شريط الأخبار

سيد أمن – لا ما اعتقدتم.. هآرتس

12:52 - 26 تشرين أول / فبراير 2010

بقلم: آفي يسسخروف

"ليتني كنت الان في غزة"، يقول مصعب حسن يوسف في مكالمة هاتفية من كاليفورنيا. "في الماضي أتيت بمعلومات عن مكان سائق سيارة أجرة اختطف في رام الله وحررته الوحدة الخاصة في هيئة القيادة العامة". انه يعلم اسم الوحدة بل اشترى قميصا مع شعار "الوحدة الخاصة لهيئة القيادة العامة" بالانجليزية. "كنت ألبس بزة عسكرية وأنضم الى القوات الاسرائيلية الخاصة لاطلاق جلعاد شليت. لو كنت هناك لكنت أستطيع المساعدة. أضعنا سنين كثيرة في التحقيقات والاعتقالات كي نمسك بأولئك الارهابيين الذين يريدون الان اطلاقهم عوض شليت. لا يحل فعل ذلك".

لا يقول هذا الكلام احد سوى ابن الشيخ حسن يوسف، من كبار رجال حماس في الضفة. مصعب، في الثانية والثلاثين، يصدر هذا الاسبوع في الولايات المتحدة كتابه "ابن حماس" باصدار سولتريفر.  وهو يقص فيه لاول مرة قصة حياته الكاملة ويكشف فوق كل شيء هنا في صحيفة "هآرتس" وفي الكتاب السر الكبير الذي صحبه منذ 14 سنة.

التقيت مصعب يوسف آخر مرة في تموز 2008 في كاليفورنيا. قص علي آنذاك التحول الذي جرى على حياته: في 1999 بدأ يقارب المسيحية وبعد مضي بضع سنين غير دينه وأصبح مسيحيا من جميع جوانبه. نشر ملحق صحيفة "هآرتس" آنذاك هذا الشيء وحظي من الفور برد غاضب من حماس التي أنكرت الامر. لكن المنظمة الاسلامية لم تتخيل آنذاك ان هذا طرف قصة أكثر دراماتية.

بعد مضي سنة ونصف استقر رأي مصعب يوسف على كشف الصورة الكاملة: فمدة أكثر من عشر سنين عمل ابن رئيس حماس في الضفة عميلا للشاباك – لا لبواعث اقتصادية او مصلحية بل عن عقيدة خالصة.

نجح يوسف هذه المدة في احباط عشرات العمليات الانتحارية، وكشف عن خلايا منتحرين ومخربين تشتمل على اولئك الذين خططوا لاغتيال مسؤولين كبار في اسرائيل مثل شمعون بيرس الذي كان وزير الخارجية آنذاك، والحاخام عوفاديا يوسف. اعتبر يوسف في الشاباك المصدر الاكثر ثقة وعظما الذي نجح جهاز الامن العام في استعماله في قيادة حماس وحظي بلقب "الامير الاخضر": "الامير" – لكونه ابن رئيس حماس في الضفة. و "الاخضر" – بسبب لون راية المنظمة الاسلامية.

في أشد فترات الانتفاضة الثانية، قاد مصعب يوسف الى اعتقال كبار المطلوبين الذين تتوج اسماؤهم كل يوم عناوين الصحف، مثل ابراهيم حامد ومروان البرغوثي، بل سبب اعتقال أبيه كي لا يغتاله الجيش الاسرائيلي. قصته التي لا تصدق يكشف عنها شخص شاب ذكي يثور بشجاعة على الحركة التي نشأ فيها في قصد الى انقاذ حياة الناس، بل يقنع الشاباك باعتقال مطلوبين بدل اغتيالهم.

