شريط الأخبار

كيف يعمل "الموساد" من السفارات الأوروبية في الدول العربية؟

07:59 - 26 آب / مارس 2010

فلسطين اليوم-الأخبار اللبنانية

لم يأت توقّع إسرائيل عدم حدوث أزمة عميقة مع أوروبا بعد اغتيال القيادي في حركة «حماس» محمود المبحوح من العدم. فلولا الخرق الذي سجلته بريطانيا أول من أمس بإعلانها طرد دبلوماسي إسرائيلي، بعد تحميل حكومته المسؤولية عن استخدام جوازات سفر مزورة لبعض الدول الأوروبية، ومنها بريطانيا، في عملية الاغتيال، لكانت نشوة إسرائيل بنجاح عمليتها قد اكتملت.

وفي الوقت الذي كانت فيه شرطة دبي تجري تحقيقاتها كاشفةً الحقائق المرتبطة بمنفّذي الاغتيال والدول التي يحملون جوازات سفرها المزورة، كانت إسرائيل تعدّ دبلوماسيها للتعامل مع ردود فعل الدول الغربية. ردود اقتصرت حتى الأمس القريب على بيان مقتضب أصدره الاتحاد الأوروبي أدان فيه استخدام جوازات سفر وبطاقات ائتمان أوروبية مزورة في عملية اغتيال المبحوح، ولكن من دون الإشارة إلى إسرائيل مباشرة، على الرغم من امتلاكها سوابق في استخدام جوازات أوروبية، كتذاكر تسهّل تنفيذ عمليات تجسس واغتيال لمصلحتها.

ففي عام 1987، اكتشفت السلطات الألمانية، عن طريق الصدفة، حقيبة مليئة بجوازات سفر بريطانية مزوّرة داخل كشك هاتفي في ألمانيا الغربية، كان من المقرر تسليمها إلى أحد ضباط «الموساد». وعلى الأثر، قدّمت بريطانيا احتجاجاً رسمياً الى إسرائيل التي اعترفت بما نُسب إليها، وقدمت في حينه تأكيدات للندن أن الحادثة لن تتكرر مرة أخرى. إلا أن إسرائيل أخطأت مجدداً في عام 1988 عندما جنّدت فلسطينياً يُدعى إسماعيل صوان عميلاً مزدوجاً يعمل لمصلحة «الموساد» ومنظمة التحرير الفلسطينية، وألقي القبض عليه في بريطانيا وفي حوزته أسلحة، ما أثار غضب رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك، مارغريت تاتشر، التي اتخذت قراراً بإعلان أحد الدبلوماسيين الإسرائيليين شخصاً غير مرغوب فيه، وطردت رئيس مكتب «الموساد» في لندن، اري ريجيف، بعد إصدارها أمراً بإغلاق المكتب. وبما أن المصلحة الإسرائيلية هي فوق كل اعتبار، لم تجد إسرائيل حرجاً من الاستهزاء بالسيادة البريطانية مجدداً بعد ثلاثة وعشرين عاماً بإعادة استخدام جوازات سفر بريطانية مزورة.

واستغلال إسرائيل لجوازات الدول الغربية لم يقف عند بريطانيا، بل وصل أيضاً إلى كندا، حيث لجأ عملاء الموساد في عام 1997 إلى جوازات سفر كندية مزورة للدخول إلى الأردن بوصفهم مجموعة من السياح، وتنفيذ محاولة اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، خالد مشعل.

ولم تكن جوازات السفر النيوزيلندية بدورها في منأى عن الاستخدام الإسرائيلي. ففي عام 2004، علّقت نيوزيلندا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، بعدما ألقي القبض على شخصين اشتبه في أنهما من عملاء الموساد لحيازتهما جوازات سفر نيوزيلندية مزورة.

