شريط الأخبار

خطة بيكر..هآرتس

01:24 - 19 تشرين ثاني / مارس 2010


بقلم: عكيفا الدار

بنيامين نتنياهو سبق أن كان في هذا الفيلم. في المرة السابقة، كان هذا قبل 18 سنة، رئيس امريكي قرر أن يذكر رئيس وزراء اسرائيل من هو المخرج الرئيس، والنهاية لم تكن بشكل عام حزينة. جورج بوش الاب ووزير خارجيته، جيمس بيكر، بطحا رئيس الوزراء في حينه، اسحق شمير، على الارضية، وشقا لنتنياهو، الذي لم يكن بالاجمال سوى نائب وزير خارجية سابق، الطريق لرئاسة الليكود.

بعد اربع سنوات من ذلك أخلى نتنياهو شمعون بيرس من مكتب رئيس الوزراء. بالطبع، اليوم مثلما هو في ذاك الوقت، في بداية التسعينيات نتنياهو لم يخطط للشرخ مع البيت الابيض. يمكن الافتراض بان المواجهة الحالية مع براك اوباما لا تضيف صحة لرئيس الوزراء. وهو يفضل ان يواصل الاختباء خلف الضباب السميك لخطاب بار ايلان كل الطريق نحو الانتخابات القادمة.

في مكان مقره في معهد بيكر للسياسة العامة في جامعة رايس، بوستون تكساس، يتابع بيكر باهتمام شديد أحداث مبادرة السلام التي دشنها في مؤتمر مدريد في تشرين الاول 1991. في المقابلة التي اعطاها في الشهر الماضي للمجلة السياسية "ناشيونال جورنال" علم بيكر اوباما درسا في الصراع ضد حكومة اسرائيلية محبة للاستيطان. ضمن امور اخرى اقترح الا يكتفي الرئيس بالتوبيخات.

ويذكر بيكر قضية الضمانات سيئة الذكر في اليمين الاسرائيلي. فقد كانت هذه المرة الاولى والاخيرة التي تعرض فيها الادارة الامريكية على اسرائيل شارة ثمن، محددة بالدولار على مواصلة سياسة الاستيطان: 10 مليار دولار ضمانات لتمويل استيعاب المهاجرين من الاتحاد السوفييتي السابق.

"لا أندم على قرار استخدام المساعدة الاقتصادية كوسيلة ضغط لتجميد الاستيطان"، قال بيكر في المقابلة. "دافع الضرائب الامريكي يعطي دولة اسرائيل كل سنة 3 مليار دولار، او الف دولار لكل مواطن اسرائيلي. وعليه، فهل من غير المنطقي ان نتوقع من اسرائيل أن تحترم سياستنا بالنسبة للمستوطنات".

في تلك الايام، واشنطن كانت ساحة سياسية مريحة اكثر للصراع ضد "ادارة معادية". فمن جهة رئيس جمهوري، ومن جهة اخرى كونغرس ديمقراطي وطائفة يهودية تتماثل دوما مع هذا الجناح السياسي. واضافة الى ذلك يمين مسيحي يمول مجموعة كبيرة من اعضاء الكونغرس المحافظين. نتنياهو وبعض رفاقه في السفارة اقنعوا شمير بانه سيكون بوسعه تلقي الضمانات، وبالتوازي مواصلة استقبال بيكر في رحلاته الى المنطقة بمستوطنات جديدة.

"الزعماء الاسرائيليون قالوا لنا انهم سيتلقون المال من الكونغرس"، كما يتذكر بيكر. "ردنا كان سنلتقي في تلة الكابيتول". اللقاء، كما يذكر، انتهى بانتصار الادارة. الازمة اياها في العلاقات مع الولايات  المتحدة شقت طريق اسحق رابين وحزب العمل الى الحكم، ومن هناك الى اتفاق اوسلو. بيكر مقتنع بانه لو لم تتخذ هذه الخطوة، لما عقد مؤتمر مدريد.

ليست لديه شكاوى ضد اوباما على جعله المستوطنات موضوعا مركزيا في سياسته. لديه مشكلة مع تراجع (تجميد محدود بالحجم والزمن). وقال: "لا يمكنك ان تحدد موقفا يتناسب والسياسة التي تبنتها الولايات المتحدة قبل سنوات عديدة، وما أن يدفعونك الى الوراء، حتى تلطف موقفك. الزعماء الاجانب يشمون مثل هذا الضعف عن بعد".

في رأس سلم الاولويات

ادوارد جرجيان، اليوم مدير معهد بيكر، كان في حينه مساعده في شؤون الشرق الاوسط. قبل ذلك كان سفيرا في سوريا وبعدها سفيرا في اسرائيل. هذا الاسبوع قال في مقابلة هاتفية لـ "هآرتس" ان الازمة الحالية والمخاطر التي تحدق بالمنطقة تذكره بايام الشرخ بين بوش الاب وشمير. "اذا وصلت المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين الى مأزق، فان المنطقة ستعلق في عدم استقرار وعنف. وعليه، فان ادارة اوباما ملزمة بان تدفع الطرفين الى تنفيذ التزاماتهما وجلبهما مجددا الى مفاوضات مباشرة، وحسن ساعة مبكرة اكثر"، قال.

