بي 1، وهو ذو قدرة تخصيب منخفضة. يشتغل الايرانيون بتطوير آلات طرد مركزي من طرز متقدمة، اذا ركبت واستعملت كما ينبغي فستخصب اليورانيوم بمعدل أعلى مما يتم بآلات الطرد المركزي من الطراز المركب اليوم في المصنع.

        سيتم مسار التخصيب من مستوى منخفض الى مستوى عال – اذا نقل الايرانيون المسار الباكستاني – في ثلاث مراحل اخرى: التخصيب من 3.5 في المائة الى 20 في المائة، والتخصيب الى 60 في المائة والتخصيب النهائي الى 90 في المائة تقريبا. تتم جميع مراحل التخصيب بنفس الآلات، أي آلات الطرد المركزي الغازية، ويختلف فقط عددها في المرحلتين المتقدمتين والربط بينها في كل مرحلة. يتم جوهر العمل في مرحلة التخصيب لمستوى منخفض. ومن هنا يحتاج الى عدد ضئيل من آلات الطرد المركزي للمراحل المتقدمة. اذا بدأوا المسار من اليورانيوم المخصب بمستوى منخفض، لا من اليورانيوم الطبيعي، فانه يمكن استخلاص اليورانيوم المخصب بمستوى عال على نحو سريع جدا.

        لايران طريقتا عمل رئيستان لانتاج المادة الانشطارية. الاولى – جمع اليورانيوم في مستوى منخفض، "لتحطيم الالات" ولتخصيب الاحتياطي الذي يملكونه بسرعة الى مستوى عال؛ والثانية – بناء مصنع سري يتم فيه التخصيب لمستوى عال. ربما كان المصنع السري الذي تم كشف النقاب عنه قرب قم معدا لذلك، بامكانين: أ. التخصيب من اليورانيوم الطبيعي. يقول "قانون أساسي" ان ثلاثة آلاف آلة طرد مركزي من الطراز الموجود اليوم عند الايرانيين تستطيع استخلاص يورانيوم مخصبا بدرجة عالية بمعدل يكفي حشوة واحدة للسنة، مع افتراض ان آلات الطرد المركزي هذه ستكفي كل مراحل التخصيب. بحسب تصريح ايران، هذا هو عدد آلات الطرد المركزي التي يفترض ان تركب في مصنع التخصيب الذي اقيم قرب قم؛ ب. التخصيب من اليورانيوم الذي خصب بدرجة منخفضة. بحسب احد التقديرات، تستطيع آلات الطرد المركزي الثلاثة آلاف تلك استخلاص اليورانيوم بدرجة عالية تكفي حشوتين الى 5 حشوات كل سنة، اذا غذيت باليورانيوم بتخصيب منخفض استخلص في المصنع في نتناز.

        ايقاع تخصيب اليورانيوم لدرجة منخفضة

        برغم ان عدد آلات الطرد المركزي التي تخصب اليورانيوم بالفعل غير ثابت، بل ان عددها انخفض قبيل نهاية 2009، زاد ايقاع انتاج اليورانيوم المخصب بدرجة منخفضة زيادة ما، وأصبح في هذه الفترة 1.88 كيلوغرام في اليوم. بهذا الايقاع سيحتاج الى نحو من 16 شهرا لجمع كمية يورانيوم مخصب بدرجة منخفضة تكفي للتخصيب بدرجة عالية ولجمع 25 كيلوغرام من هذه المادة يحتاجة اليها – بحسب تحديد الوكالة الدولية للطاقة الذرية – من أجل انتاج حشوة منشأة تفجير ذري واحدة.

