شريط الأخبار

الحرب والنصر .. دراسة لرئيس برنامج بحث الجيش والإستراتيجية

10:45 - 04 تموز / أبريل 2010

الحرب والنصر*

بقلم: د. جبريئيل سيبوني**

* الجيش والاستراتيجية – المجلد 1 – العدد 3 – كانون الاول 2009.

** رئيس برنامج بحث الجيش والاستراتيجية في معهد ابحاث الامن القومي.

       

مقدمة

        قبل الخروج بعملية "الرصاص المصبوب" اجريت في الجيش الاسرائيلي وفي جهاز الامن نقاشات كثيرة تتصل بالحاجة الى وجود عملية عسكرية في قطاع غزة وكذلك لمسألة هدف العملية الاستراتيجي عندما تحدث. اجريت هذه النقاشات على خلفية التوصيات الحادة للجنة فينوغراد التي كتبت في تقريرها الكلام الاتي:

      فوجئنا ان نتبين ضعفا كبيرا للتفكير العميق والتخطيط الاستراتيجي المتعدد الابعاد، العمق والمحكم، المطلوب في حلبات مركبة وفي ظروف رد سريع وعدم يقين. تخطيط الحرب وادارتها، او استعمال قوة عسكرية على نحو ذكي آخر، يجب ان يشتملا ايضا على تنبه لمبادىء التفكير الاستراتيجي.

      ان التفكير في مخطط انهاء حرب او الخروج منها ليست علامة على ضعف بل عنصرا ضروريا في التخطيط للحرب. لا تتطور الامور دائما كما خطط لها حقا، لكن يجب ان توجد خطة تقوم على معلومات وسيناريوات.

      يجب ان يطمح الجيش في الحرب الى النصر. اذا كان معلوما سلفا انه لا يوجد استعداد أو امكان للتوصل الى نصر كهذا – فيحسن الامتناع منذ البداية عن الخروج للحرب بل عن اجراءات قد تفضي الى الانزلاق نحوها.

      كل هذا كما قلنا آنفا لم نجده في تفكير الجيش في حرب لبنان الثانية – بل ولا في المادة التي عرضها على المستوى السياسي (كما قلنا آنفا ان حقيقة أن المستوى السياسي لم يطلب مواد كهذه هي اخفاق شديد منه).

        ان ارادة تحقيق توصية لجنة فينوغراد – حتى لو لم يقل متخذو القرارات الكلام بصراحة – سببت طول النقاشات وتقديرات الوضع الاستراتيجي، حتى وان كان قد اصبح واضحا لكل ذي لب في نهاية سنة 2008 انه في ضوء مقدار اطلاق الصواريخ وقذائف الرجم من قطاع غزة اصبحت العملية العسكرية محتومة. لكن، برغم كبر وعظم المواد الاولية لمسارات التفكير الاستراتيجي وتقديرات الوضع التي تمت في الجيش الاسرائيلي والمستوى السياسي قبل العملية، لم تفضِ الى وضع كان فيه الخروج الى عملية الرصاص المصبوب يقع تحت مخطط استراتيجي واضح او مخطط خروج واضح. الكلام الاتي للواء (احتياط) غيورا ايلاند، يجسد جيدا الفرق:

       "لم يكن واضحا عندما خرجنا في الرصاص المصبوب ماذا يريدون (الحكومة) احرازه، كان التحديد كما اعطي في المستوى السياسي احداث ظروف امنية افضل. نريد أن يكون الوضع افضل، ليس هذا تحديدا يمكن أن يترجم للمستوى العسكري. بعد ثلاثة ايام فقط بدأ نقاش. ماذا كان الهدف عندما بدأوا الرصاص المصبوب؟ اقول لكم لم يكن محددا"

سأزعم في هذه المقالة ان اهداف حرب دولة اسرائيل، في ضوء طراز التهديد الذي نشأ في السنين الاخيرة، هي اهداف ثابتة يمكن احرازها بمبادىء عمل ثابتة. سأعرض في ضوء هذا الزعم عدم كون استعمال مصطلح النصر ومصطلح الحسم في الخطاب الاستراتيجي في دولة اسرائيل، ذا صلة وسيتضح بذلك لماذا كانت توصية لجنة فينوغراد فضلا عن انها غير واضحة وغير قابلة للتطبيق يبدو ضررها اكبر من فائدتها.