"اوباما لا يحق له أن يسحب يده من النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني"، يواصل جرجيان، "هذا يتعلق بقلب المصلحة الوطنية – الامنية للولايات المتحدة". وهو لا يوهم نفسه بان حل نزاع "نا" سيبيد بعوض الارهاب، ولكن في السنوات الطويلة التي قضاها في المنطقة تعلم بان الامر سيساعد في تجفيف المستنقع الذي ينبت الغذاء لمتزمتي الاسلام. وحسب اقواله، فان "النزاع الاسرائيلي – العربي هو أحد المواضيع الاكثر حساسية في العالم الاسلامي. اسامة بن لادن ومحمود احمدي نجاد يستغلان ضائقة الفلسطينيين ويضرمان النار في الشارع العربي. يوجد لهذا تأثير مباشر على الولايات المتحدة التي تسكن الدم والمال ضد الارهاب الاسلامي في العراق وفي افغانستان.

وحسب جرجيان فان "قرار اوباما تعيين جورج ميتشيل مبعوثا رئاسيا خاصا، منذ اوائل ايامه في البيت الابيض يدل على أن الرئيس وضع المفاوضات السلمية بين اسرائيل والفلسطينيين في رأس جدول أعماله. اوباما تعلم الدرس من خطأ كلينتون وبوش الابن اللذين تركا معالجة المسيرة السلمية حتى نهاية ولايتيهما الرئاسيتين".

والان، تبادل الاراضي

يرفض جرجيان فقدان الامل. وثيقة اعدها فريق برئاسته، بمشاركة وزراء سابقين وخبراء اسرائيليين، فلسطينيين وأمريكيين، يقترح حلولا للمسألة الاقليمية. الوثيقة نقلت قبل بضعة اسابيع الى ميتشيل، الى مكتب نتنياهو والى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (ابو مازن).

        وهو يقترح على اوباما ان يختار بين ثلاث امكانيات لتبادل الاراضي بين الضفة الغربية واسرائيل (كلها بنسبة 1:1): بحجم 4 في المائة من الضفة (251كم مربع)، 3.4 في المائة من الضفة (212 كم مربع)؛ او 4.4 في المائة (274 كم مربع). عدد المستوطنين الذين يسكنون في المناطق التي ستنقل الى الفلسطينيين، حسب الاقتراحات المختلفة، هو 100 الف حتى 120 الف.

"وثيقتنا تظهر أنه بمعونة قيادة امريكية مصممة، تؤدي دورا ناجعا لوسيط نزيه، فان الطرفين يمكنهما ان يجسرا الفوارق بينهما في المسألة الاقليمية"، كما يعد جرجيان. "ولكن دون تدخل امريكي ناجع، فان المفاوضات المباشرة لن تنجح في تحقيق حل. حكومة نتنياهو تعتمد على ائتلاف يميني ضيق والفلسطينيون منقسمون بين حكومة السلطة في الضفة وبين حكومة حماس في غزة. الرئيس اوباما يتعين عليه أن يستثمر رأس مال سياسي كبير كي يقرروا صد الضغوط الداخلية والتقدم نحو التسوية".

بيكر هو الاخر يبقي على قدر من التفاؤل. فقد عرف نتنياهو عن قرب في مؤتمر مدريد حين كان هذا عضوا كبيرا في الوفد الاسرائيلي. "اؤمن انه تحت قشرته الخارجية، فان بيبي يريد أن يكون الزعيم الذي يجلب السلام لشعبه. وهو اكثر برغماتية مما يعتقد كثيرون".

بيكر يقول انه لن يفاجأ اذا ما اكتشف بان نتنياهو يدير مفاوضات سلمية مع سوريا. برأيه، تسوية مع دمشق أقرب على متناول اليد من اتفاق مع الفلسطينيين. وهو يؤمن بانه اذا توصلت اسرائيل الى اتفاق مع السوريين، فسيكون اسهل عليها ايجاد شريك لاتفاق في الطرف الفلسطيني، بسبب تواجد حماس في دمشق.

بيكر وجرجيان يتفقان على أنه مثلما في حالة مؤتمر مدريد واتفاقات السلام مع مصر والاردن، المفتاح لحل الدولتين هو مبادرة دبلوماسية صحيحة من واشنطن – ولكن أولا وقبل كل شيء ارادة سياسية قوية في القدس وفي رام الله. "في لحظة معينة، قبل مؤتمر مدريد، اعطيت الاسرائيليين والفلسطينيين رقم هاتفي وقلت لهم اتصلوا بي حين تقرروا ان تكونوا جديين بالنسبة للسلام"، يتذكر بيكر في المقابلة ويضيف: "خمن ماذا؟ استوعبوا الرسالة. الطرفان اتصلا بي وبعد ذلك ابديا استعدادا اكبر للمرونة".  

انشر عبر