        اذا استمر هذا الايقاع، واذا أخذ في الحسبان احتياطي اليورانيوم المخصب بدرجة منخفضة الموجود في ايران، والذي يكفي فوق الحاجة للحشوة الأولى، فسيكون في ايران في النصف الثاني من 2010 احتياطي من اليورانيوم المخصب بدرجة منخفضة، يكفي لتخصيب آخر لحشوتين وفي بدء 2012 لثلاث حشوات. وفي الحالة الاشد، اذا ازداد الايقاع على اثر استمرار الانتاج وتركيب واستعمال آلات طرد مركزي جديدة، وعلى أثر ادخال آلات الطرد المركزي التي ركبت، لكنها لم تستعمل بعد، في دائرة تخصيب اليورانيوم او بسبب تركيب آلات طرد مركزي من طرز متقدمة – فسيزيد ايقاع انتاج اليورانيوم المخصب بدرجة منخفضة على حسب ذلك. هذه السيناريوات واقعية وإن لم يمكن التنبؤ بايقاع التخصيب الان.

        ايقاع تخصيب اليورانيوم بدرجة عالية

        سيكون توقيت تخصيب اليورانيوم بدرجة عالية متعلقا بقرار سياسي. من المنطقي افتراض ان النظام الايراني سيقرر اعداد جميع الاجهزة لهذا الامكان والانتظار. يوجد ايضا امكان، تحدث الايرانيون عنه بصراحة في المدة الاخيرة وهو أن يخصبوا اليورانيوم من 3.5 في المائة الى 20 في المائة، وهذه درجة ما تزال تشتمل عليها فئة اليورانيوم المخصب بدرجة منخفضة. في هذه الحالة سيجتاز الايرانيون مرحلة مهمة تقصر جدا الجدول الزمني للوصول الى كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب في درجة عالية. والامكان الثاني هو ألا يقوم الايرانيون بجميع الاستعدادات، وان ينتظروا قرار هل يبنون جهازا مستقلا للتخصيب بدرجة عالية، او يحولون أحد الاجهزة القائمة للتخصيب المنخفض الى تخصيب بدرجة عالية. ان هذا التحويل سيمد الجدول الزمني للمشروع عدة أشهر.

        بحسب أحد التقديرات، في حالة انتاج اليورانيوم المخصب بدرجة منخفضة بكمية كافية، واستعمال ثلاثة آلاف آلة طرد مركزي مع الربط المناسب، ستستخلص كمية من اليورانيوم المخصب بدرجة عالية لحشوة واحدة في مدة شهرين ونصف الى خمسة اشهر.

        الجداول الزمنية للمراحل المتقدمة

        بحساب الجداول الزمنية للمراحل المتقدمة من تطوير السلاح الذري ينبغي ان ننبه الى انها تقوم على تقديرات فقط. مع ذلك ولانه ينبغي افتراض أن التقنيات والتكنولوجيا طورت سلفا، فان فارق الخطأ يمكن ان يكون كبيرا جدا، وستكون التغييرات الجوهرية في الجداول الزمنية اذا حدثت بالفعل نتيجة للخطأ.

        ان مرحلة اعداد غاز اليورانيوم المخصب الذي يتم الحصول عليه من آلات الطرد المركزي الغازية، وجعله معدنا تقدر بثلاثة أشهر الى ستة، بالنسبة للحشوات الاولى في الاقل. ينبغي ان نفترض ان تكون هذه المرحلة بعد ذلك قصيرة جدا تمتد بين شهر الى ثلاثة اشهر. تستمر مرحلة صب أنصاف الكرات وخراطتها خراطة دقيقة نحوا من ثلاثة اشهر، مع افتراض ان القوة العاملة تدربت وكانت خبيرة عند الحصول على المادة المخصبة للتهيئة.

        إن مرحلة إدماج الحشوة في جهاز التفجير الذري ستكون مرحلة في النظام العملياتي، لانه يجب ألا نفترض أن تتم هذه المرحلة قبل ان يصدر أمر عن المستوى السياسي تهيئة للتدريب أو التجربة أو استعمال الجهاز في عملية. في مقابلة ذلك لا يحتاج الى انهاء تهيئة المادة المنشطرة نفسها قبل استكمال جميع الاستعدادات لانه يمكن تنفيذها مع مادة "باردة" – أي حشوة تشتمل على يورانيوم طبيعي فقط. هذه الدعوى تنطبق ايضا على ما يتعلق باستدماج الحشوة الذرية وجهاز التفجير في الرأس المتفجر، لأن هذه المرحلة لن تنفذ قبل ان توجد حاجة حقيقية لذلك، وفي هذه المرحلة ايضا قد يحدث تدريب "بارد" بغير حشوة عملياتية.