أهداف الحرب العسكرية

        لقد تم بحث تغير تهديد دولة اسرائيل. ام تهديد اطلاق الصواريخ المائلة المسار يقف اليوم على رأس قائمة التهديدات التي يجب على دولة اسرائيل أن تواجهها. يقوم هذا التهديد على استعمال سلاح تقليدي (صواريخ وقذائف صاروخية وقذائف رجم) بمقدار كبير. يقوم هذا التهديد الى جنب التهديد التقليدي الكلاسيكي الذي قام على استعمال اطر عسكرية كبيرة في معارك مناورة. يمكن أن نسمي هذين التهديدين تهديدا تقليديا. يقوم هذان الى جنب تهديدات مختلفة في ماهيتها: تهديد غير تقليدي، وتهديد الارهاب (في الداخل وفي الخارج). من أجل حصر النقاش تتناول هذه المقالة اهداف محاربة التهديد التقليدي.

        لم يتغير وضع دولة اسرائيل الجغرافي – الاستراتيجي منذ اقامتها. ان دولة اسرائيل لا تستطيع انهاء النزاع مع جاراتها باستعمال القوة. وفي ضوء ذلك تعمل تحت مبادىء استراتيجية دفاعية اساسها: محاولة الحفاظ على الوجود القومي في اسرائيل وتحصينه. ان جميع حروب اسرائيل تقريبا حدثت عن هذا التصور الاستراتيجي. اوضح بن غوريون وضع دولة اسرائيل الخاص في هذا السياق بحديثه امام قادة الجيش الاسرائيلي إذ قال:

        "يوجد فرق عميق... بين وضعنا في هذا النزاع وبين وضع العرب فيه. هاجمنا العرب؛ انتصرنا؛ انهم يدبرون لجولة ثانية. لنفرض ان تأتي جولة ثانية في سنة س وننتصر ثانية. سيبادرون آنئذ الى جولة ثالثة. لا يوجد عندنا امكان حل نهائي للنزاع بيننا ما دام العرب لا يريدونه... ولا امكان عندنا ان ننهي النزاع، لكنهم يستطيعون وآنئذ سينقضي النزاع بيننا.

        ان الزعم التاريخي والتأسيسي لكلاوزفتش في شأن غلبة الاهداف السياسية للحرب على الاهداف العسكرية ساري الفعل هنا ايضا. لكن في ضوء وضع دولة اسرائيل الخاص – كما وصف بن غوريون اعلاه – الهدف السياسي لاستعمال القوة العسكرية في دولة اسرائيل هو هدف دفاعي ثابت ينحصر في الحفاظ على الوجود القومي في دولة اسرائيل. في حال قبل هذا الحكم يمكن ان يشتق منه اهداف استعمال القوة العسكرية في اسرائيل. ان هدف الجيش الاسرائيلي هو تثبيط تدبيرات العدو العربي عن المس بوجود دولة اسرائيل وسيادتها.

