شريط الأخبار

المباشر وغير المباشر ..د. أحمد محمد المزعنن

10:41 - 11 تشرين أول / مارس 2010

المباشر وغير المباشر ..د. أحمد محمد المزعنن

 

لكل عملية تفاوض خصائص تفرزها حالات وظروف المرحلة التي يمر بها الأطراف المتفاوضون،وتلتصق بكل مرحلة مصطلحات وعناوين وأسماء وألقاب تنبثق تلقائيًا من خلال جهود القوى المتحكمة في الفعل التفاوضي،ولا جدال في أن بصمات هذا الدبلوماسي الأمريكي المخضرم جورج ميتشيل ستظل علامة فارقة على المرحلة الراهنة،وما يتلوها من المراحل في هذا الصراع الشائك،لقد بدا جورج ميتشيل مملوءًا حبورًا وهو يرى السلطة الفلسطينية في زاوية من الضعف تصوب إليها السهام ممن يفترض أنهم من ضمن شعبها ولو بالاسم،أو من المعارضين الفلسطينيين وغيرهم ممن وجدها فرصة للتنفيس عن هدفه الشخصي أو العقدي أو القطري وأحيانًا القومي أو الديني؛وهكذا فقد اقتنص من مفاوضي أوسلو حال الضعف هذه وربما سيقتنص قرارات لن يطول الوقت حتى ينطقون بها علانية وبلا أي مواربة.

 

الصيغة الجديدة لهذه المرحلة هي بدعة(المباشر وغير المباشر) التي جلب فيها ـ بتوقيت يستحيل أن يكون من قبيل الصدف ـ  نائب الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن الملتزم بالأمن اليهودي أكثر من الغالبية العظمى من اليهود أنفسهم،وسمح لنتن ياهو أن يتمادى في الاستيطان واحتلال الأرض وهدم المنازل وتوسيع المستوطنات ويتمادي في خرافة يهودية الدولة والتراث اليهودي ليأتي بايدن في موقف مسرحي(مباشر)أمام محمود عباس في رام الله ليدين( I condemn )،وبالطبع فإن هذا حقنة منشطة أمريكية لممثلي السلطة لكي لا تنهار بهم أقدامهم في مواجهة هذه الصعقة المفاجئة التي استغاث فيها محمود عباس بالمستوصف العربي الرسمي ليمده بالمزيد من التفويض والدعم(المباشر وغير المباشر) وكان الغطاء العربي(المباشر)الذي وفرته لجنة المتابعة العربية لعباس الذي تخالفه وتعارضه نسبة كبيرة من أهل الرأي والخبرة والنخب والقيادات الحقيقية الفاعلة من الشعب الذي يفترض جدلاً أنه ينتمي إليه،إن لم يكن في مجمل مشروع أوسلو(التي عقدت بطريقة غيرمباشرة)،ففي مهزلة المفاوضات العبثية التي شكلت غطاءً واقعيًا للمحتلين الإجراميين اليهود للتوسع،وفرض أشكال من الأمر الواقع التي سيكون من الصعب على أي قوة إعادة عقارب الساعة فيها إلى الوراء،وستظل جزءًا من الحلول التي ستجري لها مفاوضات (غير مباشرة).

 

كان هذا الغطاء العربي في حد ذاته عملاً لاشرعيًا(مباشرًا)بكل أبعاده ومبرراته وأسبابه؛لأنه يأتي من منطلق التخاذل والتهرب من استحقاقات وطنية وقومية ودينية(مباشرة) بل وحتى شخصية،عندما يقاس الأمر قياسًا صحيًا بما توجبه عاطفة اعتبار الذات،واحترام الإنسان لنفسه في مثل هذه الدرجة من التمثيل الدبلوماسي،وبما تفرضه اعتبارات المكانة الوظيفية،ومتطلبات الدور الذي يحتله كل من اشترك في تمثيل وإخراج تلك المسرحية على مسرح الجامعة العربية،وهي مسرحية تتصادم مع المصالح الحقيقية للوطن العربي شعوبًا وأنظمة،على المدى القريب والبعيد،ولا يعدو الأمر أكثر من كونه تسلية أو تسرية أو تلهية أو استهتارًا شجع تلك اللجنة عليه تهافت جماعة أوسلو على المضي في مهزلة الجلوس في واجهة شعب مزقته أفعالهم التي دمروا بها وحدته بطريقة (مباشرة وغير مباشرة Direct and Indirect )،وشوهوا منطلقاته،وسودوا صفحة نضاله الناصعة البياض.