        الجداول الزمنية للتطوير الذري

        يمكن التوصل الى تقدير الجداول الزمنية للتطوير الذري في ايران على أساس المعلومات التي عرضت آنفا، لكن من الواضح أن قرار تخصيب اليورانيوم من درجة منخفضة الى درجة عالية غير بسيط اذا كان الحديث عن "تحطيم الأدوات". في الحالة البسيطة، عندما تتم مسيرة التخصيب من اليورانيوم الطبيعي الى يورانيوم مخصب بدرجة عالية سرا في منشأة مخفية، فمن المنطقي افتراض أن المسار كله – من تهيئة اليورانيوم الطبيعي الى بناء جهاز تفجير ذري – يتم على التتابع، للوصول الى اكبر عدد ممكن من الرؤوس الحربية أقرب وقت ممكن.

        في حالة "تحطيم الأدوات"، ينبغي افتراض ان الايرانيين سيطمحون الى حشد الكمية الدنيا في الأقل من اليورانيوم للتخصيب المنخفض التي تمكنهم من انتاج ثلاث حشوات في الأقل من المادة المنشطرة. سبب ذلك انهم سيحتاجون الى جهاز تفجير واحد للتجربة (تحت الارض كما يبدو)، وجهاز ثان لتجربة اخرى في حالة فشلت التجربة الاولى (وكان شبيه لذلك في الهند وباكستان وكوريا الشمالية)، وجهاز ثالث للاعلان (وإن لم يكن صريحا) بوجود قدرة ذرية عملياتية.

        يمكن من كل ذلك ان نقترح الجداول الزمنية الآتية لسيناريوهين رئيسين – في حالة استمرت ايران على التقدم في مسار اليورانيوم في الايقاع الحالي، وفي حالة تتقدم في ايقاع أسرع.

        السيناريو الاول: أن تتقدم ايران في مسار اليورانيوم في نتناز في الايقاع الحالي.

·        تخصيب اليورانيوم بدرجة منخفضة لثلاث حشوات – منتصف 2012. يجب أن ننبه الى أن تقديرات الأزمان المتعلقة بتخصيب اليورانيوم بدرجة منخفضة غير دقيقة، لانها متعلقة بعدد آلات الطرد المركزي المستعملة للتخصيب بهذه الدرجة. ولسبب غير واضح، ليست جميع آلات الطرد المركزي المركبة في المصنع في نتناز مستعملة في هذه المرحلة. قد يكون سبب ذلك مشكلة تقنية، وقد تكون تلك التي ما زالت غير مستعملة معدة لتخصيب سريع بدرجة عالية اذا اتخذ قرار على ذلك.

·        تخصيب بدرجة عالية للحشوة الاولى، عندما يكون نظام آلات الطرد المركزي معدا لذلك – من شهرين ونصف شهر الى خمسة اشهر. على نحو عام يلحق ايقاع انتاج اليورانيوم المخصب بدرجة عالية بايقاع انتاج اليورانيوم المخصب بدرجة منخفضة.

·        تهيئة الحشوة الاولى بعد التخصيب – من اربعة اشهر الى تسعة. يجب أن ننبه الى ان انتاج الحشوة من اليورانيوم المخصب بدرجة عالية ليس بالضرورة مسارا متصلا، ويحتاج الى أقل من سنة بعد الحصول على كمية اليورانيوم المخصب بدرجة عالية المطلوبة للحشوة كلها.