        نتيجة استيعاب ادراك انه بعد كل جولة مواجهة تأتي جولة اخرى، يحسن ان نفحص ما هو الانجاز المطلوب من الجيش الاسرائيلي في جولات المواجهة هذه. في حالة لم يمكن احداث انجاز سياسي قائم كهدف مباشر للحرب، يجب ان يكون المطلب الاعلى من الجيش الاسرائيلي هو أن يزيد المدة بين جولات المواجهة وان يضائل قدر المستطاع أمد كل جولة مواجهة وضررها. يتم احراز هذه المدة بردع العدو عن العمل في مواجهة دولة اسرائيل. في ضوء هذا الادراك يمكن ان نحدد صورتي عمل اساسيتين يستطيع تحقيقهما ان يمكن ثبات الجيش الاسرائيلي لهذا المطلب: أ. ضربة ومس شديد بالعدو – على الجيش الاسرائيلي أن يستعمل عنصري قدرته الرئيسين وهما النار والمناورة. ذلك للمس بعناصر القدرة العسكرية وبعناصر البنية التحتية السياسية او التنظيمية. ان هدف هذا المس هو ان توسم ذاكرة العدو وان يحفظ ذلك زمنا طويلا قدر المستطاع لدفع عملية اخرى منه في مواجهة اسرائيل لسنين، الى كونه مشغولا بترميم طويل ملتهم للموارد. ينبغي أن نذكر هنا ان العدو الذي يريد الامتناع عن هذه الضربات، يعمل على نحو متهكم وعلى عمد من داخل تجمعات سكنية مدنية من اجل هدفين: الاول تقييد قدرة اسرائيل عن العمل بحرية، اما الثاني فيمكنه من ان يعرض اسرائيل على أنها تعمل في مواجهة المدنيين. للامتناع عن المس بغير المشاركين، يعمل الجيش الاسرائيلي في اجلاء السكان عن مجال القتال والتفريق بين المدنيين والعدو. ان تطوير هذا التوجه وتحسينه سيمكنان من تعميق قوة اصابة العدو في مقابلة مضاءلة الضرر بالسكان المدنيين غير المشاركين. ب. عملية لتقصير أمد جولة المواجهة وضررها – يحتاج الجيش الاسرائيلي للعمل لمضاءلة الضرر الواقع بدولة اسرائيل نتيجة الحرب. يتم احراز مضاءلة الضرر بعدة اعمال:

1.    عزل حلبة المواجهة – يحتاج الجيش الاسرائيلي للعمل في عزل حلبة القتال عن سائر حلبات المواجهة. باقامة واستعداد قوات للعمل في هذه الحلبات وكذلك باستعمال قوة بمقادير ملائمة – بحسب الحاجة – لردع العدو عن فتح حلبة قتال اخرى.

2.    مضاءلة مقادير اطلاق الصواريخ على دولة اسرائيل – عملية لمضاءلة مقادير اطلاق الصواريخ على دولة اسرائيل بنيران دقيقة موجهة الى مصادر وموارد الاطلاق (المستودعات، ومواقع القيادة والسيطرة وقواعد الاطلاق وما أشبه) وبمناورة نحو مناطق ومواقع لها تأثير مباشر في مضاءلة مقادير الاطلاق.

3.    مضاءلة الضرر – استعمال وسائل وتحصين لمضاءلة الضرر الذي يقع على نسيج الحياة المدنية في جولة المواجهة.

4.    مضاءلة مدة القتال – يجب على الجيش الاسرائيلي ان يعمل من أجل مقدار ضربة وقوتها يفضيان بالعدو الى ادراك ان الاستمرار على القتال مناقض لمصلحته. ومن جهة ثانية ينبغي وقف القتال بعد أن يحرز اصابة بالغة للعدو كما حدد أعلاه.

ان خصائص هذه العملية ثابتة، وملائمة لتهديد ثابت نسبيا ولا تقتضي فحصا مجددا قبيل كل مواجهة. يجب على الجيش الاسرائيلي أن يبني القوة ويستعملها ساعة الامتحان كي يثبت لهذه المبادىء. بينت تجربة الماضي القريب، في حرب لبنان الثانية وعملية الرصاص المصبوب ان الاستعمال الجزئي حتى لهذه المبادىء يمكن من احراز نتائج استراتيجية ذات بقاء. ان ضم مبادىء العمل المتعلقة بالدفاع والانتقال الى الهجوم (نقل القتال الى ارض العدو) يصفان الصورة الكاملة لمبادىء الرد.

ان وضع دولة اسرائيل الجغرافي – الاستراتيجي، يقتضيها ان تستغل على أفضل نحو الفترات الزمنية بين المواجهات لاحراز ثلاثة أهداف رئيسة. أولها أمني: بناء القوة العسكرية استعدادا للمواجهة المقبلة وبناء الشروط السياسية استعدادا لها (مثل بناء الشرعية الدولية)؛ والهدف الثاني هو تطوير الدولة في مختلف مجالات العمل ومنها: الهجرة والاقتصاد والتربية والمجتمع وغير ذلك. اما الهدف الثالث فهو محاولة المستوى السياسي العثور على سبل للتوصل الى تسوية سياسية مع العدو. ان عمل المستوى السياسي لاعطاء الجيش الاسرائيلي سياقا لعمله، حيوي. برغم تحديد هدف الحرب كما وصفنا أعلاه، يجب على المستوى السياسي أن يقدم ضرائر استعمال القوة الى جنب الحاجة الى أن يصف كيف تستعمل العملية العسكرية في رأيه لتصبح انجازا سياسيا. في حالات كثيرة وعن عدم فهم للمبادىء التي وصفت آنفا، يحاول المستوى السياسي تقديم توجيه سياسي غامض كي يكون من الممكن احداث وهم انجاز "نصر" في وعي الجمهور.

