شريط الأخبار

مفاوضات عنترية..علي عقلة عرسان

10:18 - 12 آب / مارس 2010

مفاوضات عنترية..علي عقلة عرسان

 

خلال هذا الشهر آذار 2010، وفي مدارات الكلام عن استئناف المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بوساطة أميركية مباشرة، أعلنت إسرائيل عن بناء 116 وحدة سكنية في أثناء زيارة الوسيط ميتشل، وعن بناء 1600 وحدة سكنية في أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي بايدن لها، وكشفت جريدة "ها آرتس" عن مخططات لبناء 50000 وحدة سكنية في القدس ومحيطها، وجاء ذلك في أثناء زيارة بايدن أيضاً.

ارتبك نتنياهو بسبب الإحراج الذي سببه لضيفه، وهاتفه في الفندق قائلاً: " البيان كان خللاً، ليس مناورة ترمي إلى إحراجك. أنا أيضا فوجئت". وأدان نائب الرئيس الأميركي إعلان " إسرائيل" عن بناء 1600 وحدة سكنية جديدة في شمال القدس، واعتبر ذلك مدمراً للثقة بين   الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.. " هذا بالضبط نوع الخطوات التي تقوض الثقة الضرورية لنا الآن، وتتعارض والمباحثات البناءة التي كانت لي هنا في إسرائيل".. وأدان قرار إسرائيل. كانت تلك هي المرة الأولى التي يصدر فيها قرار أميركي يدين إسرائيل بسبب الاستيطان، والمرة الأولى التي يبادر فيها أكبر صديق لإسرائيل في إدارة أوباما إلى مثل هذه الإدانة، وهو الذي قال في الماضي القريب: ".. لا حاجة للمرء أن يكون يهودياً كي يكون صهيونياً وأنا بالتأكيد أرى نفسي صهيونياً.".. و".. إبنه متزوج من يهودية تحافظ على الفرائض، ونائب الرئيس يشارك بثبات في وليمة ليلة الفصح التي تعقدها كنَّته" كما جاء في صحيفة إسرائيلية./ المصدر السياسي في 11آذار 2010/

فهل تغير الموقف الأميركي من الاستيطان الإسرائيلي فعلاً، أم أن الغضبة الأميركية العارضة كانت كما قال الصهيوني ايالون، "بسبب التوقيت وليس على مبدأ الاستيطان".. لأن الأمر اعتبر إساءة لبايدن، صديق إسرائيل الأول في الإدارة لأميركية.؟

أنا آخذ بالسبب الثاني، لأن إدارة أوباما التي كانت قد طلبت سابقاً وقف الاستيطان كلياً لكي تبدأ المفاوضات، ابتلعت قرارها ذاك وعادت عنه، معتبرة أن الاستيطان من حقوق إسرائيل الطبيعية.. وضغطت على أبي مازن ليقبل التفاوض مع استمرار الاستيطان، وسهلت عليه النزول عما أسموه " شجرة تسلقها" بقرار تغطية من لجنة متابعة المبادرة العربية في الجامعة العربية، أي قرار قمة بيوت 2002، كان قد اتخذه وزراء الخارجي العرب في اجتماعهم الأخير في القاهرة، وكان و المظلة والدافع لقبول التفاوض لمدة أربعة أشهر، بقرار عربي .

إن القضية، من وجهة نظري، ليست قضية وقف الاستيطان بل ما هو أبعد من ذلك وأعمق بكثير، وفي حصر المسألة في هذا النطاق تثبيت للتراجعات الأخيرة عن الأهداف والثوابت الوطنية والقومية في القضية المركزية لنضال العرب في العصر الحديث.. والاستيطان لم يتوقف أصلاً في أي وقت من أوقات التفاوض بين الطرفين على هذا المسار، وكان يستمر حتى بعد توقيع الاتفاق على وقفه، فتلك مسألة تتصل بالرادع المؤثر عربياً، وتختلف عن الهدف العربي الأساس، فالهدف الاستراتيجي للكيان الصهيوني الذي قام على الاستيطان والاحتلال والقهر والقوة مستمرة.. والقضية هي الهدف والموقف العربيان الجذريان من الصراع كله وأهدافه النهائية، والقضية هي أيضاً في الموقف الفلسطيني والعربي من قضية الشعب الفلسطيني بجوهرها ومبدئيتها وأهدافها النهائية:

ـ هل هي قضية شعب فقد وطنه وشُرد منه وانتهى الأمر عند هذا الحد.. وعليه أن يبحث عن استقرار من أي نوع داخل الديار وخارجها.!؟

ـ أم أنها قضية شعب ما زال يناضل في سبيل استعادة وطنه والعودة إليه بكل الوسائل الممكنة، وعلى رأسها المقاومة المسلحة.. ومن وجوه ذلك الصراع التفاوض، وفق أسس ومعايير وثوابت واضحة له على الأقل، ويتمسك بها كل من يتكلم باسمه في أي موقع.؟!