ينبع من هنا ان انهاء تهيئة الحشوة الاولى سيكون في غضون ستة اشهر ونصف شهر الى اربعة عشر شهرا بعد القرار، اذا كان نظام تخصيب اليورانيوم من درجة منخفضة الى درجة عالية معدا. في مقابلة ذلك اذا لم يكن نظام التخصيب بدرجة عالية معدا فسيحتاج الى ثلاثة اشهر اخرى الى ستة من اجل اعداد النظام وتفعيله، بفرض ان نظام التخصيب الى درجة منخفضة القائم يحتاج الى تحويل فقط، أي اذا بدأ المشروع مثلا في مطلع 2010 فتستطيع الحشوة الاولى ان تكون معدة بين نهاية 2010 الى نهاية 2011. إن اقامة نظام تخصيب جديد تماما ستطيل زيادة الزمن تسعة اشهر الى اثني عشر شهرا (في هذه الحالة، اذا تم البدء في العمل في مطلع 2010 مثلا فسينتهي انتاج اول حشوة في النصف الثاني من 2012).

يحتاج انهاء انتاج كل حشوة اخرى الى اربعة اشهر الى تسعة. من هنا يحتاج انهاء تهيئة ثلاث حشوات الى ثمانية اشهر حتى ثمانية عشر شهرا بعد انهاء انتاج الحشوة الاولى.

        سيناريو ثان: أن تزيد ايران ايقاع التخصيب. اذا استعملت جميع آلات الطرد المركزي المركبة اليوم في نتناز – مشتملة على تلك التي ما تزال معطلة – وخصبت اليورانيوم الى مستوى منخفض بايقاع النظام القائم فسيضاعف (تقريبا) انتاج اليورانيوم المخصب. وعلى ذلك اذا أُدخلت للعمل آلات الطرد المركزي المركبة في مطلع 2010 فستملك ايران احتياطيا كافيا من اليورانيوم المخصب بدرجة منخفضة يُمكن – بعد تخصيبه الى درجة عالية – من انتاج حشوة ثانية في نهاية 2010، وثلاث حشوات في نهاية 2011. وعليه فانه مع هذا السيناريو سيُقصر الجدول الزمني بنحو نصف سنة. يجب ايضا ان نؤكد أن تركيب آلات طرد مركزي من طرز متقدمة واستعمالها سيعجلان بايقاع التخصيب.

        يجب ان نؤكد مرة ثانية ان هذه الحسابات تتناول الشروط القصوى، التي تكون النظم فيها معدة في موعدها والقوة العاملة مدربة على مواصلة المسيرة. تستطيع اعطال شديدة ايضا تعويق المسيرة. فقد أبلغت "نيويورك تايمز" في مطلع كانون الثاني 2010 بأن الادارة الامريكية تقدر وجود اسباب لتأخيرات ممكنة للبرنامج الذري الايراني، بعد فحص استخباري جديد عن وضع البرنامج. وهي تذكر سببين من اسباب ذلك. السبب الاول عطل في تخطيط آلات الطرد المركزي وانتاجها سبب انخفاض عدد آلات الطرد المركزي في نتناز من نحو خمسة آلاف في حزيران 2009 الى نحو اربعة آلاف في نهاية تلك السنة. في ذلك يجب أن ننبه الى انه توجد في تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية شهادات على اعطال في نظام التخصيب، لكن يبدو من الجهة الاخرى أن النظم تصبح أكثر جدوى وتعوض بذلك من اضرار الاعطال. قد يكون هذا التقدير قائما على معلومات تملكها جماعة الاستخبارات الامريكية، لكنه يصعب حتى مع ذلك الاعتماد على استمرار الاعطال طويلا، لان الايرانيين يملكون علما كبيرا وتجربة ومعدات تستطيع مساعدتهم على التغلب على الاعطال.

