شريط الأخبار

مفاوضات... "الحمل الكاذب" .. د. أسعد عبد الرحمن

11:58 - 27 تموز / مارس 2010

بقلم: د. أسعد عبد الرحمن

الحكومة الإسرائيلية الحالية بزعامة نتنياهو، لا يمكن اعتمادها شريكا في عملية "التسوية"، فهي تقابل دعوات الجميع للسلام والتسوية بمزيد من الاستعمار (الاستيطان) والتهويد. طبعا ليس آخر هذه الدعوات بيان "اللجنة الرباعية" حول سلام الشرق الأوسط، الداعي إلى تجميد كل النشاطات "الاستيطانية" بما فيها "تلك المخصصة للاستجابة" لما يسمى "النمو السكاني الطبيعي"، وتفكيك كل المواقع المتقدمة التي بنيت منذ مارس 2001، والامتناع عن القيام بعمليات هدم أو إبعاد في القدس الشرقية، وإلى استئناف المفاوضات بغية التوصل في غضون عامين إلى قيام الدولة.

من جهتها، ترى القيادة الفلسطينية أن المفاوضات هي الحل الأوحد لتحقيق السلام وقيام دولة فلسطينية. فرغم ما يمكن تسميته "سنوات الضياع" التي بدأت منذ أوسلو والتي قضتها الوفود الفلسطينية المفاوضة تحاول عبثا الوصول إلى "تسوية"، فإن الإسرائيليين لطالما خرجوا على الجميع بما يثبت دائما استحالة نجاعة المفاوضات.

صحيح أن الجانب الفلسطيني يعتقد أنه لا يستطيع إلا التفاوض مهما كانت الظروف والأسباب، كون كل الدعم الدولي للسلطة مشروط ليس بالوصول إلى "تسوية" بل في استمرار التفاوض. لكن الصحيح أيضاً أن استمرار المفاوضات ضمن الظروف الحالية هو "حمل كاذب"، والبديل هو رفض العودة إلى المفاوضات حتى التوصل أولا إلى صيغة يجري فيها وقف العدوان، والاستيطان الاستعماري، ورفع الحصار، وفتح الحدود والمعابر، وتهدئة متبادلة وشاملة ومتزامنة. فالعودة للمفاوضات تعطي انطباعا مضللا للعالم بأن السلام قادم بين الفلسطينيين والإسرائيليين طالما أن المفاوضات مستمرة. هذا أولا.

أما ثانيا، فعلى القيادة الفلسطينية التمسك بقرار الإجماع الصادر عن المجلس المركزي الفلسطيني في دورته السابقة، (يومي 15 و16 يناير 2010) والذي نص على تأكيد المجلس المركزي "تمسكه الكامل والثابت بوقف الاستيطان الإسرائيلي في القدس ومحيطها وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، قبل أي حديث عن استئناف جديد للمفاوضات مع إسرائيل، كذلك على تحديد مرجعيتها وفق قرارات الشرعية الدولية للمفاوضات، وتحديد سقف زمني لها، وبحدود عام 1967 حدودا للدولة الفلسطينية وبالقدس الشرقية كجزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967". فاستئناف المفاوضات في ظل استمرار المقارفات الإسرائيلية، حتى وإن كانت مفاوضات غير مباشرة، هو تكريس للرؤية الإسرائيلية لنهج المفاوضات ومرجعياتها، مع استمرار فرض سياسة الأمر الواقع على الأرض، مع التحذير من خطر تحويلها إلى مفاوضات على قضايا جزئية كما جرت عليه العادة في السابق، ثم ممارسة نفس الضغوط لمواصلتها بعد انقضاء الأشهر الأربعة التي أقرتها لجنة المتابعة العربية وإن بحجج مختلفة.

