شريط الأخبار

قرار الجامعة العربية بالعودة إلى المفاوضات ..منير شفيق

07:08 - 10 آب / مارس 2010

  

 

قرار الجامعة العربية بالعودة إلى المفاوضات ..منير شفيق

 

 

 

حكومة نتنياهو أخذت قراراً باعتبار مسجد الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال بن رباح الذي يضم قبر راحيل في بيت لحم، من "التراث الإسرائيلي"، بما يعني الاعتداء الصارخ على مسجدين إسلاميين وسلبهما من التراث الفلسطيني – العربي - الإسلامي.

 

وعندما لم يأت ردّ الفعل من جانب السلطة في رام الله (سلطة فياض - عباس)، ومن جانب حكومة مصر على الخصوص، ومن جهة الموقف العربي - الإسلامي على العموم، في مستوى لا يتعدّى الشجب اللفظي الذي لا يتبعه فعل ملموس، انتقلت حكومة نتنياهو إلى خطوة أعلى في الاعتداء على المسجد الأقصى وإحكام قبضتها العسكرية على مداخله وباحته وأبوابه، الأمر الذي يؤكد اقتراب لحظة الإعلان عن اقتسامه ووضع اليد عليه.

 

على المستوى الشعبي الفلسطيني داخل الضفة الغربية انطلق شباب وشابات للدفاع بأجسادهم وبالحجارة ضد قوات الاحتلال الصهيوني في الخليل وعلى التحديد في المنطقة (ب) من المدينة، أي الواقعة تحت سيطرة الاحتلال مباشرة، وكذلك في القدس القديمة التي أعلن ضمّها للكيان الصهيوني وقد سقط العشرات من الجرحى فضلاً عن اعتقال العشرات كذلك.

 

أما المناطق الخاضعة لأجهزة حكومة فياض، والتي يشرف عليها الجنرال دايتون، فقد أُحكِمت القبضة عليها، ومُنعت بالقوة من الانتفاض نصرة للمنتفضين في القدس والخليل حيث الاحتلال المباشر. والأنكى أن بعض الذين يفترض بهم أن يُحرّكوا الشارع في الضفة الغربية بانتفاضة شاملة وحازمة ضد قوات الاحتلال ذهبوا إلى منطقة (ب) في الخليل ليتضامنوا إلى جانب تحرّكات قام بها سلام فياض، رئيس الحكومة غير الشرعية، أيضاً في الخليل كما يفعل في نعلين وبعلين بتقصّد الاستعراض الثقافي، بدلاً من أن يوقِف ما يوفرّه هو والرئيس محمود عباس من غطاء لأجهزة أمنية يقودها عملياً الجنرال دايتون. وقد أثبتت حتى الآن قدرتها على تهدئة الضفة الغربية ومنعها من الانتفاض في مناسبتين خطيرتين: حرب العدوان على قطاع غزة أولاً، ومصادرة الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال والاعتداءات المتواصلة على المسجد الأقصى ثانياً.

 

طبعاً المشكلة لا تكمن في القمع والقبضة الحديدية فحسب، وإنما أيضاً في الموقف المتخاذل لعدد من القيادات والكوادر ممن يفترض بهم تحريك الشارع وتحدّي السياسات الفلسطينية القمعية في الضفة الغربية إلى حدّ شلّها عن الانتفاض ضد الاحتلال وما يرتكبه من اعتداءات وجرائم.

 

إن انتفاض جماهير الضفة الغربية يشكل الشرط لتحريك الجماهير العربية والإسلامية والرأي العام العالمي. ولكن هذا لا يُعفي هنا من المسؤولية في عدم التحرك رغم الشلل في الضفة الغربية.

 

في ظل هذه المعادلة: مصادرة مسجد الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح وتهويدهما وفي ظل إحكام القبضة العسكرية على المسجد الأقصى تمهيداً لتقسيمه ومصادرته ثم بناء الهيكل المزعوم مكانه، وفي ظل انتفاض أهل الخليل والقدس انعقد مجلس وزراء خارجية الدول العربية في القاهرة، وأمامه جدول أعمال أعدّه الأمين العام عمرو موسى بالتعاون، بالطبع، مع أحمد أبوالغيط وزير خارجية مصر.

 

كان البدهي أن يركز جدول الأعمال على اتخاذ خطوات عملية ملموسة في مواجهة السياسات الإسرائيلية (المغطاة أميركياً) والتي بلغ سيلها الزبى في الاعتداء على المقدّسات والأرض والحقوق والتراث، كما بلغ سيلها الزبى في الاستهتار بالحكومات العربية، وعلى التحديد تلك التي تتصدّى لقيادة عملية التسوية والرهان على السياسات الأميركية.