        والسبب الثاني هو الكشف عن منشأة التخصيب في قُم، الذي أجّل كما يزعم أناس ادارة اوباما امكان أن يستعملها الايرانيون كمنشأة سرية لتخصيب اليورانيوم الى درجة عالية. لهذا الزعم أساس، اذا كان الايرانيون قد خططوا حقا لاستعمالها في نطاق مسار تخصيب سري، واذا لم يكونوا يملكون منشآت سرية اخرى كما يرتاب كثيرون. لكن الكشف عن المنشأة لا يوجب احداث تأجيل حقيقي للمشروع. فلم يتغير الجدول الزمني لبناء المنشأة منذ الكشف عنها، ويجب افتراض أن يستعملها الايرانيون في الموعد اذا لم تتبين اعطال في المسار. وعلى ذلك اذا كان الايرانيون ينوون استعمال طريقة "تحطيم الأدوات"، فان منشأة قُم تستطيع لعب الدور الذي خصص لها سلفا.

        التقديرات السياسية

        يُبين حساب الجدول الزمني التكنولوجي أن ايران تستطيع من جهة تقنية انتاج حشوة لجهاز تفجير ذري في النصف الثاني من 2010 في الشروط المثلى. ومع افتراض شروط أقل حسنا تستطيع التوصل الى ذلك في النصف الثاني من 2012، لكن في حين لا يوجد شك في أن ايران تُعد القاعدة التكنولوجية لانتاج سلاح ذري، لا توجد شهادة قوية على انها قررت انتاج هذا السلاح، وقد تفضل أن تنتظر على شفا انتاج هذا السلاح الى أن تنضج في تقديرها شروط انتاجه. من جهة سياسية يستطيع عدد من التقديرات التأثير في قرار ايران في هذا الشأن.

        التقدير الاول هو الضغوط المستعملة على ايران لتعليق برنامجها الذري. حتى الآن رفضت ايران مطالب الموافقة على صفقة تعلق في اطارها تخصيب اليورانيوم. في الحق توصلت ايران في تشرين الاول 2003 وتشرين الثاني 2004 الى اتفاق مع الحكومات الاوروبية على تعليق تخصيب اليورانيوم مدة محدودة، وقد تكون جمدت في 2003 من طرف واحد المركب العسكري في برنامجها الذري مدة غير واضحة. لكنها منذ ذلك الحين عرضت موقفا غير مهادن من القضية، واعلنت بأنه لن يدفعها أي ضغط للتخلي عن حقها في مواصلة بناء البرنامج الذري. يلوح في المرحلة الحالية امكانية ان تنجح الادارة الامريكية في تجنيد تأييد دولي لتثقيل العقوبات على ايران، مؤملة ان يدفعها المس بها في المجال الاقتصادي والفوران الداخلي الى أن تزن من جديد موقفها المتعلق بتخصيب اليورانيوم. سيكون احتمال نجاح هذا الاجراء متعلقا بالتأليف بين شرطين: احراز موافقة دولية على فرض عقوبات مؤلمة على ايران وهو ما يزال في هذه الاثناء بعيدا من ان يكون مضمونا، وخوف ايران من اجراء عسكري عليها اذا رفضت تغيير موقفها، وهو ما يزال غير خطر.

        يتعلق التقدير الثاني بالثمن الذي سيصحب الانتقال الى مرحلة لن تدع أي شك في ان ايران قررت انتاج سلاح ذري. عندما تقرر ايران انتاج سلاح ذري ستضطر الى السير في واحدة من الطريقين: ترك ميثاق منع نشر السلاح الذري أو تخصيب اليورانيوم بدرجة عالية في منشأة سرية، مؤملة ألا يُكشف النقاب عنه. الطريقان مشكلتان. فترك الميثاق سيكون اكثر من تلميح الى ان ايران قررت انتاج سلاح ذري (وإن يكن من المعقول افتراض انه سيوجد من يدافعون عن ايران ويزعمون انه حتى لو كان الامر خطيرا فليس في ذلك برهان ساطع على قرارها على انتاج سلاح ذري). يتوقع أن يفضي ذلك الى فرض عقوبات اثقل على ايران، عندما يصعب على روسيا والصين عدم المشاركة فيها، وقد يكون ذلك ذريعة عند اسرائيل أو الولايات المتحدة لاتخاذ اجراء عسكري مضاد لايران. إن تخصيب اليورانيوم بدرجة عالية والنشاط المتصل بانتاج جهاز تفجير في مواقع سرية غير معلنة قد يمنحان ايران زمنا اطول حتى يكشف النقاب عنهما، لكنه عندما يكشف النقاب عنهما، ستكون النتيجة مشابهة لترك ميثاق منع نشر السلاح الذري بل ربما أشد. وعلى ذلك قد تؤجل ايران قرارها على الانتقال الى انتاج سلاح ذري الى أن تقدر أن الظروف أنضج لمواجهة الضغوط المتوقعة.

