شريط الأخبار

الانتفاضة المغيّبة../ حسام كنفاني

11:17 - 26 تموز / مارس 2010

الانتفاضة المغيّبة حسام كنفاني

 

25/03/2010  10:30 

 

لم تكن مواجهات القدس المحتلة والضفة الغربية الأسبوع الماضي إلّا هبّة عابرة، ما لبثت أن أُخمدت، لكن نارها لا تزال تستعر تحت الرمار. نار لاسعة بحاجة إلى من يقرّر أن يخرجها من سباتها. الحديث عن الانتفاضة الثالثة في الأسبوع الماضي كان عارماً، لكنه بقي في إطاره الإعلامي، وبعض الشعبي. فالكل يعلم أن مثل هذه الخطوة بحاجة إلى قرار سياسي صريح وواضح يفتح الباب أمام حركة شارع واسعة النطاق، غير مقتصرة على مواجهة هنا وإطلاق نار هناك.

 

القرار السياسي كان السمة الأساسية لانتفاضة الأقصى الثانية، التي كانت شرارتها دخول أرييل شارون إلى باحة المسجد الأقصى. دخول جاء بعد فشل تفاوضي عارم في كامب ديفيد وطابا، كان أساسيّاً في اتخاذ القرار السياسي بالمواجهة الشعبية. الوضع الفلسطيني الحالي أكثر سوداويةً ممّا كان عليه عام 2000 على أكثر من صعيد.

 

خلال الأعوام الأخيرة، حدث في القدس ما هو أكثر من دخول أرييل شارون إلى الحرم القدسي، بدءاً من الحفريات، مروراً باقتحامات المستوطنين، وصولاً أخيراً إلى تدشين كنيس «الخربة» وما يحمله من مغازٍ لجهة تأكيد الطابع اليهودي للمدينة المحتلة، فضلاً عن الاستيطان والتهويد.

 

هذا في ما يخص الانتهاكات. أما ما يسمى «المسار السياسي» أو عمليّة التسوية، فإنه في أسوأ حالاته منذ بداية المفاوضات في مدريد. يحاول الأميركيون وبعض الفلسطينيين والعرب إنعاشه عبر ما يسمى مفاوضات «تقريب وجهات النظر»، أي ما دون التفاوض. غير أن المحاولات تقف أمام حائط مسدود لا مجال للنفاذ منه، ما يؤشّر إلى أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة.

 

وإذا ما أُسقطت معطيات الوضع الفلسطيني اليوم على ما كان عليه عام 2000، نجد أن الانتفاضة كان يجب أن تقوم على الأقل منذ سنة. لكن الأمر ليس معطيات فحسب. فأصحاب القرار غارقون في حسابات «الواقعية» و«الوقت المناسب»؛ أبو مازن وزمرته هم أبطال «الواقعية» في خطابهم السياسي، والمدافعون عن قمع أيّ مظهر من مظاهر الانتفاضة الثالثة. رغم أن «الواقعية» لم تكن في يوم من الأيام صفة الحركات التحرريّة، ومنها الثورة الفلسطينية، التي قارعت أقوى قوى في المنطقة بمجموعات من الفدائيين وبعض صواريخ الكاتيوشا. هذا كان في السابق، قبل أن يدخل «الاعتدال» إلى النفوس، وقبل أن تحتل جملة «شعبنا بدو يعيش» ألسن مسؤولي السلطة.

 

جملة مستجدة على قاموس العمل الوطني الفلسطيني مستوحاة من مصطلح «حب الحياة»، الذي ظهر مع «مصر أولاً» و«الأردن أولاً» و«لبنان أولاً»، وإلى ما هنالك من أوائل «الانعزالية الجديدة»، التي لم تعد السلطة الفلسطينية بعيدة عن ركبها. وللمناسبة، فإنّ «حب الحياة» الجديد، مختلف كليّاً عن «حب الحياة» الذي نظّر له الشاعر الراحل محمود درويش، الذي جعل من المقاومة وسيلة للحياة.

 

لكن يبدو أن السلطة متمسّكة بالتفسير الجديد. وعلى أساسه لا توفّر وسيلة لتسفيه أيّ دعوة إلى مواجهة جديدة على اعتبار أنها «تضرّ أكثر مما تفيد». ضرر ربما للمشاريع الشخصية لرموز «السلطة الوطنية»، الذين يجهدون لحجب قرار «الحرب» على حساب مخطّطات «السلام».

 

بناءً عليه، فإن انتظار القرار السياسي من حكّام رام الله ميؤوس منه. لكن ماذا عن حكّام غزّة؟ قد يقول قائل أنْ لا سلطة لـ«حماس» في الضفة والقدس اللتين يفترض أن تكونا ساحة المواجهات في أي انتفاضة شعبية، على اعتبار أن القطاع بات «أرضاً محرّرة». القول صائب لجهة «السلطة الرسمية»، لكن الحركة الإسلامية لها سلطة شعبية لا يستهان بها، وتحريك «الشارع الحمساوي» في الضفة ليس بالأمر العسير، لو كان هناك قرار حقيقي؛ فاعتقالات قوى السلطة لعناصر «حماس» لم تمنع الحركة يوماً من التحذير من «نقل تجربة غزّة» إلى الضفة، والتأكيد على أن «القدرة متوافرة». قدرة من الأحرى أن تكون في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومخططاته، وخصوصاً أن «حماس» كانت أول من دعا إلى «الانتفاض» و«أيام الغضب» في الأيام الأخيرة. دعوات للإعلام لم تترجم إلّا تظاهرات حاشدة في القطاع، أو مشاركة رمزية في الهبّة العابرة.

 

الحركة أيضاً تسعى إلى احتكار قرار «الحرب والسلام» باعتبارها طرفاً حاكماً في غزّة، وهي تعلم أنّه مهما بلغ حجم التظاهرات في القطاع، فهي لن تؤثّر في «الاستقرار» القائم منذ ما بعد عدوان «الرصاص المصهور». لذا فـ «الغضب» أو «الانتفاض» داخل أسوار القطاع أقلّ كلفةً من غيره. وعلى أساسه فلا مانع من مزايدة خطابية لا تغيّر في واقع الحال شيئاً.

 

لكن ماذا عن الخطوات المؤثّرة في «الاستقرار»؟ لـ«حماس» تصرّف آخر معها. واتهام القيادي في الحركة محمود الزهار لمطلقي الصواريخ بـ«العمالة»، لم يعد موقفاً عابراً، هو نهج حمساوي منذ ما قبل العدوان. الحركة تبدو معارضة لأي مقاومة تأتي من خارجها، فهي ترغب في أن تكون صاحبة قرار المواجهة، وأين وكيف، وحينها لينضمّ الباقون إليها.

 

الفارق بين «فتح» و«حماس» في هذا المجال جوهري، لكنه يؤدّي إلى النتيجة نفسها. بين إلغاء المقاومة أو تعليقها، يبقى قرار المواجهة مغيّباً، ومعه خيار الانتفاضة".

"الأخبار" 

 

انشر عبر