ـ أم هي قضية أمة عربية أعطت ظهرها لنضال فئة من أبنائها، وأقرت بانتزاع فلسطين من جغرافيتها وتاريخها، وأخذت أقطارها تتلون حربائياً لتتخلص من مسؤولياتها وواجباتها حيال القضية، وحتى من ذاكرتها ووجدانها وتاريخها.. وهي تناور وتداور لتترك الفلسطينيين في مثل موقفها من المناورة والمداورة، منقسمين، يبحث كل طرف منهم عن أهداف ومخارج وعن ميناء يرسو فيه، ميناء تضيء لهم الأقطار المتدابرة أنوارها الكاشفة لكي يرسو فيه، ويسلموها مقاليد أمرهم، فيصبحون ورقة في رصيد أوراقها السياسية.

   ما من شك في أن الموقف الفلسطيني الموحد يؤثر إيجابياً على الموقف العربي المشتت، وأن العكس صحيح مئة بالمئة، فالموقف العربي الموحد يؤثر إيجابياً على الموقف الفلسطيني الممزق.. ونحن الآن أمام وضع فلسطيني وعربي يتآزران في التشتيت والتفتيت، فالموقف الفلسطيني ضعيف وممزق، والموقف العربي متضاد تماماً في رؤيته حول القضية وموضوع الصراع. والنتيجة تنعكس سلبياً على قضية فلسطين وشعبها، وعلى الأمة العربية ووجودها وكرامتها وحقوقها ومكانتها بين الأمم.

في اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي تم في إطار الجامعة العربية، ومنح السلطة الفلسطينية غطاء لتفاوض مدته أربعة أشهر، يقررون بعدها ما يرون، فيذهبون إلى مجلس الأمن مثلاً.. جرت " ملاطفة دالة جداً" في الاجتماع، حيث قيل: ماذا ستفعلون بعد أن تنقضي الأشهر الأربعة ولا يحصل أي تقدم في المفاوضات، كما كان الشأن منذ سنوات وسنوات.. هل ستحاربون مثلاً؟ فقال وزير بلد مقتدر مالياً: " نحن نحارب بالمال"، وقال وزير بلد بينه وبين إسرائيل اعتراف وعلاقات واتفاقيات وتنسيق، نحن معترفون بإسرائيل ولا نحاربها.. وتلاقت كل العيون عند ممثل سورية التي لا تملك المال الكافي في مواجهة، ولا يوجد بينها وبين الكيان الصهيوني اعتراف ومعاهدات واتفاقيات، وتقول بدعم المقاومة.. وبقي الجواب النهائي معلقاً في الفضاء، بعد أن اتضحت الصورة والمواقف تماماً. وهذا بالضبط ما تستثمره إسرائيل إلى أقصى درجة، فهناك عرب معها، وعرب محايدون بينها وبين العرب، وعرب يبرئون ذمتهم بالمال، وعرب يرون ما يجب ولا يقدرون على تحمل المسؤولية وحدهم.   

إن الفلسطينيين قبل العرب، بحاجة إلى وحدة هدف ورؤية وموقف وصف، وذاك مفقود، مفقود، مفقود.. حتى لو صرح الجميع بضرورته وأهميته وحتى بوجوده.. فمن يلهث وراء مفاوضات تعطيه رئاسة بلدية، وبساط رئاسة، ونفوذ مسؤول عن منطقة بلا سيادة.. لن يحقق هدف العودة والتحرير، مثله مثل من يسيل دمه من أجل رفع الحصار عنه، ويأخذ بخيار المقاومة، ويقاتل العدو المحتل وبعضَ أبناء شعبه وأمته الذين لا يريدون له أن يصمد بلْه أن ينتصر حتى لا يقال إنه حقق ما لم يحققوه.. وهو أيضاً غير قادر في الظروف والمعطيات الحالية على تحقيق الهدف النهائي.. فالهدف النهائي أصلاً مختلف عليه الآن:

1 ـ هل هو تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ومن رأس الناقورة إلى رفح، وعودة الشعب الفلسطيني ظافراً منتصراً إلى وطنه التاريخي.؟

2 ـ أم أنه اعتراف بالعدو في حدود الرابع من حزيران 1967، وقبول بدولة في قفص، دولة منقوصة السيادة، بلا جيش، ولا حدود مع أي من أقطار أمتها، مع مساومة على حق العودة والقدس.؟

3 ـ أم هو قبول بما يُعطى للفلسطينيين من أرض في الضفة الغربية، بعد اقتطاع المستوطنات الصهيونية الكبيرة وما يحيط بالقدس من جغرافية، بما في ذلك القدس ذاتها.

كلٌ من هذه المطالب قائم عند جهة فلسطينية، وكل منها يحظى بموقف قوى عربية رسمية داعمة له.. ولكن الاتفاق العربي على أي منها غير موجود.. وهذا بالذات هو موطن الداء الآن، وسبب هذه الاستهانة، المدوية في الآفاق، بالعرب وقضيتهم المركزية.. قضية فلسطين، بل بكل وجودهم بوصفهم أمة واحدة، ذات رؤية بعيدة المدى من جهة، وذات بعد ماضوي لا يمكن إلا أن يكون حاضراً ومؤثراً في مستقبلهم وقضاياهم ومصالحهم.