        النصر والحسم

        في ضوء تحليل مبادىء العمل أعلاه، يكون من المناسب أن نتبين ما هو معنى مفهومي النصر والحسم في خطاب دولة اسرائيل الاستراتيجي. يصعب أن نفهم ما الذي قصدت اليه لجنة فينوغراد عندما قررت أنه "يجب في الحرب على الجيش أن يطمح الى النصر. اذا كان معلوما مسبقا انه لا يوجد استعداد او إمكان للتوصل الى نصر كهذا فانه يحسن الامتناع منذ البدء من الخروج الى الحرب..." ويسأل السؤال: ما الذي قصدت اليه اللجنة بقولها "نصر كهذا"؟ يبدو ان قول اللجنة هذا مأخوذ من مجال المصطلحات التكتيكية اكثر من كونه من  مجال المصطلحات الاستراتيجية.

        رأى كلاوزفيتش النصر محدودا في المستوى التكتيكي في المعركة. وزعم أنه "لا يوجد في الاستراتيجية ما يسمى نصرا". يكتب هريكبي في كتابه ان "النجاح الاستراتيجي – السياسي في الحرب يشخص بمعايير من خارج المجال العسكري". تستطيع وحدة تكتيكية ان تجزم بيقين أن العدو الذي يواجهها هزم وأنها انتصرت في المعركة في حال كف العدو عن أن يصبح ذا صلة في تلك المعركة. يكون ذلك مع وجود واحد من ثلاثة اوضاع: القضاء المادي على العدو؛ أو انحلاله كأطار مقاتل وهزيمته من ميدان القتال؛ أو استسلامه لقواتنا. ليست هذه المعايير ذات صلة في الخطاب الاستراتيجي لانه لا يمكن القضاء ماديا بالفعل على كيان العدو الذي تواجهه دولة اسرائيل. من جهة أخرى يصعب تخيل وضع يرفع فيه علم أبيض على القصر الرئاسي في سورية. وكما يقول هريكبي:

        "الحكم على "النصر" في المعركة تلقائي اذن، مطوي في ذاته. انه حكم من الفور، مع انقضاء المعركة. اما الحكم على الحرب فليس تلقائيا، بل هو مشروط بنتائجها غير المباشرة، بل هي في الاساس مؤخرة".

        قد يكون أعضاء لجنة وقعوا ضحية لاقرار مقياس وعي لنتائج الحرب، ولتصور وعي الجمهور على أثر الحرب، ووعيه للنصر. لقد عود الجمهور في الحقيقة سنين طويلة ان يستعمل مصطلح النصر وان لم يكن ذا صلة البتة. أفضى تغير التهديد الى وضع صعب على الجمهور فيه بعد حرب لبنان الثانية أن يتعرف "المنتصر" مع انقضاء جولة القتال من الفور. وازدادت الصعوبة عندما نشأ في اسرائيل من جهة رقص أشباح مغطى اعلاميا، أما في الجانب الاخر من التل فازدادت احتفالات "النصر الالهي" للعدو. برغم ان النظر الى عنصر الوعي في اسرائيل في الداخل وفي خارج اسرائيل ايضا مهم وذو وزن، فليس فيه ما يمكنه من الوقوف ازاء احراز هدف استراتيجي ذي بقاء في صورة ردع العدو عن مهاجمة اسرائيل لسنين.

