شريط الأخبار

فلسطينيو الداخل يقودون الانتفاضة الفلسطينية الثالثة! ..محمد جمال عرفة

10:21 - 01 حزيران / مارس 2010

فلسطينيو الداخل يقودون الانتفاضة الفلسطينية الثالثة! ..محمد جمال عرفة

في عام 1987 اندلعت أول انتفاضة فلسطينية مخططة شاركت فيها كل فصائل الكفاح الوطني الفلسطيني خصوصا فتح وحماس، وهي "انتفاضة الحجارة" التي قتل فيها 1300 فلسطيني و160 إسرائيلي، بفعل جمود الموقف في فلسطين واستمرار ممارسات الاحتلال العدوانية. وكان مخططا لهذه الانتفاضة أن تحرك الملف الفلسطيني بقوة وتهز المجتمع الصهيوني بعنف وتمهد لحل للقضية الفلسطينية، وقد نجحت في وضع القضية على أول سلم التفاوض الحقيقي باتفاقات أسلو 1993.

 

وفي عام 2000 اندلعت ثاني انتفاضة فلسطينية "انتفاضة الأقصى" في أعقاب تدنيس شارون وأعوانه المسجد الأقصى، وشهدت تلاحما بين "السلطة" -الرئيس الراحل عرفات– والمقاومة الإسلامية – حماس والجهاد- والجبهة الشعبية وغيرها من الفصائل، وهي الانتفاضة التي بدأت عفوياً لحماية المقدسات الإسلامية من التهويد، لكن أسبابها كانت كامنة وتنتظر فقط الشرارة.

 

وقد راح ضحية الانتفاضة الثانية قرابة 4500 شهيدا فلسطينيا (بخلاف ضحايا عدواني غزة 2008 و2010)، واستمرت تقريبا حتى تولي الرئيس الحالي محمود عباس السلطة وتعظيم تعاونه الأمني مع إسرائيل وأمريكا بعد التنسيق المشترك مع الجنرال الأمريكي كيث دايتون.

 

الآن وفي عام 2010 تتجمع في الأفق كافة عناصر اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة ليس فقط لأن محفزات اندلاع الانتفاضتين الأولى والثانية لا تزال على حالها، وإنما لأن الخطط الصهيونية لتهويد المقدسات الإسلامية خصوصا الأقصى تجري على قدم وساق، كما أن معالم خطة تل أبيب في التسويف لحين فرض أمر واقع بالاستيطان وضم أجزاء من الضفة باتت واضحة ومعلنة بدون مواربة.

 

الفارق بين الأولى والثانية.. والثالثة!

 

ما يميز بين الانتفاضات الثلاث أن (الأولى) كانت في ظل الاحتلال الكامل للضفة وغزة وكانت بفعل تحرك مدروس ومخطط من قيادة المقاومة الفلسطينية أبو جهاد (فتح)، وحماس (الشيخ ياسين)، واقتصرت على سلاح الحجارة وأتت أكلها عندما بدأت أول عملية تفاوض سياسي حقيقية انتهت لأتفاقات أسلو والحكم الذاتي.

 

أما (الثانية) فجرت في ظل الحكم الذاتي الفلسطيني وبإيعاز من السلطة الفلسطينية هذه المرة بعدما تبين للرئيس الراحل عرفات أن الاحتلال مستمر في مخططاته للاستيلاء على الأراضي وتهويد القدس، وأنه يتخذ من اتفاقات أسلو وسيلة "تنويم" للموقف الفلسطيني و"مطية" تطبيع مع العالم العربي والإسلامي.

 

وكان سلاح الانتفاضة هذه المرة هو الذخيرة الحية ووصل الأمر لاشتباكات بين قوات الاحتلال والسلطة الفلسطينية تبعه اجتياحات إسرائيلية منها عملية السور الواقي وأمطار الصيف، وانتهت باحتلال المقاطعة (مقر عرفات) والضفة الغربية مرة أخرى حتى الآن.

 

أما (الثالثة) التي نحن بصدد الحديث عنها، فتتوافر لها كل مقومات الانفجار وتجمع ما بين عناصر التفجير للانتفاضة الأولى: (احتلال الضفة والاجتياحات والاعتقالات والاغتيالات والعدوان مرتين على غزة)، والانتفاضة الثانية: (تدنيس الأقصى).

 

ويضاف لهذا الفتيل المشتعل أمران:

 

1 ـ التخطيط الممنهج لاقتحام الأقصى من قبل الاحتلال لفرض الصلاة اليهودية فيه وتقسيمه بين المسلمين واليهود، وبدء خطة صهيونية لضم 138 أثرا غالبيتها إسلامية وتضم مساجد الإبراهيمي وبلال، وخطط لهدم الأقصى وبناء الهيكل في 15 و16 مارس المقبل وفق ما هو معلن من جداول حقيقية تنفذها الأحزاب الصهيونية المشاركة في الحكومة ولكن تحت غطاء أنصارها من المستوطنين المتطرفين الذين توفر الحماية لهم!.