ما المشكلة في أن تتمسك القيادة الفلسطينية، صاحبة المرجعية في تقرير استئناف المفاوضات من عدمها، بقرار "المركزي الفلسطيني"؟ نحن لسنا مع من يطالب مفاوضينا الاعتراف بأن المفاوضات كانت جريمة لا يمكن أن يغفرها لهم الشعب الفلسطيني، بل ندعوهم للتمسك بما سبق وأعلنوه صراحة بأنها باتت مفاوضات عبثية من المطلوب أولا، قبل أي شيء، وقفها إلى حين توقف المقارفات الاحتلالية الإسرائيلية. لذا، لا بد من وقفة جدية مع النفس، ومراجعة الموقف الفلسطيني برمته، تبدأ بالحوار والتدقيق في الحسابات والعودة إلى الشعب الفلسطيني ومؤسساته وتنظيماته وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وكل القوى (من خارجها) التي وافقت على وثيقة الوفاق الوطني، بل والتنسيق مع رموز وقيادات العمل القومي الفكري والإسلامي والتقدمي لمواجهة تحديات المرحلة ومتطلباتها. فالمفاوضات، وحدها، لن تجعل إسرائيل تنظر جديا للاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ولن يجعلها تعيد القدس أو أقلها توقف مؤقت لـ"الاستيطان" والتوقف عن تحويل الأرض إلى جيتوهات متقطعة الأوصال. كما أنه ليس هناك حاليا معطيات تشجع على استئناف المفاوضات. فالمقارفات الإسرائيلية زاد حجمها واتخذت أبعادا غير مسبوقة خاصة في مدينة القدس التي تعتبرها إسرائيل، بأكملها، عاصمتها التي لا تتجزأ، وأن الخطط الخاصة ببناء وحدات سكنية جديدة في شرق القدس شأن داخلي خاص بإسرائيل ليس لأحد أن يتدخل فيه، حتى وإن كان الولايات المتحدة نفسها، أكبر حليف لإسرائيل! بل إن عباس أكد أن "القرارات التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية عن إقامة آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة تشكل نسفاً للثقة وضربة قاصمة للجهد الذي بذل خلال الشهور الماضية لإطلاق المفاوضات غير المباشرة".

بعد هذا، أيضا، ما المشكلة في تكريس القيادة الفلسطينية للتحرك الجماهيري، أو الهبة في الضفة الغربية، والمسارعة ببناء جبهة موحدة للمقاومة الشعبية تتسع يوماً بعد آخر، وإعادة النظر في التزامات السلطة الفلسطينية، خاصة الأمنية، تجاه إسرائيل، وتعميق التعاون مع قوى التضامن الدولي لتوسيع الحملة. فحقاً، لم يعد مقبولا السماح باستمرار السياسة الإسرائيلية "الاستيطانية" الاستفزازية في غياب ضغط أميركي فعلي يلزم إسرائيل بوقف هذه الأعمال والممارسات، مع التأكيد على ضرورة أن يأخذ الموقف العربي أبعاداً جادة وحقيقية تزيد من عزلة إسرائيل وترفع سقف الموقف الدولي.

بعد هذا وذاك، ربما يكون الأنسب أن يتغير أسلوب الأداء التفاوضي الفلسطيني المغيب للمؤسسات وللقوى الفلسطينية، ولقد أحسن "حزب الشعب" الفلسطيني صنعاً حين تجاوز عالم الحديث والاعتراض الشفوي على مساعي استئناف المفاوضات (مباشرة كانت أم غير مباشرة) وسجل موقفه في مذكرة رسمية مكتوبة رفضت أي دعوة للمفاوضات في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي وبخاصة في القدس، مثلما تكرس ذلك الموقف من قبل القوى الممثلة في المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الأخيرة. بل إن هذا الموقف كان - فيما تؤكده الوثائق والبيانات– هو الموقف الذي تبنته حركة "فتح"، سواء على لسان قائدها أبو مازن أم على لسان لجنتها المركزية ومجلسها الثوري. وحتى حين وفرت "لجنة المتابعة العربية" الغطاء لاستئناف المفاوضات غير المباشرة (ولو ضمن شروط مضمونة وزمنية) وجدنا الحكومة الإسرائيلية تقابل "حسن النوايا" العربية (بل والأميركية والدولية على حد سواء) بقرار "اسمنتي" جديد تلته قرارات مشابهة تكرس في مجموعها الرفض الإسرائيلي المتصلب ضد وقف الاستيطان!

انشر عبر