 

بدلاً من هذا البدهي ركز جدول الأعمال على اتخاذ خطوة عملية في الموافقة على الطلب الأميركي بتغطية الرئيس محمود عباس للدخول في مفاوضات غير مباشرة للتوصّل إلى حل نهائي أو في الأقل لتحقيق "إنجاز" ما على هذا الطريق إنقاذاً وإحياء لعملية التسوية التصفوية، بامتياز، كما يشرف عليها جورج ميتشل. ولكن للإنصاف حدّد قرار مجلس الوزراء، وقد اعترض عليه وليد المعلم وزير الخارجية السوري وحده، مدّة أربعة أشهر، فرصة أخيرة لتحقيق إنجاز ما، وإلاّ سينعقد المجلس غاضباً لتجديد المهلة وإعطاء فرصة أخرى –أخيرة- أو إعادة القضية إلى مجلس الأمن أي للمندوب الأميركي فيه بدلاً من جورج ميتشل.

 

أمام هذا الواقع كيف يقوّم وضع الجامعة العربية ومن خلاله وضع الحكومات العربية، لاسيَّما التي تتحكم في تأمين أغلبية قرارات مجلس وزراء الخارجية وفي تحديد جدول أعماله؟

 

الجواب ليس سهلاً. وذلك على الضدّ من السرعة التي يمكن أن يجيب بها أي إنسان عربي مار في شارع من شوارع العواصم العربية كافة. لأن الصعوبة هنا لا تأتي من إيجاد وصف مثل وصف الإنسان العربي له: وضع مخزٍ، أو معيب، أو ما شابه أو أكثر، وإنما لأن الوضع العربي لم يشهد مثل هذا في تاريخه الحديث حتى في مرحلة تحكّم الملك فاروق في قرارات الجامعة العربية. فالحالة التي وصلتها الجامعة العربية ما بعد 2001 حتى الآن ليس لها مثيل في تاريخها. وكانت بداية ذلك، زمنياً، مع حصار الرئيس ياسر عرفات، وإدارة الظهر له أو الضغط عليه للتحوّل من قائد إلى رمز شكلي. مما مهّد أو ساعد، ولو بصورة غير مباشرة، على اغتياله. من هنا فإن تفسير هذه الحالة: لماذا وكيف والأسباب؟ هو مصدر الصعوبة.

 

والأنكى، أن هذا القرار الذي اتخذه مجلس وزراء خارجية الحكومات العربية بالأغلبية، وفي ظل الجامعة العربية، وباسمها، جاء في ظرف آخر، غير ظرف الاعتداءات والانتهاكات الفاضحة، هو ما مثلته قمة دمشق ومؤتمر طهران قبله بيومين.

 

ومن هنا بدا القرار كأنه جاء رداً على التحدّي الكبير الذي مثلّه هذان الحدثان المتكاملان في دمشق وطهران في مواجهة التهديدات الإسرائيلية والإملاءات الأميركية وما تتعرض له المقدّسات في الخليل وبيت لحم والقدس من مصادرات.

 

بعبارة أخرى جاء قرار مجلس الجامعة في ظروف حدثت فيها متغيّرات غاية في الأهمية تمثلت في نجاح مفاوضات قطر حول دارفور، وإطفاء الفتنة في اليمن. والأهم ما عكسه خطاب السيد حسن نصر الله من تغيير في ميزان القوى العسكري بين المقاومة والكيان الصهيوني في حالة وقوع حرب، ثم ما جسّدته قمة دمشق الأسد-نجاد وانضمام المقاومتين اللبنانية والفلسطينية إليها ومتابعتها في مؤتمر طهران الذي بحث في "مستقبل فلسطين". ثم خطاب السيد خامنئي الذي أعلن بأن ما يسمّى منطقة الشرق الأوسط "هي منطقة إسلامية".

 

عبّر كل ذلك عن تغيير مهم في ميزان القوى في غير مصلحة أميركا والكيان الصهيوني، كما عبّر عن تصميم على تثبيته وتحويله إلى معادلة جديدة تحكم الصراع.

 

هنا، أيضاً، بدلاً من أن يرتفع قرار مجلس الجامعة العربية إلى هذا المستوى أو دونه، بقليل أو كثير، في مواجهة سياسات حكومة نتنياهو وإدارة أوباما، هبط إلى مستوى بدا كأنه ردّ معاكس من خلال رمي طوق نجاة لمأزق نتنياهو - أوباما. وذلك بإطلاق مفاوضات غير مباشرة؟

 

ماذا يمكن أن يُقال مع هذا التردّي غير: "لا حول ولا قوة إلاّ بالله".

 

صحيفة العرب القطرية

 

انشر عبر