اراد انقاذ حياة الناس

يصعب على "الكابتن لؤي"، كما سمي لحينه مستعمل مصعب يوسف في الشاباك ان يخفي تقديره لـ "مصدره". "يدين الكثير من الاشخاص بحياتهم له بل انهم لا يعلمون بذلك"، يقول. "ان اشخاصا فعلوا اقل منه كثيرا حظوا بجائزة أمن اسرائيل. من المحقق انه يستحق ذلك. عرفته مدة ست سنين، كمركز ومسؤول عن المنطقة. واقول لك، اذا كان عندنا س مركزي استخبارات في المنطقة، فبفضله اصبح عندنا في  واقع الامر س + 1. كان هو المركز الاخر. اتعلم، كان افضل من اكثرنا من غير ان نهين احدا".

ترك الكابتن لؤي جهاز الامن العام. وهو اليوم ضابط أمن في وسط البلاد وطالب جامعي. لكن يلحظ عليه انه يشتاق الى تلك الايام والليالي من مطاردة المطلوبين والمخربين المنتحرين. "الشيء المدهش ان كل نشاطه لم يكن من أجل المال"، يقول عن يوسف. "قام بأشياء آمن بها. اراد ان ينقذ حياة الناس. لم يكن فهمه الاستخباري أسوأ مما عندنا. الافكار والادراكات. كان ادراك واحد عنده يساوي عندي ألف ساعة  تفكير لافاضل الخبراء.

"سأقص عليك قصة. ذات يوم تلقينا معلومة عن أن مخربا منتحرا يفترض أن يصل ميدان المنارة في مركز رام الله، كي يحملوه وينقلوا اليه حزاما ناسفا. لم نعرف كيف صورته بالضبط او اسمه، لكن عرفنا فقط انه في العشرينيات من عمره، يلبس قميصا أحمر. أقمنا "الامير الاخضر" في الميدان وحدد هو بأحاسيسه الذكية الهدف في غضون دقائق. أدرك من الذي حمله، وتابع السيارة وقادنا الى اعتقال المنتحر والشخص الذي كان يجب ان يعطيه الحزام. وهنا احباط عملية آخر لا يكادون يذكرونه. لا يفتح أحد زجاجات شمبانيا او يندفع الى الرقص والغناء. كان ذل على نحو يومي بالنسبة للامير". لقد أظهر شجاعة، وحواس ذكية، وقدرة على مجابهة الخطر. علمنا أنه يعطي أقصى ما عنده في كل وضع، في المطر او الثلج او الصيف.

التعذيب والتجنيد

يتذكر مصعب يوسف جيدا اليوم الذي دخل فيه رجل شاباك زنزانته في المعتقل في المسكوبية، واقترح عليه ان يعمل من اجل اسرائيل، او بعبارة اخرى ان يصبح متعاونا. كان الى ذلك الاعتقال عضوا في خلية طلاب حماس في جامعة بيرزيت وكان مشاركا في رمي حجارة. زج به في السجن بعد ان اشترى سلاحا فقط في 1996. في حاجز قرب رام الله وقف جنود سيارة السوبارو التي قادها وأمروه باطفاء المحرك.

"أخرجوني من السيارة وقبل ان استطيع الدفاع عن نفسي رموني ارضا وضربوني بشدة". يتحدث في حديث مع صحيفة "هآرتس" عن انه لم يخطط لان يصبح متعاونا بل ولا قرر ذلك فجأة. "نقلت الى المعتقل، المسكوبية، وجرى علي تعذيب غير سهل وضربوني مرة بعد اخرى في التحقيق، وقيدوا يدي بقوة. آنذاك أتى رجل الشاباك وعرض علي ان اعمل معه. لم اطلب مالا لان وضعي المالي كان جيدا. فكرت في أن أقول له انني موافق كي اصبح عميلا مزدوجا ولانتقم من الشاباك ومن اسرائيل لاعتقالي وللامور التي فعلوها بأبي. كانت خطتي أن أجمع معلومات عن الشاباك من الداخل وأن استعمل ذلك في مواجهة اسرائيل. علمت أن الحديث عن جهة ظلامية سيئة وعن أشخاص سيئين يقومون باشياء فظيعة كإرغامهم شخصا على ان يصبح متعاونا. لم أعلم آنذاك ما الذي يتحدث عنه وما هو الشاباك حقا. بعد ان وافقت تركوني في السجن مدة 16 شهرا كي لا أسرح مبكرا جدا. كان ذلك قد يثير ارتيابا بأنني عميل للشاباك".