 

2 ـ حالة التراجع في الموقف الأمريكي وانخفاض سقف التوقعات بعد جولة المبعوث الأمريكي (ميتشيل) الأخيرة واستمرار الرفض الفلسطيني للدخول في عملية تفاوض لتضييع الوقت بدون وقف الاستيطان أو الاعتداء على المقدسات، حتى إن صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) نقلت ما قالت إنه "تحذير" من الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز لنظيره الفلسطيني محمود عباس من أن الاستمرار في تعليق محادثات السلام ورفضه قبول التفاوض "سيسهم في اندلاع انتفاضة ثالثة".

 

وربما لهذا تشهد عواصم أوروبية منذ فترة حالة من الحفاوة بالرئيس عباس – بخلاف الضغوط الأمريكية – لإجباره على الدخول في "أي مفاوضات" لتبريد هذه الانتفاضة القادمة، ومنها فكرة المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بوساطة أمريكية.

 

وخلال زيارة عباس الأخيرة لفرنسا لوحظ حالة من الاستقبال غير العادية بالرئيس عباس وبشره الرئيس ساركوزي بـ "مبادرات جديدة لتحريك المفاوضات المجمدة"، وأنه سينقل "أفكاراً جديدة" إلى نظيره باراك أوباما أواخر مارس، وتصاعدت لهجة التهديد والضغط الغربية عموما –بطلب إسرائيلي– لتفادي اندلاع هذه الانتفاضة التي قد تعرقل الخطط الصهيونية لتهويد مقدسات القدس وسرقة الهوية التاريخية والدينية لآثار المسلمين ونسبها للصهاينة لتعزيز شرعيتهم السياسية بأخرى دينية في القدس.

 

عباس لا يريد انتفاضة ثالثة!

 

مشكلة هذه الانتفاضة الثالثة أنها لا تجد من يقودها حتى لو اندلعت عفوياً بعدما أعلن الرئيس عباس معارضته لها في عدة تصريحات أو باركها فقط لو كانت "مجرد احتجاجات أو تظاهرات سلمية"، فضلا عن الطوق الأمني الإسرائيلي القوي في الضفة الذي يتحسب لهذه الانتفاضة، بل ثمة مخاوف حقيقية أن يجري وأد هذه الانتفاضة بسرعة ليس فقط من قبل قوات الاحتلال وإنما من جانب قوات السلطة الفلسطينية نفسها التي أصبحت – وفق تقارير فلسطينية وإسرائيلية- "تدار بشكل احترافي بإشراف أمريكي" وفق خطة الجنرال الأمريكي دايتون لمنع "أي أعمال عنف" واعتقال أي مقاوم ومصادرة أي سلاح.

 

فالرئيس الفلسطيني محمود عباس قال في حوار مع برنامج "وجهة نظر" على القناة الأولى بالتليفزيون المصري في أول فبراير الماضي 2009، إنه "لا يريد بصراحة انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية"، متعللا بأنها "ستدمر ما تبقي من الضفة، لأن ما في الضفة الغربية هو بوليس فقط وسلاح خفيف لمواجهة قوات الاحتلال لو هاجم الإسرائيليين الضفة، على عكس غزة التي بها صواريخ وقذائف وغيرها".

 

ولا ننسى هنا أن إرهاصات هذه الانتفاضة اندلعت بالفعل خلال حكم الرئيس عباس عدة مرات في الضفة الغربية خصوصا منذ الحرب الإسرائيلية الهمجية ضد غزة، وفي كل مرة كانت قوات الأمن الفلسطينية (قوات الجنرال دايتون) تتدخل لوأد هذه الانتفاضة والفصل بين قوات الاحتلال والجماهير الفلسطينية في الضفة والقيام بحملات اعتقال للنشطاء الذين يحركونها.

 

غليان الداخل الفلسطيني

 

ولكن ما تدل عليه المؤشرات المبدئية هو أن من سيحرك هذه الانتفاضة الثالثة ويشعلها هم فلسطينيو الأرض المحتلة عام 1948.. فلسطينيو الداخل.. فلسطينيو الخط الأخضر في الحركة الإسلامية وقادة ومشايخ القدس والأقصى، خصوصا أن الحديث يدور هذه المرة عن خطة متكاملة لـ "دولة يهودية" خالية من العرب، وعن تهجير قسري لفلسطيني الداخل إلى الضفة وغزة!.