        يتعلق التقدير الثالث بتوجه ايران الأساسي وهو هل تنوي انتاج سلاح ذري أم تقف على شفا انتاج السلاح. لا يوجد اليوم قاعدة حقائق كافية لتقرير هل تقرر ايران الاستمرار على نحو متصل حتى احراز السلاح الذري أم تقرر ان تقف على الشفا الذري، على مبعدة بضعة اشهر انتاج، وتؤجل الى وقت آخر قرار هل تظل في هذه النقطة أم تستمر نحو السلاح. قد يكون قرار ايران الوقوف على الشفا نتاج قصد مبدئي وتخطيط مسبق، أو نتيجة مصالحة بعد ذلك على أثر الحاجة الى مواجهة الضغوط. يتعلق تقدير ايران الوقوف على الشفا في الأساس بالثمن والعقاب. تستطيع ايران أن تقدر انها تستطيع بالوقوف على الشفا مواصلة زعمها انها لا تنتج سلاحا ذريا ولا تسعى اليه وأن يكون من الصعب البرهان على انها احرزت هذا السلاح. وبذلك تستطيع ايران ان تحاول مضاءلة الثمن الذي ستدفعه في الساحة الدولية بسبب تطوير السلاح.

        في الآن نفسه تستطيع ايران أن تقدر أن قدرتها على انهاء تطوير السلاح الذري في غضون زمن قصير ستمنحها مقدار الردع الاستراتيجي المطلوب اذا زاد التهديد من قبل الولايات المتحدة واسرائيل بالقيام باجراء عسكري عليها – الى انها تواصل، علنا وبلا ضغط دولي، تطوير صواريخ باليستية كوسيلة اطلاق. نقص هذا التوجه، من وجهة نظر ايران انه لن يمنحها المجد الاقليمي والداخلي الذي تريد اكتسابه بالحصول على سلاح ذري، ولن يزودها بردع صادق ورد عتيد اذا واجهت خطر هجوم فوري. ينبع من هنا ايضا انه اذا قدرت ايران انها تواجه خطرا قريبا لاجراء عسكري فقد لا تقف على الشفا وتقرر الاستمرار سريعا نحو السلاح الذري.

        التقدير الأخير هو التقدير الداخلي. أحد اسباب أن النظام الايراني يريد سلاحا ذريا هو توقعه ان يمنحه هذا السلاح مجدا داخليا ويعزز مكانته في الداخل. مع هذا الفرض قد تعزز الازمة الداخلية في ايران اهتمامه باحراز سلاح ذري في اسرع وقت. يبدو ان المواجهة الداخلية هي أحد اسباب ان النظام قد قرر إظهار موقف متشدد ورفض صفقة اليورانيوم التي بُحثت مع القوى العظمى في تشرين الثاني 2009. في الآن نفسه لن يعوق الوضع الداخلي في ايران كما يبدو تقدم البرنامج الذري. ففي هذه الاثناء لا يواجه النظام الانهيار في الأمد القريب. حتى لو طرأ تغير على ذلك فانه يجب أن نتذكر أن رؤساء المعسكر الاصلاحي اليوم ملتزمون الاستمرار على البرنامج الذري. سيُحتاج اذا الى مسار طويل من محادثتهم، اذا تولوا الحكم لدفعهم للتخلي عن احراز السلاح الذري اذا وزنوا ذلك أصلا.

 


 

انشر عبر