 

ولعل إقرار الضابط السابق في «الموساد»، هوفيكتور أوستروفسكي، بأن تزوير الموساد لجوازات سفر أوسترالية ليس جديداً، يؤكد امتهان إسرائيل تزوير جوازات سفر غربية للتمويه على عملياتها الخارجية، وتحديداً في الدول العربية.

بعض هذه الحالات كشف، وغالباً بسبب خطأ ما، فيما من المؤكد أن بعضها الآخر لم يكشف، لتتحول بذلك الدول العربية إلى ساحة مفتوحة أمام عملاء الموساد، يتنقلون فيها بحرية من دون حسيب أو رقيب.

وفي السياق، يتحدث دبلوماسي عربي، طلب عدم الكشف عن اسمه، عن إهدار العرب فرصة ثمينة كان يمكن استغلالها على أثر انكشاف تورّط «الموساد» في تزوير جوازات السفر، وذلك عبر ممارسة ضغوط على أوروبا تجعلها تتحمل مسؤولياتها منذ اللحظة الأولى لعملية الاغتيال، وخصوصاً في ظل الشرخ الذي يزداد بين الدولة العبرية وعدد من الدول الأوروبية.

ضغط كان يمكن، من وجهة نظر الدبلوماسي أن يدفع أوروبا إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً يقود حتماً إلى تضييق الخناق على حركة عملاء «الموساد» في الدول العربية، عوض أن يسهّل التراخي العربي المخرج للاتحاد الأوروبي قبل أن تعود القضية إلى الواجهة خلال اليومين الماضيين.

والفرصة الضائعة كان يمكن أيضاً أن تواكب الغضب الذي بدأ يظهر في أوروبا انتقاداً للرد الرسمي الأوروبي المتهاون، الذي كانت افتتاحية صحيفة «الغارديان» البريطانية في الثامن عشر من الشهر الماضي، الأكثر تعبيراً عنه.

فتحت عنوان «جوازات للقتل»، رأت «الغارديان» أنه «لو كانت بريطانيا أقل ضعفاً وخنوعاً في تعاملاتها، لكانت أدركت أنه ليس من مصلحتها السماح لإسرائيل بشن حربها على حماس بغطاء بريطاني». وأوضحت أن «انتحال الشخصية لا يعرّض للخطر حياة الذين يحملون جوازات السفر وعائلاتهم فقط، بل من المحتمل أن يعرّض للخطر حياة أي شخص يحمل جواز سفر بريطانياً في العالم العربي». وهو ما تبنّاه وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند، أول من أمس، في خطابه أمام مجلس العموم البريطاني.

وخلصت الصحيفة إلى القول إنّ «من الواضح أن هذه الضمانات الدبلوماسية (التي تقدمها إسرائيل) لا قيمة لها»، مشددة على أن «الأمر الوحيد الذي سيدفع الموساد في المرة المقبلة إلى التوقف للتفكير قبل تحديد شخص لاغتياله هو جعل حكامها (إسرائيل) السياسيين يشعرون بأن هناك عواقب لأفعالهم». عواقب تبدأ في نظر «الغارديان» من «العلاقات الدبلوماسية الثنائية والعلاقات العسكرية، ولا تنتهي باتفاقيات الأسلحة والتجارة».

وهي خطوة قررت بريطانيا، وإن متأخرة، أن تلجأ إليها، مستغلة تجدد الاستياء الغربي من إسرائيل على خلفية إعلان مشاريع استيطانية جديدة أطاحت المفاوضات غير المباشرة التي كان يُسعى إلى إطلاقها.

