شريط الأخبار

اختبار الأمة في امتحان القمة ..فهمي هويدي

02:49 - 30 حزيران / مارس 2010

اختبار الأمة في امتحان القمة ..فهمي هويدي

عندما قال رئيس الوزراء التركي أمام القمة العربية إن مصير استانبول مرتبط بمصير القدس، وإن مصير تركيا مرتبط بمصير العالم العربي، فإنه بدا وكأنه يغرد خارج السرب، لأن أغلب سامعيه من القادة العرب يبدو وكأن لهم رأياً آخر في المسألة.

 (1)

فاجأنا السيد رجب طيب أردوغان وذكرنا بحقيقة إستراتيجية نسيها كثيرون وتجاهلها الباقون، وهي أن نجاح "إسرائيل" في تهويد القدس واقتلاع الفلسطينيين منها يعد تتويجاً لانتصارها وتمكينها من إطلاق يدها في المنطقة بأسرها، ليس فقط باعتبارها مشروعاً توسعياً واستيطانياً، ولكن أيضاً بحسبانها رأس حربة لمشروع الهيمنة الغربية، الراعي الحقيقي للدولة العبرية. وأمام ذلك التمكين فإن أحداً لن يكون بمنأى عن الخطر، ليس في العالم العربي وحده، وإنما أيضاً في تركيا وإيران تحديداً، ذلك أن القدس من هذه الزاوية ليست مدينة فلسطينية عادية يتم تهويدها وابتلاعها، ولكنها رمز للعالم الإسلامي كله.

 

لقد وصف أردوغان ما تفعله "إسرائيل" في القدس بأنه ضرب من الجنون. وتلك قراءة صحيحة من المنظور الاستراتيجي. لذلك فإن الاستمرار في ممارسة ذلك الجنون، ومن ثم تحويل اللامعقول إلى معقول وترجمة العربدة الهوجاء إلى واقع يفرض نفسه بالقوة على الآخرين، يطرح معادلة جديدة تماماً في المنطقة، تقلب موازينها وتهدد مستقبلها وتفتح شهية «المجانين» للإقدام على مزيد من التغول والاستقواء.

 

هذا الذي أدركه رئيس الوزراء التركي، استحق أن يصفه الشاعر مريد البرغوثي بأنه «العربي الوحيد» في القمة، لكن الملاحظ أن العواصم العربية تتعامل معه بقدر مدهش من التراخي واللامبالاة، يختزل رد الفعل في بيانات للتنديد فقدت معناها وجدواها، وقرارات حذرة ليست في مستوى التحدي أو الخطر، تراوحت بين إنشاء مفوضية للقدس، وإعانة أهلها بخمسمائة مليون دولار، والاستغاثة بمحكمة العدل الدولية، التي سبق لها أن أدانت إقامة الجدار، ولكن "إسرائيل" قابلت قرارها بازدراء واستهتار مشهودين، ونفذت مخططها كاملاً، بمباركة ورعاية من جانب أركان الهيمنة الغربية، ممثلة في الولايات المتحدة والرباعية الدولية.

 

(2)

 

حين انعقدت القمة في «سرت» كان التحدي صارخاً ومحرجاً للقادة العرب. فالسيد نتنياهو أعلن صراحة في واشنطن - في عقر دار الراعي الأمريكي - أن القدس خارج المناقشة، وأن عملية تهويدها واقتلاع الفلسطينيين منها لن تتوقف. ولم يكذب رئيس بلدية المدينة خبراً، فلم يتوقف لحظة عن عملية الهدم والبناء سواء في الأحياء العربية أو بجوار المسجد الأقصى وتحته. حتى أصبح انهياره مسألة وقت لا أكثر. وهو جهد توازى مع استمرار محاولات اقتحام المسجد الأقصى من جانب مستوطنين وتحت رعاية الشرطة. في الوقت ذاته فإن حملة بناء الوحدات الاستيطانية تشهد اندفاعة قوية في الضفة الغربية وغور الأردن والجولان.

 

بل ذهبت "إسرائيل" في تحديها وتوحشها إلى حد الاستيلاء على المساجد القديمة، وتحويلها إلى آثار يهودية. كما حدث مع المسجد الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح في بيت لحم.

 

لقد نجح نتنياهو في إجهاض الوعود التي أطلقها الرئيس باراك أوباما في بداية العام بخصوص القضية الفلسطينية، التي كان وقف الاستيطان (مؤقتاً بطبيعة الحال) مدخلاً لإطلاق مفاوضات تمهد لإقامة الدولة الفلسطينية، بل إنه تحدى نائب الرئيس الأمريكي، حين أعلن عن بناء 1600 وحدة استيطانية جديدة أثناء زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن ل"إسرائيل" (٩ مارس/آذار). وهو ما سبب للرجل حرجاً قيل إنه أحدث أزمة في العلاقات مع الولايات المتحدة، من ذلك النوع الذي يحدث داخل أي أسرة.