        ينبغي ألا نستخف بقوة ذلك. قبل الخروج لعملية "الرصاص المصبوب"، شغل الجيش الاسرائيلي والمستوى السياسي اللذان كانا ما يزالان تحت تأثير تقرير فينوغراد، أنفسهما بهذا الموضوع كثيرا. تمت نقاشات لا عدد لها حاولت أن تدرك ما الذي سيحدد "النصر والحسم" في الجنوب. وذلك برغم أن ازدياد اطلاق الصواريخ على غلاف غزة مع المس الشديد بنسيج حياة المواطنين، قد اقتضى عملا سريعا لوقف الاطلاق ولردع العدو عن اتخاذ طريقة مشابهة في المستقبل بغير صلة بمشهد "النصر" المأمول.

        بين الانجاز الذي يجب على الجيش الاسرائيلي أن يقدمه لدولة اسرائيل وبين مفهوم "النصر" لا توجد أي علاقة بتة. يراد من الجيش الاسرائيلي أن يبعد المواجهة المقبلة قدر المستطاع. هذا هو هدفه الاعلى. مقياس امتحان هذا الانجاز واضح ويقاس بقوة الضربة التي تلقاها العدو وبمدة سني الهدوء بين جولات المواجهة. في الوسط الذي نعيش فيه، ليس يمكن دائما رؤية النتيجة بوضوح مع انقضاء القتال ويجب ألا تؤثر فينا البتة أقوال تبجح العدو. ينبغي أن يسمح في المستقبل باستعمال مصطلحي النصر والحسم في مجال مصطلحات القتال التكتيكي وعدم استعمالهما استعمالا غير مناسب في خطاب دولة اسرائيل الاستراتيجي.

        الخروج للحرب

        ان هدف استعمال القوة العسكرية هو احراز اهداف سياسية. بتحليل الكلام أعلاه، يمكن أن نرى أن الاهداف السياسية البعيدة المدى في سياق دولة اسرائيل الخاص هي أهداف ثابتة جوهرها – الحفاظ على الوجود القومي في دولة اسرائيل وتحصينه. من هنا اشتقت مبادىء استعمال القوة كما فصلت اعلاه. من أجل زيادة عمق النقاش يحسن أن نفحص في أي سيناريوات يراد أن تخرج دولة اسرائيل للحرب او في عملية عنيفة ذات قوة كبيرة. يجب على دولة اسرائيل الخروج للحرب في واحد من السيناريوات الثلاثة الآتية:

أ‌.       وقف عمل عنيف للعدو – يتسلح العدو من الشمال والجنوب سلاح مائل المسار. هذا السلاح موجه ليستعمل على أهداف مدنية وعسكرية في دولة اسرائيل. كلما احترس العدو من استعمال هذا السلاح ولم يمس نسيج الحياة المدنية في المنطقة فان غاية استعمال قوة دولة اسرائيل هي الحفاظ على الردع والمس قدر المستطاع باجراءات بناء العدو قوته. لكن مع تحقق هذا التهديد، يجب على دولة اسرائيل ان تعمل سريعا كي تقفه وكي تنشىء ردعا جديدا. في هذا السيناريو ترد على التهديد المتحقق بالفعل.

ب‌.  تثبيط تهديد محدد محسوس – توجد أوضاع ينشىء فيها تهديد ترى اسرائيل وجوده واحتمال استعماله خطرا كبيرا. لهذا يبقى في مسار ادارة الاخطار ازاء هذا التهديد وبعد استعمال أدوات تثبيط ليست في مجال القوة (اقتصادية وسياسية وما اشبه) يبقى استعمال القوة كآخر بديل. في حالة كهذه تستعمل القوة لاحداث ضربة استباقية هدفها الاعلى هو تثبيط طاقة التهديد الكامنة. في هذا السيناريو تبادر دولة اسرائيل الى استعمال قوتها على احتمال تهديد العدو.

ت‌.  رد استراتيجي على عملية للعدو – يوجد احيانا وضع يتحقق فيه احتمال تهديد وليست عملية لوقفه ذات صلة. مثلا – هجوم لمرة واحدة على اسرائيل بصواريخ بعيدة المدى او عملية ارهابية كبيرة. يراد من دولة اسرائيل آنذاك ان تستعمل قوة هدفها ضربة موجازات استراتيجية موجهة الى اهداف مختارة عند العدو. في هذا السيناريو ايضا ترد دولة اسرائيل على تحقيق العدو لتهديد بالفعل.