والتردّد الأوروبي في اتخاذ خطوات في حق إسرائيل يجد تفسيراً في التحذير الذي أطلقه الدبلوماسي العربي من خطورة ما يقوم به الإسرائيليون داخل الدول العربية، لافتاً إلى وجود يقين لدى بعض الدول بأن الأمر لا يقتصر فقط على عملاء موساد يتنقلون مستخدمين جوازات سفر مزورة في الدول العربية، التي تعاني في معظمها من إخفاق استخباري يمنعها من اكتشاف مثل هذه الشبكات. بل ذهب أبعد من ذلك متحدثاً عن وجود إسرائيليين يعملون في سفارات الدول الأوروبية في الدول العربية التي لا تقيم علاقات مع الدولة العبرية، يتولّون التجسس لمصلحة تل أبيب، مستغلّين الغطاء الدبلوماسي الأوروبي الممنوح لهم. وما يعزز هذه الشكوك هو ظاهرة الإسرائيليين حاملي جوازات السفر المزدوجة، الذين تفيد الأرقام بوجود ما يزيد على 350 ألف منهم، وبعضهم سبق أن استغل هذا الأمر لزيارة الدول العربية. هذا فضلاً عن عدد لا حصر له من الموظفين الذين يعملون في دول الخليج تحت ستار جوازات سفرهم الغربية، ما يعزز من خطرهم الأمني، وخصوصاً إذا ما اقترن بظاهرة «السيانيم»، التي تطلق على اليهود الذين يعيشون خارج إسرائيل ويتطوّعون لخدمتها ودعم أنشطتها الاستخبارية في البلدان التي ينتشرون فيها، كلّ بحسب وظيفته.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن معظم الدول الأوروبية تقدّم لرعاياها جواز سفر بديل (ثانٍ) لزيارة الدول العربية، إذا كان الجواز الأول يحمل تأشيرة دخول إلى إسرائيل أو أختام عبور إسرائيلية، وذلك بحجة تسهيل حركتهم والحفاظ على وضعهم الأمني.

وتقود هذه المعطيات إلى إلقاء نظرة على العلاقة التي تربط إسرائيل بالدول الأوروربية، وحدودها التي رسمتها جملة من المعطيات كان في مقدّمها المصالح في الشرق الأوسط، وخاصة العلاقة تجاه إيران وحركات المقاومة، بدءاً بحزب الله وصولاً إلى الحركات الفلسطينية، وخصوصاً «حماس».

وتتمتع إسرائيل بعلاقات مميزة مع بعض الدول الأوروبية، وخاصة بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا. فهذه الدول تتشارك معها إسرائيل النظر إلى حركات المقاومة بأنها حركات «إرهابية»، ما يسمح بغض الطرف عن استهدافها ومحاولات إضعافها من قبل الكيان العبري متى كانت الظروف تتطلب بذلك وتسمح به. ولذلك، لم يكن مستغرباً تسريب الصحافة البريطانية خبراً يفيد بأن جهاز الاستخبارات البريطاني توافرت لديه معلومات عن نية إسرائيل اغتيال المبحوح ولم يتحرك لردعها، على الرغم من نفي السلطات البريطانية الأمر مرات عديدة.

ويبدو أن «وقت الحساب»، الذي دعا مشعل الدول الأوروبية لإظهاره لإسرائيل، قد حان، وخصوصاً أنّ تعنّت إسرائيل في الموضوع الاستيطاني شجّع الدول الأوروبية على تصعيد موقفها، من دون أن يكون موعد إعلان التصعيد مرتبطاً بحسابات داخلية، وتحديداً في بريطانيا، التي يقترب موعد انتخاباتها التشريعية.

وشهدت علاقة إسرائيل بالدول الأوروبية منذ العام الماضي توتراً ملحوظاً، وخصوصاً مع الدول التي تتعاطف مع القضية الفلسطينية، والتي باتت أكثر قدرة على فرض وجهة نظرها داخل الاتحاد الأوروبي، في ظل تعثّر عملية السلام في الشرق الأوسط، والحرب التي شنّتها إسرائيل على غزة أواخر عام 2008 ومطلع عام 2009.