 

حكومة نتنياهو فعلت ذلك كله قبل انعقاد القمة العربية، ومن الواضح أنها لم تكن قلقة من أي رد فعل عربي، ومطمئنة إلى أن القمة عاجزة عن أي فعل، بل عاجزة عن اتخاذ أي قرار سياسي جريء (سحب المبادرة العربية مثلاً أو قطع العلاقات واستخدام ورقة المصالح التجارية).

 

في حين أن "إسرائيل" لم تكترث بالقمة وحولت انعقادها في ليبيا إلى مادة للسخرية عبر عنها بعض المعلقين في صحفها، فإن قلقها كان أكبر من ردود الأفعال الغربية على تزوير بعض جوازات سفر مواطنيها واستخدامها في جريمة قتل محمود المبحوح قيادي حركة حماس في دبي، ذلك أن قرار بريطانيا طرد أحد رجال الموساد في السفارة الإسرائيلية بلندن بسبب اتهامه بالتواطؤ في العملية آثار القلق في تل أبيب من احتمال أن تحذو كل من أيرلندا واستراليا وفرنسا وألمانيا حذوها، بعدما ثبت أن جوازات سفر مواطنيها استخدمت أيضا في العملية.

 

المشهد من هذه الزاوية مسكون بمفارقة مخزية فإسرائيل لم تبد أي قلق من جانب العالم العربي وهى تفتك بالقدس وتطلق مشروعاتها الاستيطانية الوحشية في الضفة، لكنها عبرت عن قلقها من ردود الأفعال الأوروبية على تزوير جوازات سفر مواطنيها واستخدامها في جريمة قتل المبحوح.

 

(3)

 

قراءة "إسرائيل" للموقف العربي لم تكن خاطئة، فقد ذكرت التقارير الصحفية التي خرجت من اجتماعات سرت أن مصر والأردن اعترضتا على استخدام القمة كورقة ضغط على "إسرائيل". وهو ما تم أثناء اجتماعات وزراء الخارجية أعضاء لجنة مبادرة السلام. إذ عارض وزيرا خارجية البلدين اتخاذ أي قرارات تتعلق بإلغاء أو تجميد المبادرة العربية، بحجة أنها تشكل أساساً «لتسويق» الموقف العربي. ومما له دلالته الرمزية في هذا السياق أن المندوب السوري اقترح أن يطلق على اجتماع القادة قمة «التحدي»، ولكن وزير الخارجية المصري استثقل الكلمة باعتبار أنها ليست واردة في قاموس «الاعتدال»، فاقترح تسميتها قمة القدس وهو عنوان أكثر حياداً أخذ به.

 

لم يكن مفاجئاً الإبقاء على المبادرة العربية، التي كان العاهل السعودي قد أعلن في قمة الكويت الاقتصادية التي عقدت أوائل العام الماضي أنها لن تبقى طويلاً على الطاولة. ورغم مضي ثماني سنوات على إطلاقها فإنها مازالت فوق الطاولة، ولم يملك القادة العرب شجاعة سحبها أو حتى تجميدها - ولأنها لم تحقق شيئاً حتى الآن سوى مساندة الادعاء بإبراء الذمة العربية، فإنه بات يحق لنا أن نعتبرها حيلة للتسويف وليست ورقة للتسويق. أما الطاولة فلم تعد كذلك، ولكنها تحولت إلى مشجب علق عليه القادة المبادرة ثم انصرفوا.

 

أي متابع لمؤشرات العلاقات العربية - الإسرائيلية لا يفاجأ بحدود السقف الذي حكم موقف القمة وأداءها. ذلك أنه قبل عقد المؤتمر بأيام قليلة «في 24/3» نشرت صحيفة «الشروق» المصرية أن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة (إيباك) وجه التحية إلى مصر، لقيامها ببناء السور الفولاذي العازل بين سيناء وغزة. في هذا الصدد تحدث روبرت ساتلوف مدير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ممتدحاً موقف مصر الذي اعتبره «ناضجاً وشجاعاً»، «لأنها أوشكت على الانتهاء من آخر مراحل الحاجز «السور» الذي يضيق الخناق على حماس، الأمر الذي يشكل خطوة مهمة نحو إحداث تغيير داخل غزة». وقد استقبلت كلمته بتصفيق شديد من جانب الحضور، كما ذكر مراسل الجريدة في واشنطن.

 

قبل ذلك بأيام قليلة «في 19/3» نشرت صحيفة «المصري اليوم» أن وفداً عسكرياً أمريكياً قام بزيارة منطقة الحدود المصرية مع القطاع لتفقد المرحلة الأخيرة من الجدار الفولاذي والاطمئنان إلى حسن سير العمل في المشروع.

