شريط الأخبار

عبسان على موعد مع المجد ..بقلم: أبوعلي حسن

11:23 - 30 تشرين أول / مارس 2010

عبسان على موعد مع المجد ..بقلم: أبوعلي حسن

عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

تعود بي الذاكرة بعيداً عن زماننا ..وبعيداً عن المكان..نحو قريتي ومسقط رأسي..إلى تلك القرية الوادعة الهادئة على خط "الهدنة" ذات البيوت الطينية والشوارع الترابية..بدون ماء..بدون كهرباء, تلك القرية التي لا يتجاوز قاطنوها من الفلاحين البسطاء أكثر من ألف نسمة, هم العائلات العشرة المتجانسة والمتصاهرة والمتجاورة والتي لا يفارقها الخلاف والوئام.

 

    تعود بي الذاكرة الى ذلك اليوم الذي عبر فيه الجنود الصهاينة عام 1954 شوارع ومزارع عبسان من أمام بيوتها وحاراتها، في عدوان غاشم على  مركز شرطة بني سهيلا وخانيونس، لم أكن يومها قد بلغت الرابعة من عمري, لكن حدثاً كهذا لا زال محفوراً في ذاكرتي, انتشر الجنود يبحثون عن شباب القرية، وفي سلوكٍ غريزي عفوي تحتضن أمي اولادها ظناً منها أنها تحميهم بجناحيها, ثم لا تلبث أن تلبس أولادها الكبار "بناطيل قصيرة" لعل الجنود يتوهموا أن هؤلاء أطفال وليسوا شباب ..وتفوت عليهم فرصة الاعتقال " هدول صغار يا خواجة".

 

     ويتكرر المشهد التراجيدي عام 1956 إبان العدوان الثلاثي، ويهرول جمع القرية هرباً أمام دبابات الصهاينة الى بني سهيلا والى منطقة المواصي, والى مغر بني سهيلا..كان العدو وراءنا والبحر أمامنا، المسافة لا تتعدى الثلاثة كيلو مترات، أي هروب وأي مصير؟..تحمل أمي صغارها على كتفيها المنهكتين من وجع الفقر وتعب الحياة..وتحتضن طفلاً آخر بساعديها المتعبين، غير أن قدرتها على حمل كل أطفالها تنهار أمام ثقل الحمل وجريها السريع لإنقاد فلذات كبدها, تضطر أن تترك أحد أطفالها على قارعة الطريق بين أغصان العوسج وألواح الصبير لعلها ترجع إليه لاحقاً بعد أن توفر أماناً لأطفالها الآخرين، لقد كان هذا الطفل "أنا"، طفلاً مريضاً بكٌاءاً، وفي الطريق تصدف أن تمر خالتي "عزيزة" وهي هاربة من ذات الطريق تسمع صراخاً تتعرف على الطفل تنتشله من بين أشواك الصبير، وتنقذه من ضياعٍ محتم..تحمله على كتفيها وهي تلهث تعباً ورعباً من أزيز الطائرات وطلقات المدافع...

 

   بعد فراق طويل ولقاء خالتي وقد تجاوزت الأربعين من عمري..تقول لي  "والله يا خالتي لوماي ما صرت شاب اليوم"  "والله حطيتك في حضني وشلتك في قلبي".

 

     ما الذي يفجر مخزون الذاكرة عندي هذه اللحظات..هي ذاتها عبسان التي تسكن عقلي ووجداني..هي ذاتها عبسان التي أذاقت الصهاينة قبل أيام كأس الذلٌه والانكسار، بالأمس كانت عبسان تصعد درجات العلا..كانت على عهدها..شامخة..ثائرة..حارسة الثغور..كانت بالأمس أكثر فعلاً وحرارة من مؤتمر القمة العربي في سرت، الذي تصادف انعقاده مع مصرع جنديين من الصهاينة على يد أبطال مجاهدين من عبسان الثائرة، كانت على موعد لكتابة أجمل وأجزل وأبلغ الجمل والعبارات..وأصدق من بيان مؤتمر القمة العربي الذي فقد ظله, كان سليمان البطل على بعد مترٍ ونصف، لم ترهبه فوهة المدفع، لم يشأ أن يتذكر كلمات شائعة "الجيش الذي لا يقهر"..أطلق كلماته رصاصاً صائباً، هي كلمات لكنها أفعال، كان على بعد مترٍ ونصف من الهدف، ترى أي جرأة تلك التي جعلته ينتظر الهدف حتى على مرمى مترٍ ونصف؟, قادة النظام العربي كانوا على بعد ألفي كيلو متر من الهدف، لم  يجرؤا أن يستخدموا كلمة مقاومة، وكتبوا عبارات لا تساوي ثمن المداد الذي كتبت به..

 

   تلك هي المفارقة بين حارس الثغور وحراس الكراسي، بين الدم والحبر، بين الانتماء للوطن والأمة والانتماء للنظام.

 

   من أعطاك يا سليمان ويا هيثم تلك الإرادة ومن زودكما بحب الوطن؟، هل تعرفان أن جدكم "عارف" كان مواطناً فقيراً أمياً..عروبياً..وطنياً صادقاً في انتمائه لأمته ووطنه؟، هل تعرفان أن جدكما كان يحلو له السمر بمزماره ومواله الوطني؟، هل تعرفان أن جدكما بنبل مشاعره وصدق عروبته قد آثر أن يسمي والدكم عبد الحكيم تيمناً بأحد الضباط الأحرار (عبد الحكيم عامر)؟..وأسمى عمكم الآخر عبد السلام عارف تيمناً برئيس العراق إبان تجربة الوحدة مع مصر..كان جدكم يريد أن يورث أبنائه هوية وطنية، وأسماء تراثية، وها هو عبد الحكيم والد البطلين يسقي أبنائه ذات الكأس من ماء الوطن.

 

   يا ابا الشهيدين، يا ابن العم، لا زال لدينا حلم ووطن..بهما مايستحق الحياة والنضال..ومن أجلهما تستحق الشهادة..ولا زلنا في زمن العطاء ولا مكان لزمن انتهازيي الوطنية والبخلاء.

 

   ترى ماذا قلت يا سليمان قبل أن تطلق رصاصاتك النجلاء الى صدر ذلك الضابط المتعجرف الطاووسي من الصهاينة..هل نطقت الشهادتين..؟ هل صرخت فيهم: فلسطين عربية..؟ أم قلت قسم الشهداء..؟ أم ناجيت: هذا دمي حاراً أسقي به تراب فلسطين..؟ أم ناديت: يا أخي "أنا إن سقطت على التراب مسربلاً..فخذ مكاني واكمل كفاحي" ؟  أجزم انك قلت كل ذلك في لحظات ترقبك الهدف..فأجزلت العطاء..وقدمت الموت على الحياة، كي يحيا الآخرون من أهلك وشعبك..

 

   سلاماً عليك وعلى شقيقك شهداء مع العليين..سلاماً لعبسان التي اعتلت سلالم المجد وقباب الحرية..أبلغ يا سليمان شهيد العروبة سليمان خاطر السلام والتحية، هي ذاتها وثبة سليمان يكررها سليمان.

 

 

انشر عبر