ولعل تأجيل الاتحاد الأوروبي وإسرائيل لاجتماع كان مقرراً الأسبوع الحالي في بروكسل إلى أجلٍ غير مسمى، «لأن الاجتماع سيكون خالياً من أي معنى» في الوقت الراهن، أوضح دليل على الفجوة التي بدأت تصيب العلاقات الإسرائيلية مع الدول الأوروبية، نتيجة السياسيات الإسرائيلية السلبية.

 

فعملية اغتيال المبحوح أتت في وقت لا تزال فيه إسرائيل تفتش عن مخرج لأزمة تقرير غولدستون الذي يلاحقها بسبب عدوانها على غزة، إضافة إلى تزامنها ومجموعة من الأزمات الدبلوماسية مع بعض الدول الأوروبية.

وأصابت تداعيات تقرير غولدستون عدداً من القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين الذين وجدوا أنفسهم فجأة عاجزين عن السفر إلى بلدان أوروبية، بعدما أثارت وحشية الهجوم الإسرائيلي تعاطف الشارع الأوروبي، ودفعت الجماعات الداعمة للفلسطينيين إلى تقديم دعاوى في حقهم أمام بعض المحاكم الأوروبية.

وبعدما كان المسؤولون الإسرائيليون موضع ترحاب في مختلف الدولة الأوروبية، أصبحوا بعد عدوان غزة مضطرين إلى مواجهة غضب الأوروبيين أينما حلوا.

وامتدت تداعيات حرب غزة لتشمل مستوى العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. ووسط انقسام الآراء بين الدول الأوروبية، جمّد الاتحاد الأوروبي، في حزيران من العام الماضي، قراره بشأن رفع مستوى العلاقات بعد ضغط مارسته دول مثل السويد، ليمثّل بذلك إحدى أبرز النكسات التي واجهت إسرائيل خلال العام الماضي.

توتّر مع السويد، التي كانت ترأس الاتحاد الأوروبي، تضاعف بعدما اقترحت وثيقة تعترف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، وتؤكد عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية وهدم بيوت الفلسطينيين‏. هذا فضلاً عن ترافق المقترح السويدي مع صدور تقرير أوروبي ينتقد سياسة الاحتلال في القدس المحتلة ومحاولة تغيير الملامح الديموغرافية للمدينة.

كذلك أسهم المقال الذي نشرته صحيفة «أفتونبلاديت» السويدية، لمراسلها دونالد بوستروم، واتهم فيه جنوداً إسرائيليين بقتل فلسطينيين عمداً لسرقة أعضائهم والمتاجرة بها، في إضفاء المزيد من التوتر. وأدّى المقال إلى أزمة دبلوماسية بين إسرائيل والسويد بعدما أصرّت استوكهولم على موقفها عدم الاعتذار لنشر المقال، متسلّحة بمبدأ حرية الصحافة، فيما اتهمتها إسرائيل، على لسان وزير خارجيتها أفيغدور ليبرمان، بأنها تتخذ مواقف متطرفة ضدها منذ الحرب على غزة.

هذه الاتهامات طالت أيضاً النروج، بعدما كشفت الحكومة النروجية عن أن صندوق الثروة السيادية للبلاد سحب استثماره من شركة «إيلبيت سيستمز» الإسرائيلية لتوريدها تجهيزات مراقبة للجدار العازل في الضفة الغربية. وعلّلت النروج قرارها بأن الاستثمار في الشركة الإسرائيلية ينطوي على احتمال غير مقبول للمشاركة في انتهاكات خطيرة للقواعد الأخلاقية الأساسية، ما دفع إسرائيل إلى وصف النروج بأنها «انحطّت إلى أدنى مستوى».

وسبق الانسحاب امتعاض إسرائيلي من النروج التي لم تقاطع خطاب الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، خلال مؤتمر دوربان الثاني بشأن العنصرية. امتعاض تأجّج بعد قرار أوسلو الاحتفال بالذكرى الـ150 لميلاد الكاتب كنوت هامسون، الذي تتهمه إسرائيل بأنه مقرّب من النازيين.

 

 

 

 

انشر عبر