لقد هلل العرب لاستعداد الولايات المتحدة الأميركية أن تقول علناً من هو الذي يعطل المفاوضات؟ واعتبروا ذلك نجاحاً أو تحولاً في الموقف الأميركي..!؟ فيا لها من منحة فائقة الاعتبار تقدمها لهم إدارة أوباما فيهللون لها.. سيقول السيد الأميركي: إن إسرائيل تعطل المفاوضات؟! ويتابع إن إسرائيل هي الصديق الأول والأفضل لنا في المنطقة وفي العالم.. ونحن نؤكد دعمنا المطلق لها، ونلتزم بأمنها، وضمان تفوقها العسكري على كل العرب مجتمعين، وندعم رفاهية شعبها، ونلاحق إيران التي تسبب لها قلقاً.. وسنقف ضد كل قرار لإدانتها، فالفيتو الأميركي جاهز للاستخدام، والجيش الأميركي الكبير جاهز للنجدة عند اللزوم.؟!

وأنا أسأل ما هي الفائدة من تصريح أميركي بأن إسرائيل عطلت المفاوضات، في الوقت الذي لا يتأثر دعمهم المطلق لها بأي شكل من ألأشكال.. فالإدارة الأميركية و ومواطنوها يساهمون في تمويل الاستيطان، وجدار الفصل، وتطوير القدرة العسكرية النووية وغير النووية، بما لا يتطرق إليه شك أو ضعف.؟؟

إن المطلوب، على الأقل، ألا نلعب دور المغفلين لسنوات قادمة أخرى قد تطول، فنخوض مفاوضات " عنترية" نتيجتها معروفة مسبقاً، وأن ندرك أن المجرَّب لا يجرَّب بعد أن لُدغنا من الجحر ذاته ألف مرة ومرة.. فقد جربنا المفاوضات مع الكيان الصهيوني سنين طويلة، كانت خلالها الأرض تقضم والقدس تهود، والشعب الفلسطيني يذبح ويحاصر ويشتت ويفتت، وجربنا التدخل الأميركي وتسليم مفاتيح الأمر له، وعرفنا أن ذلك أسفر في النتيجة عن تسليم القوة "العسكرية" للسلطة فلسطينية إل الجنرال "دايتون، غلوب باشا فلسطين" فغير عقيدتها القتالية، ووضعها في خدمة الاحتلال الإسرائيلي من خلال ما يسمى التنسيق الأمني المستمر، ووضع أنفاس السلطة ذاتها تحت الاختبار.. وجربنا .. وجربنا .. وجربنا.. ولم نتعظ منذ تجربة الشريف حسين مع بريطانيا، إلى تجربتنا اليوم مع الولايات المتحدة الأميركية.!؟ إن الغرب ينظر إلينا من منظار مختلف عما يقدمه لنا وفق استراتيجيته ومصالحه.. فلنستيقظ. 

إن إسرائيل كيان عنصري لا يؤمن بالسلام، ويعمل على مشروع استيطاني استعماري يتوسع بمقدار ضعفنا واستعدادنا للقبول بما يُفرَض علينا.. إنه كيان إرهابي بامتياز، يقتل الأطفال، ويهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، ولا يقيم وزناً لحياة البشر، ويتلذذ بالتعذيب.. وقادته مجرمون متعجرفون غير أخلاقيين، يؤمنون بعقيدة أكل عليها الدهر وشرب، ولا تمت إلى العصر والعلم والمنطق بصلة، ولكنها يملكون القوة ويستخدمونها من دون أي رادع.. وسائلهم إلى بلوغ أهدافهم قذرة، ويستبيحون كل ما للآخرين من حقوق وأملاك وكرامة.. ويسبقون كل سابق في العالم بالكذب والتزوير والتشويه والافتراء على الله والناس.. ولا يمكن التعايش معهم بأي معيار أو مقياس أو ظرف، ولا يمكن أن يكون فيهم خير للمنطقة.. إنهم داؤها المقيم، وأداء من فيها إلى الأبد.

فما الذي ننتظره منهم، وما الذي يجدينا نفعاً في مواجهتهم غير الثبات على الحق والمبدأ، واستخدام قوتنا في الدفاع ن أنفسنا، وحماية مقدساتنا، وتحرير أرضنا، واستعادة حقوقنا، ومنها فلسطين من النهر إلى البحر.. ومن رأس الناقورة إلى رفح.. والسبيل إلى ذلك بالمقاومة لتي تصبح خياراً شعبياً عربياً يفرض نفسه على الرسميين وفي الساحة الدولية.. ولا شيء ير القوة يستعيد ما أخذت بالقوة.؟!.

دمشق في 12/3/2010

                                                                      

 

انشر عبر