 

وإرهاصات هذه الانتفاضة –انتفاضة الداخل– ظهرت في العام 2000 مع انتفاضة الأقصى عندما وقعت احتجاجات بين سكان المدن الفلسطينية في الداخل الفلسطيني بعد اقتحام شارون للأقصى وما تبعه من مصادمات بين قوات الشرطة الإسرائيلية وهؤلاء الفلسطينيين في سبتمبر 2000، مما أدى لمقتل 13 منهم وجرح حوالي ألف خلال مظاهرات دعم انتفاضة الأقصى؛ إذ إن فلسطينيي 48 البالغ عددهم أكثر من مليون نسمة وتعادل نسبتهم 17 في المائة من سكان (إسرائيل)، كانوا قد أعلنوا في الأول من أكتوبر 2000 الإضراب العام ونظموا المظاهرات الاحتجاجية ضد زيارة شارون الاستفزازية إلى باحة الأقصى (كان يومها رئيسا للمعارضة) وعلى مجزرة الأقصى التي أعقبت الزيارة (قتل 7 مصلين فلسطينيين وجرح حوالي 20) حيث اعتدت الشرطة الإسرائيلية على مظاهراتهم وحاولت قمعها بأبشع الأساليب الوحشية.

 

وقد حاولت حكومة إيهود باراك ترضيتهم بتشكيل لجنة تحقيق تدين عنف الشرطة المفرط ورصد ميزانية 4 مليارات شيكل (حوالي مليار دولار) للإنفاق على احتياجات البلدات العربية في إسرائيل وسد الهوة القائمة بينها وبين البلدات اليهودية، لكن باراك سقط في الانتخابات وجاء شارون ليلغي كل هذه الإجراءات ويزيد الوضع التهابا حتى الآن.

 

وقد تكررت "بروفة" ثانية لانتفاضة الداخل الفلسطيني هذه في عدة مدن فلسطينية داخل الخط الأخضر (إسرائيل) خصوصا في مدينة أم الفحم التي يسيطر على بلديتها الحركة الإسلامية بزعامة الشيخ رائد صلاح في مارس 2009 في أعقاب مسيرات قررت منظمات يهودية متطرفة القيام بها لهذه البلدات لرفع العلم الإسرائيلي عليها وتبعها مصادمات مع الشرطة الإسرائيلية أصيب فيها 15 من فلسطيني الداخل.

 

والآن مع تصاعد الاجتياحات للحرم القدسي الشريف وكشف مئات الأنفاق تحت المسجد الأقصى ومصادرة أراض عربية وهدم منازل ووضع خطط لتهويد القدس بالكامل بما فيها القدس الشرقية ووضع خطط أخرى لإبعاد القيادات الدينية والسياسية في القدس عن الحرم القدسي لمدد تتراوح بين ستة أشهر وعامين، فضلا عن سجن قياديين كبار من أمثال الشيخ رائد صلاح 9 أشهر (يبدأ تنفيذها 28 فبراير 2010).. كل هذه عوامل توفر وقودا لإشعال أكبر لهذه الانتفاضة الثالثة.

 

ولا ننسى هنا أمرين، أولهما أن الانتفاضة الثانية اندلعت أولا من فلسطيني الداخل، ومنها انتقلت للضفة الغربية وغزة في توقيت متزامن، وهو السيناريو الأكثر توقعا في الانتفاضة "الثالثة". والأمر الثاني أن سلطة الرئيس الفلسطينية عباس هشة وأمنية بدرجة أكبر منها سياسية والشارع الفلسطيني سيتحرك ويخرج عندما يتعلق الأمر بمقدساته ولو اصطدم بالشرطة الفلسطينية، وفي هذه الحالة على السلطة الفلسطينية أن تختار: إما الانضمام لمعسكر الاحتلال وقمع الانتفاضة وتخسر كل شيء، أو تقفز في مركب الانتفاضة لتنجو من المأزق الذي وصلت إليه بفعل اختياراتها البائسة وتسهم في إعادة توحيد الصف الفلسطيني.

 

الهدف الصهيوني يسير بالتالي في اتجاه الضغط على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية لمنعها من "اللعب" بكارت الانتفاضة الثالثة، ولكنه بأساليبه وخططه التهويدية الشرسة للمقدسات في القدس و"يهودية الدولة" لا يدري أن هذه الانتفاضة ستكون هذه المرة أعنف انطلاقا من القدس نفسها. وقد تكون هذه الانتفاضة هي الحاسمة في مسار القضية الفلسطينية أو تحسم ملفات الوضع النهائي لأنها ستمتد للداخل الفلسطيني والخارج في أراضي 48 و67 المحتلة معا، وقد تدمر شرعية السلطة الفلسطينية المتبقية لو تصدت للانتفاضة وقمعتها بدل الاحتلال في ظل ضياع هيبة هذه السلطة الفلسطينية وعجزها!.

 

انشر عبر