شريط الأخبار

الأخرق والصديق .. هآرتس

03:46 - 12 تموز / مارس 2010

بقلم: ألوف بن

كان يفترض بهذا أن يكون الاسبوع الاكثر نجاحا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. اسبوع انتصاره، والذي يثبت فيه لمنتقديه والهازئين به بانهم اخطأوا وانه كان محقا: يمكن الجلوس في ائتلاف مع اليمين المتطرف وفي نفس الوقت التمتع بعلاقات رائعة مع الولايات المتحدة. ولكن نتنياهو، مثلما هو الحال دوما، كبى ما أن وصل الى القمة.

الاهانة التي اجتازها نائب الرئيس جو بايدن هذا الاسبوع في القدس كانت أليمة اكثر بكثير من الحبكة التي عقدها نائب وزير الخارجية داني ايلون للسفير التركي. وحتى لو لم يقصد فقد اثار نتنياهو أزمة جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة وبرر ادعاءات خصومه في أنه يذر الرماد في العيون على نحو منتظم وانه يمرر الزمن في الحكم "كي يحافظ على بلاد اسرائيل". وبدلا من الخروج منتصرا، فقد نتنياهو السيطرة على جدول الاعمال وعاد الى نمط الاخرق، ذات النمط الذي ميز "بيبي القديم" في الولاية السابقة.

البداية بدت واعدة. استطلاع "غالوب" الذي نشر قبل نحو اسبوعين اظهر أن اسرائيل تهزم الفلسطينيين بنسبة التأييد في الرأي العام الامريكي 15:63. في مكتب نتنياهو تمازحوا: كله بفضل بيبي ومعرفته ذات العقود الثلاثة لامريكا، كما تباهوا هناك. ويجدر بالفلسطينيين أن يأتوا سريعا الى المحادثات، كما قالت "محافل في المكتب"، والا "يضيعوا الوقت في انتظار عابث لعزلة سياسية لاسرائيل في الولايات المتحدة".

للحظة بدت الرسالة قد استوعبت. وان نتنياهو لعبها. رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، تراجع ووافق على استئناف المحادثات غير المباشرة بوساطة امريكية بعد أن طلب وتلقى اسنادا من الجامعة العربية. في الجبهة الايرانية ايضا، اتخذ نتنياهو صورة الدبلوماسي الذكي الذي دفعت تصريحاته عن ان كل الخيارات مفتوحة بالادارة الامريكية لتقف الى جانبه. في الاسابيع زار اسرائيل قادة اجهزة الاستخبارات والامن الامريكية، ومسؤولون كبار من البيت الابيض ووزارة الخارجية؛ وزير الدفاع ايهود باراك ورئيس الاركان غابي اشكنازي زارا واشنطن. وروي لوسائل الاعلام بان هذه اللقاءات كانت ترمي للضغط على اسرائيل لعدم مهاجمة المنشآت النووية في ايران وتحذيرات اسرائيلية من تصعيد في الشمال.

فضلا عن التحذيرات تجسد تعاون امني واسع بين اسرائيل والولايات المتحدة . فلا حاجة بهذا القدر الكثير من المبعوثين واللقاءات فقط من أجل القول "لا تهاجموا ايران" – ناهيك عن أن اشكنازي، كما نشر، يتماثل مع النهج الامريكي. يبدو أن الادارة قررت ان تملأ بالمضمون تصريحاتها المتكررة عن التزامها بأمن اسرائيل، وتهدئة العصبية الاسرائيلية حيال اعلانات رئيس ايران، محمود احمدي نجاد، حول التصفية القريبة لـ "الكيان الصهيوني"، ولاقت اسنادا في "قمة المطبوخة" في دمشق.