 

ويبدو أن لجنة المتابعة العربية التي وفرت لمحمود عباس تلك الشرعية(اللاشرعية) للدخول في مباحثات أو مفاوضات(لاشرعية غير مباشرة) قد استهواها الدور العبثي الجديد الذي تقوم بتمثيله على مساحة القضية الفلسطينية،وتريدنا أن نكون من السذاجة بحيث نصدق أن هذا الأسلوب الاحتيالي بهذا المسمى سيأتي في النهاية بنوع من الحلول القريبة من الحل الذي توصلت إليه مصر مع العدو اليهودي المحتل،أو أنه يشعر بنوع من التناغم المريح مع ما يجري عبر القناة التركية من المفاوضات غير المباشرة بين هؤلاء المحتلين وبين سوريا،ويشعر بألفة غامرة عندما يرفده الأمريكان في إطار خطة ميتشيل بتيار جديد من الاحتضان والعواطف والانفعالات الكاذبة،ويرتفع صوته بعد طول انكسار مرددًا ما توقف عن ترديده من ضرورة وقف الاستيطان،(فيلطشه نتن ياهو لطشة غير مباشرة) وفي حضور نائب الرئيس الأمريكي وجورج ميتشيل في غمرة الإعداد للمفاوضات (غير المباشرة) ـ بألف وستمائة وحدة سكنية جديدة أنسته تذكر ستمائة وحدة أعلنت عنها قبل يومين،وطوت وربما إلى الأبدالمنظور كل مشاريع التمدد الاستيطاني والعزل العنصري،والتدميراليومي لكافة مقدرات الشعب،وتدمير حصار غزة،ونشر اليأس في الداخل والخارج.

 

وإن المرء ليرثي لبعض رموز المفاوضات (الحميمة المباشرة)السابقة الذين كانت الابتسامات الدبلوماسية تعمر وتضىء وجوههم من (الأذن إلى الأذن) لحرصهم على إشاعة جو التفاؤل بالتوصل إلى الاتفاقيات مع العدو اليهودي المحتل،ولإثبات صحة منهجهم المتهافت المضيع لكل ما حققته تضحيات الشعب على مدى قرن كامل،وكانت صورهم وهم يعانقون اليهود القتلة المحتلين،أو وهم يؤاكلونهم ويشاربونهم ويجالسونهم بالملابس الرياضية كما حدث في محادثات طابا وفي أماكن اللقاءات السرية والعلنية تجعل أقسى الرؤوس تميل طربًا ونشوة بقرب انفراج،ولكن ما أن ينقشع الغبار حتى يعودوا بخفي حنين وقد انتقل بهم اليهود من لعبة إلى لعبة يسجلون عليهم النقاط ويتركونهم بلا غطاء،فيقفون (مباشرة وغير مباشرة )أمام الحقائق المرة التي تضيع اللب،وتحير الحليم الأريب.

 

وربما كان أكثر من سيتأثر ويحزن من هذا الأسلوب في المفاوضات(غير المباشرة)هم مغتصبو منظمة التحرير،ومجموعة المستشارين عشاق المظهرية،وأصحاب الأشداق الكبيرة التي كانوا يتقعرون في الكلام،ويغوصون في بحور المعاني ليثبتوا جدارتهم في مقارعة حجج المعارضين،وتسفيه نهج المقاومين،أو يتعمدون استخدام اللغة الإنجليزية إمعانًا في الإيحاء بالكفاءة والمقدرة على مخاطبة الآخر،فيكون جورج ميتشيل بهذا الأسلوب التفاوضي الجديد قد وجه صفعة مؤلمة (بضربة حرة مباشرة)إلى هؤلاء الناطقين المخضرمين،والمستشارين عشاق الوجاهات الإعلامية والمظهرية المناقبية المناصبية الرواتبية.

 

وأغلب الظن أن مرحلة (المباشر وغير المباشر)لن تصل إلى نتيجة تذكر،وسوف تبقى السلطة وما تبقى من القضية رهينة موقف رد الفعل انتظارًا لتتفتق عبقرية هذا الدبلوماسي ذي الأصول الإيرلندية والعربية عن مسمًى جديدٍ لمرحلة قادمة،وعندها تكون الكثير من المياه سارت تحت الجسور،ولا يستطيع أحد أن يتكهن بما تؤول إليه الأمور في أوساط الشعب الفلسطيني الذي يزداد ممانعة كلما أمعن أعداؤه في الكيد له،وفي ابتكار المباشر وغير المباشر من خطط التصفية،وإذا ذهب محمود عباس فسوف يقدم درسًا قاسيًا يجعل الكثير ممن اندفعوا في تجربة أوسلو يفكرون طويلاً قبل المغامرة بمواصلة تلك التجربة الفاشلة المليئة بالبؤس الملونة بالسواد.

 

انشر عبر