 

في الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة الإسرائيلية عن مخططات التوسع الاستيطاني واستمرار عمليات تهويد القدس، نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» (عدد 23/3) تقريراً عن تقدم خطوات التطبيع بين "إسرائيل" والمغرب (التي ترأس لجنة القدس!)، تمثلت في عقد سلسلة من المؤتمرات منها ندوة عن تاريخ هجرات اليهود من منطقة المغرب العربي عقدت بمدينة الصويرة، وقبلها عقد الملتقى الدولي الثاني لليهود المغاربة في مراكش، وشاركت فيه 17 شخصية من "إسرائيل"، وفي الرباط عقدت ندوة عن المحرقة التي تعرض لها اليهود. وقبل هذا كله شهدت تسيبي ليفني وزيرة خارجية "إسرائيل" السابقة أحد المنتديات السياسية التي عقدت في مدينة طنجة.

 

الحاصل في المغرب يتكرر بصورة أكثر حذراً في منطقة الخليج، التي استقبلت أحد الوزراء الإسرائيليين بحجة مشاركته في أحد المؤتمرات الدولية، وقام أحد الوزراء الخليجيين أكثر من مرة بزيارة رام الله بتأشيرة إسرائيلية، كما عقد بعض المسؤولين الأمنيين اجتماعات تنسيقية اشترك فيها نظراء لهم من مصر والأردن، إضافة إلى الولايات المتحدة و"إسرائيل". ولأول مرة هذا العام وجهت إدارة مهرجان الجنادرية في المملكة السعودية دعوات المشاركة لعدد من دعاة التطبيع العلني مع "إسرائيل"، الذين ترددوا عليها أكثر من مرة.

 

أما في الضفة الغربية فإن الأجهزة الأمنية تحكم قمع الجماهير وتكبلها لكي تتجنب احتمال انفجار الغضب الفلسطيني واندلاع شرارة انتفاضة ثالثة. وهو ما أعلنه حاتم عبدالقادر وزير شؤون القدس في حكومة سلام فياض السابقة، إذ نشرت له صحيفة «الشرق الأوسط» في 17/3 حواراً قال فيه إن حكومة فياض الراهنة تمنع إطلاق يد الفلسطينيين في الضفة الغربية للقيام بأي أعمال من شأنها أن تؤدى إلى اندلاع مواجهات مع قوات الاحتلال، وأضاف أن ما تقوم به الحكومة بمثابة إجراءات غير مسبوقة لم يعهدها الفلسطينيون أدت إلى كبت الشارع وعدم السماح له بالتعبير عن غضبه وسخطه إزاء الجرائم الإسرائيلية المتلاحقة.

 

(4)

 

في كل مرة ينتقد الاستسلام العربي المهين أمام "إسرائيل" يتم إسكات الأصوات الناقدة بدعوى أن الخيار الآخر هو الحرب، ورغم أن "إسرائيل" لم تستبعد ذلك الخيار، ولا تزال تخوض تلك الحرب بين الحين والآخر، إلا أن الطموح في العالم العربي أصبح أكثر تواضعاً. إذ لم يعد أحد يتطلع في الوقت الراهن إلى تحرير فلسطين، وإنما أصبح الرجاء ألا يتم تضييع فلسطين. وأزعم في هذا الصدد أن عمليات المقاومة التي تمت إلى الآن لم يفكر قادتها في أنها ستؤدي إلى تحقيق التحرير، بقدر ما أرادوا بها إشعار الإسرائيليين بأن الاحتلال له تكلفته، وإنهم لن يظلوا في أمان وهم محتلون للأرض، وهذه التكلفة العالية هي التي دفعت "إسرائيل" إلى الانسحاب من غزة والخلاص من «همِّها». ورغم أن أحداً لا يستطيع أن يدعى بأن حكومة حماس هناك أنجزت شيئاً على صعيد التحرير المنشود، إلا أن أحداً لا يشك في أن وجودها عطل مسيرة بيع فلسطين والتفريط في ثوابتها. من ثم فتصوير الانقسام الحاصل بحسبانه صراعاً على السلطة بين فتح وحماس هو تبسيط لا يخلو من تدليس، لأنه في جوهره خلاف حول أسلوب التعامل مع الملف، وهل الممانعة والمقاومة هما الحل، أم أن الحل في التسليم والدوران في دوامة المفاوضات التي لم تثمر شيئاً طوال التسعة عشر عاماً الماضية؟

 

قبل أيام قلية (في ٢٥/٣) نشرت صحيفة الحياة اللندنية حواراً مع السيد رمضان شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، سئل فيه عن بدائل العرب وخياراتهم في التعامل مع "إسرائيل"، فكان رده أنه ليس مطلوباً من الدول العربية في الوقت الراهن أن تستسلم أو تخوض حرباً، وإنما غاية المراد منها أن تلتزم بحدود اللا حرب واللا سلم، وأن تترك الفلسطينيين بعد ذلك يتدبرون أمورهم مع الإسرائيليين.

 

حتى هذا المطلب صار عسيراً لأن القرار العربي لم يعد مستقلاً، ولأن ثمة إصراراً من الإسرائيليين والأمريكيين على استثمار الانبطاح العربي الراهن في إغلاق الملف وتصفية القضية بتوقيع فلسطيني وإجماع عربي!.

 

صحيفة الشرق القطرية

انشر عبر