وعندها، في السادسة مساء

درة التاج في حملة نتنياهو كان يفترض أن تكون زيارة بايدن، الوحيد من بين كبار رجالات الادارة الذي استطاب رئيس الوزراء ورأى فيه صديقا شخصيا. الرئيس براك اوباما لا يطيق نتنياهو، رئيس قيادة البيت الابيض رام عمانويل حساس منه، ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تسحب وراءها رواسب ضده من الولاية السابقة، وتأثيرها على أي حال موضع شك. بايدن كان الصديق الهاتفي لنتنياهو في واشنطن.

من ناحية الادارة، الزيارة التي اعدت في توقيت استئناف المحادثات كانت ترمي الى قلب صفحة في العلاقات، انهاء فترة الابتعاد والاغتراب، وعرض مواقف اوباما على الرأي العام الاسرائيلي لاول مرة، في مقابلة صحفية، في لقاءات مع ممثلي "المجتمع المدني"، وفي الخطاب الذي القاه بايدن امس في جامعة تل أبيب. بالطبع فهموا في الطرفين السياسة التي في الخلفية: اوباما لم يعد قويا مثلما كان في بداية الولاية، حين سمح لنفسه بان يدوس على نتنياهو، وان يظهر ضغينة تجاه اسرائيل ويهدد بتحطيم "اللوبي اليهودي".

انهيار اوباما في الاستطلاعات والهزيمة في الانتخابات لمجلس الشيوخ في مساشوستس، تعزز الجمهوريين مؤيدي نتنياهو، والانتخابات التي تهدد الكونغرس في تشرين الثاني، ايقظت الادارة للقيام بحملة مغازلة لاسرائيل واصدقائها. نتنياهو، الذي يفهم السياسة الامريكية، اراد أن يجتاز بنجاح اللقاء مع نائب الرئيس، وان يخرج كمنتصر الى مؤتمر اللوبي المؤيد لاسرائيل "ايباك" في واشنطن، بعد تسعة ايام.

بايدن هبط في مطار بن غوريون يوم الاثنين بعد الظهر، واليوم الاول لزيارته قضاه حسب السيناريو. اقواله في ختام لقاء نتنياهو يوم الثلاثاء ظهرا كانت مفعمة بالثناء. ووعد بايدن بمنع السلاح النووي عن ايران، امتنع عن أي انتقاد لاسرائيل واثنى على رئيس الوزراء لما اتخذه من "خطوات ذات مغزى" وعلى رأسها "التجميد الذي قيد البناء الجديد في المستوطنات".

وعندها، في السادسة مساء – بوم تراخ. اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء في القدس أعلنت عن خطة بناء 1.600 شقة جديدة في رمات شلومو خلف الخط الاخضر. في شرقي القدس، حسب التعريف السياسي. في قلب الخلاف مع الفلسطينيين. وعرض بايدن كغبي، كخرقة حين تزلف لنتنياهو وتلقى بالمقابل بصقة في وجهه. من المثير للفضول ان نعرف كيف عقب: فهل افلت شتيمة لذيذة؟ هل هاتف اوباما وقال له: سيدي الرئيس، كنت محقا بالنسبة لبيبي؟

بايدن الغاضب نشر بيان "تنديد" للقرار الاسرائيلي بالبناء الجديد في شرقي القدس – الامر غير المسبوق في اثناء زيارة لشخصية امريكية رفيعة المستوى – وتأخر على نحو تظاهري مع زوجته – غيل – عن وليمة العشاء لدى بنيامين وسارة نتنياهو. وفي الغداة كرر الانتقاد الشديد في رام الله وعباس الى جانبه. وذكر هذا الزعماء الاوروبيين الذين درجوا على المجيء واحراج نتنياهو في الولاية السابقة والقيام باستفزازات له في شرقي القدس.

كيف حصل هذا؟ معاذير نتنياهو ووزير الداخلية، ايلي يشاي، وكأن موظفين صغار افشلوهما بدت بائسة وسخيفة، قبلت الادارة اعتذار نتنياهو وصدقت أنه لم يتآمر على احراج ضيفة بل تورط في كبوة.