 المشترك بين جميع مخططات استعمال القوة هذه هو الاستراتيجية الدفاعية عن ادراك ان استعمال القوة في دولة اسرائيل لا يأتي بخدمة اهداف سياسية بعيدة المدى سوى ابعاد التهديد عن جدول العمل ومنح سنين من الهدوء تمكن المستوى السياسي من القيام بعمله بحيث يقبل العرب وجود دولة اسرائيل في المنطقة. في السيناريوات الثلاثة كلها مبادىء عمل الجيش الاسرائيلي ثابتة. العناصر المتغيرة تتعلق في الاساس بصورة التسوية التي تأتي على اثر العملية العسكرية. وكما قال بن غوريون، ليس الحديث هنا عن تسوية سياسية سلمية، بل عن تسوية مكانية تأتي لاحداث ظروف لوقف اطلاق النار. يؤثر السياق السياسي المحدد في الحقيقة في صورة استعمال القوة لكن هذا التأثير ضئيل لان اطار العمل ثابت.

    ان وجود نقاشات لا تحصى قبل الخروج للمعركة في قطاع غزة، في حين كانت تطلق في مقابلة ذلك مئات الصواريخ على دولة اسرائيل كانت بلا معنى ولم يكد يسهم في فاعلية العملية العامة. يسترعي الانتباه في هذا السياق الكلام الذي نطق به ايهود باراك اذ قال: "ان نقاشا آخر وجلسة اخرى وتقديرا اخر لن تحل المشكلات التي نواجهها... أكان نقاش آخر في مقر قيادة الحرب تغير شيئا ما؟ في النهاية يوجد قادة وتوجد قيادة".

    ينبغي على خلفية هذا الكلام ان نقرأ من جديد توصية لجنة فينوغراد: "اذا كان معلوما سلفا انه لا يوجد استعداد او امكان للتوصل الى نصر كهذا فانه يحسن الامتناع منذ البدء من الخروج للحرب" وان نقرر ان هذا قول ليس فيه أي ادراك يمكن تحقيقه في واقع دولة اسرائيل الجغرافي – الاستراتيجي.

الخلاصة

يبدو ان حرب الايام الستة وخصائصها لن تتكررا مرة اخرى. يحتاج الى اطار مفاهيم جديد للتنسيق بين توقعات الجيش الاسرائيلي والمستوى السياسي ومواطني الدولة. يجب ان يقوم هذا الاطار على خطاب استراتيجي  ذي صلة هدف الجيش الاسرائيلي الاعلى فيه احراز انجازات ثابتة. ينبغي ان يبعد عن الخطاب الاستراتيجي في اسرائيل مصطلحات مثل نصر وحسم سريعين مطلقين او ان يحددا في الاقل من جديد في سياقات التهديد الحالي. استعمال لجنة فينوغراد لهذه المصطلحات فضلا عن انه لا يخدم القضية أضر بالقدرة على اقامة خطاب استراتيجي مناسب.

    والى ذلك، يراد من من متخذي القرارات في اسرائيل تبني مسارات اتخاذ قرارات يكون اعتمادها على نقاشات تقدير الوضع في الوقت المناسب أقل واعتمادها على نقاشات الدراسة في الاوقات العادية اكثر. في نهاية الامر تستهلك نقاشات تقديرات الوضع في الوقت المناسب موارد زمنية ثمينة، وليست مجدية، وذات تأثير محدود في خصائص استعمال القوة. يجب ان تشتق هذه كما قلنا من مبادىء العمل الثابتة. في مقابلة ذلك توجد لنقاشات الدراسة اهمية كبيرة من أجل انتاج وتعميق لغة وفهم مشترك للتحديات الامنية وتحليل الحالات والردود. ينبغي الحذر من ان نكون مستعبدين لتوصيات لجنة فينوغراد التي تريد تحديد وتعريف "النصر" سلفا او صياغة استراتيجية الخروج قبل الحرب. تبين خصائص البيئة الاستراتيجية لاسرائيل ان هذه المسارات قد تسبب شلل الجهازين العسكري والامني.

 

انشر عبر