شريط الأخبار

ابي ابن مائة- يديعوت

01:35 - 09 تشرين ثاني / مارس 2010


كم أنا فخور بان اكون ابنك

بقلم: بنيامين نتنياهو

        (المضمون: خطاب القاه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمناسبة عيد مولد ابيه المائة، البروفيسور بنتسيون نتنياهو  - المصدر).

        عندما ولد ابي قبل مائة عام كان القياصرة يسيطرون في روسيا، وكانت بريطانيا امبراطورية تحتل العالم والعثمانيون يحكمون الشرق الاوسط. في اثناء حياته انهارت ثلاثة الامبراطوريات هذه، ونهضت وسقطت قوى عالمية اخرى، والمصير اليهودي تقلب مرتين.

        منذ صباه تميز أبي بقدرة على استشراف المولود على نحو مميز في توقع مثل هذه التطورات. ودفعه هذا الى أن يكتب في مقاله عن هرتسل في 1937: "هرتسل رأى بان الجمر المتلظي لنار الكراهية القديمة لليهود، والتي غطت في الماضي كل بلدان اوروبا، من شأنه ان يشتعل من جديد... كان واضحا له ما يكمن للامة من مصير".

        هذه الامور كتبها ابي حين كان عمره 27 سنة، قبل ثلاث سنوات من الكارثة. استشراف المولود دفعه لان يسافر عشية الحرب العالمية الثانية الى جابوتنسكي، في مكان مقره في لندن كي يقنعه بان ينقل نشاطاته من بريطانيا الى أمريكا. امريكا، قال لجابوتنسكي هي القوة الصاعدة وبريطانيا هي القوة الهابطة، وسيكون ممكنا التأثير على زعماء الولايات المتحدة والرأي العام الامريكي لدعم الدولة اليهودية.

        ذاك الاستشراف للمولود دفع ابي في اثناء الحرب العالمية الثانية ومع نهايتها نحو عشرات السناتوريين واعضاء الكونغرس، بقوله لهم ان الدولة اليهودية لن تستسلم للعرب وستكون السند الوحيد للولايات المتحدة والغرب امام محاولات التوسع السوفييتية التي لا بد ستأتي الى الشرق الاوسط. ذاك الاستشراف للمولود دفع ابي لان يقول قبل عشرات السنين ان التهديد على السلام العالمي سيأتي من تلك الانحاء من العالم الاسلامي والتي ستخلط النفط، الارهاب والنووي. كما أنه هو الذي دفعه لان يقول لي في بداية التسعينيات ان المتطرفين المسلمين سيحاولون تدمير البرجين التوأمين في نيويورك، وهو تنبؤ ذكرته في احد كتبي.

        هذه الصفات لدى أبي ما كان بوسعي ان افهمها حين كنت طفلا صغيرا تربى في القدس الغافية في الخمسينيات. ولكن الامور أخذت في الاتضاح لي ولعيدو في سنوات صبانا ورشدنا، مثلما حصل ايضا ليوني: "كلما زدت حديثا مع ابي"، كتب لي يوني في 1968، "اقدره اكثر كانسان مفكر ومربٍ. حقا، هو انسان عظيم وفيه تكمن قوى هائلة في مجالات عديدة".

        كنت لنا أبا رائعا. رغم أنك كنت مشغولا، فانك كنت دوما منصتا لازماتنا ونبضات قلوبنا. كم فخورا كنت بنا، على تعليمنا، على الطريق الذي شقيناه في الحياة، على خدمتنا العسكرية. عندما تحدث يوني معك عن خططه للمواصلة في الجيش في هذه الاثناء قلت: "قرر ما تشاء، ولكن في كل الاحوال جد لك وقتا للتعلم". هذه كانت دوما نصيحتك لنا: تعلموا، افهموا، اكسبوا العقل. وهكذا فعلنا، عيدو في جامعة كورنيل، انا في بوسطن، حيث انضم يوني في اجازة قصيرة من الجيش في صيف 1973 قبل حرب يوم الغفران، لدورة صيفية اخذناها معا. وعندها حصل شيء غير الى الابد مسار حياتنا: حياتك، مثل حياتنا، انقسمت الى قسمين: قبل وبعد ذاك اليوم الفظيع الذي سقط فيه يوني.

        عندما هاتفني عيدو، كنت أعرف حتى قبل أن ارفع السماعة بان يوني لم يعد معنا. فكرت بانه يجب الذهاب اليك والى امي، في مكان وجودكما في حينه في جامعة كورنيل، قبل أن يصل اليكما النبأ الشؤم. بعد سبع ساعات سفر في الجحيم، وصلت الى درب يؤدي الى بيت سكناكما. رأيتك خلف النافذة الزجاجية الكبيرة، تسير وتفكر على عادتك، طاويا ذراعيك خلف ظهرك. وفجأة التفت نحوي. "يا بيبي، ماذا تفعل هنا؟" قلت، ونبرتك تبدلت برمشة عين بالفهم الرهيب.

        كان هذا قبل 34 سنة، أربع سنوات اكثر من احصاء السنين التي عاشها يوني. في هذه الاثناء توفيت امي. وكتب على شاهد قبرها: "بعبقرية وبهاء حملت كربها، بسقوط ابنها يونتان، من نبلاء ابطال دولة اسرائيل في كل حروبها". وبالفعل، حملتما انتما كلاكما كربكما ببهاء. فمن اين وجدتما القوى لتعيشا معه وتواصلا الابداع؟

        في هذه السنوات انهيت ابداعك العظيم عن مصادر محاكم التفتيش. في نهاية الكتاب، في الصفحة 1350، شكرت امي على مساهمتها وتفانيها، مما سمح لك بالقيام بمشروع حياتك. كتابك عن الاباء الخمسة للصهيونية كرسته لـ "ذكرى ابني الحبيب يونتان، الذي ضحت بحياته في سبيل الدفاع عن شعبه". وكتابك عن محاكم التفتيش اهديته ايضا الى يوني: "بكرب لا يذوي".

        كتبك تظهر بوضوح بانك تميزت ليس فقط بقدرة على توقع المستقبل، بل وايضا على حل لغز اسرار الماضي. إذ توجد صلة بين الامرين. مرات عديدة قلت لي: "من لا يمكنه ان يفهم الماضي لا يمكنه أن يفهم الحاضر، ومن لا يفهم الحاضر، فكيف يمكنه ان يحل الالغاز الكامنة للمستقبل".

        في هذا اليوم، مع تمام مائة عام لك، بودي أن اقول لك بالضبط ذات الكلمات التي كتبها لك يوني قبل 44 سنة، مع صدور كتابك عن المغتصبين: "لم اقل لك ابدا كم أنا فخور بكونك الرجل الذي أنت، عن كوني ابنك".

انشر عبر