ولكن في امريكا يجدون صعوبة في أن يفهموا ويرفضون قبول الفوضى الاسرائيلية في موضوع حساس كهذا. فلا يمكن تخيل وضع معاكس: ايران تطلق صواريخ على تل أبيب، ورادار الانذار الامريكي في النقب – الذي يستند اليه الدفاع عن الجبهة الداخلية الاسرائيلية – مطفأ. الطاقم لا يريد على جهاز الاتصال وفي واشنطن يشرحون: لم نعرف، مشغلو الرادار ذهبوا للنوم، او خرجوا للافطار في بئر السبع. فهل سيصدق احد في اسرائيل ذلك؟

قبيل الصدام

في حالة نتنياهو، الادلة الظرفية تعمل ضده. منذ أن تسلم مهام منصبه، تورط المرة تلو الاخرى في شقاق مع ادارة اوباما على توسيع السيطرة اليهودية في شرقي القدس. عندما زارت كلينتون هنا في اذار الماضي، استقبلتها تقارير عن مخططات لهدم منازل فلسطينية. في تموز اثار نتنياهو عن قصد ازمة مع الادارة حول اصراره على اسكان يهود في فندق شبرد في الشيخ جراح.  في تشرين الثاني فوجيء نتنياهو، زعما، بخطة يشاي لبناء 900 شقة في حي جيلو، المشروع الذي كان يوشك على طرحه في اللجنة اللوائية. في مكتبه شرحوا في حينه بان "في قلبه حقا حقا لم يرد ذلك"، ولكن كيف يمكنه أن يعارض البناء في القدس. بالضبط مثل هذا الاسبوع، حين وصف في جلسة المجلس الوزاري قضية رمات شلومو بانها "خلل" – وعلى الفور تعهد بان يتواصل البناء في القدس.

الامريكيون غضوا النظر عن الاقرار الذي صدر الاسبوع الماضي لبناء 112 شقة في بيتار عيليت، رغم التجميد. ولكن الخطة لمضاعفة، تقريبا، رمات شلومو، تجاوزت كل ما فعلته حكومة نتنياهو حتى اليوم خلف الخط الاخضر. نشرها في اثناء زيارة بايدن، تجعل اضحوكة من نية اوباما كبح جماح المستوطنات وتعرض الادارة كعميلة لليمين الاسرائيلي.

الان نتنياهو عاد الى نقطة الصفر التي بدأ منها علاقاته المتعكرة مع ادارة اوباما. مرة اخرى يتخذ في العالم صورة المخرب للمسيرة السلمية، والفلسطينيون يبدون كضحايا سياسة الالحاق والاستيطان الاسرائيلية. الادارة الامريكية لن تكف عن التعاون مع اسرائيل حيال ايران خشية أن تدفع حدة العزلة بنتنياهو لقصف مشروع تخصيب اليورانيوم في نتناز. كما أن المساعي لفرض عقوبات وتهديد الايرانيين ستستمر.

ولكن نتنياهو يندفع مسرعا نحو الاختبار الاشد له في علاقاته مع الولايات المتحدة: انهاء التجميد للاستيطان في ايلول. نتنياهو وعد باستئناف البناء عندها بكامل النشاط. في نفس الوقت ستكون حملة الانتخابات للكونغرس في ذروتها واوباما في اعماق ضعفه سيجدل صعوبة في الضغط على اسرائيل. نتنياهو سعى الى هذا التوقيت المتزامن. ولكن بعد الخازوق الذي اعد لبايدن في القدس لا يمكن للادارة ان تستسلم مرة اخرى لنتنياهو -  وستطالبه بمواصلة التجميد حتى بعد ايلول. ليس للمستوطنات الكثير من المؤيدين في الكونغرس، والرئيس سيقف ضدها بكل قوته. وعندها سيتعين على نتنياهو ان يختار من يحتاج أكثر، امريكا أم شركائه السياسيين من اليمين.  

انشر عبر