يقول انه شهد في فترة سجنه اشياء فظيعة. "مكثت في السجن مع أناس حماس، ومع مسؤولين كبار في المنظمة استعملوا جهازا يسمى مجد – وهو شبه جسم أمني داخلي في حماس يرمي الى الكشف عن عملاء لاسرائيل. كانوا يعذبون السجناء، وأكثرهم من حماس، لانهم شكوا في تعاونهم. كان عملي أن اسجل الاعترافات وشهادات المحقق معهم واعتمدوا علي لانني كنت ابن الشيخ. هناك فقدت ثقتي بحماس. لقد قتلوا اشخاصا بلا سبب. في حين كان الجميع يحذرونني الشاباك، رأيت لاول مرة في حياتي أناس حماس يعذبون رفاقهم وأبناء شعبهم بقسوة لا مثيل لها. لم تهمهم الحقيقة قط. كان يكفي أن يرتابوا بشخص ما حتى تنتهي قصته. لقد عذبوا بقسوة، وأحرقوا أجساد المحقق معهم، ووخزوهم بالابر واطفأوا فيهم السجائر.

"أقسمت لنفسي أنني عندما أتحرر لن أظل في حماس ولن أعمل مع اسرائيل ايضا. اطلقت من السجن في 1997 وأنشأ الشاباك صلة بي. استقر رأيي على قطع الصلة بيني وبينهم، وأردت ان اجابههم كي افعل ذلك كما يجب. فاجأني ان اللقاء الاول كان وديا جدا ولذيذا. كنت في فضول لأعلم أكثر، لم تكن عندي خطط لقتل أحد او للتجسس، كنت فضوليا ببساطة. وهكذا وافقت على لقاء مستعملي، الكابتن لؤي، مرة ثانية وبعدها مرة بعد أخرى".

يقول ان رجل الشاباك نجح في المرة الثانية في مفاجأته. "بين لي انني اذا كنت أريد العمل مع الشاباك فعلي ان احترم عددا من القواعد. لا يحل لك مصادقة نساء فاسدات وأن تسلك سلوكا غير اخلاقي، هذا ما قاله لي. لا تجامع نساء وتسلك سلوك أزعر، أنت خاصة، ابن شيخ، يجب عليك ان تجد عملا وأن تسوي أمورك. ذات مرة، في منتصف لقاء مع الكابتن لؤي في القدس، وقف اللقاء وسألني: أصليت الظهر؟ كنت متفاجئا وقلت لا. فطلب مني أن اذهب لأتوضأ وأصلي الظهر ثم نكمل.

"كان من المهم لهم ان استمر على البقاء كما أنا، وألا أتغير، وأن أكون جديا. فهم يريدون أشخاصا محترمين يقدرهم مجتمعهم لا اولئك الذين لهم صيت سيء. أصبحت أكثر فضولا وأردت ان أتعلم عنهم أكثر. عاد مستعمليّ وقالوا لي كل مرة من جديد: عليك ان تحترم أباك وأمك وألا تصنع سوءا بأحد. لم يطلبوا حتى ذلك الحين معلومات عن شخص ما وأصبحت أكثر جدية في الصلة بهم. احترمني مستعمليّ من جهتهم وعاملوني معاملة حسنة جدا بل ساعدوني في الدراسة. كنت دهشا لسلوكهم. لم يريدوا العمل على الفلسطينيين البتة بل على المتطرفين. نظرت الى هؤلاء الناس الذين أردت في الماضي كثيرا أن اقتلهم وتبين لي ان كل ما علمته عنهم لم يكن صحيحا".

كانت تلك ايضا الفترة التي بدأ فيها يقترب من المسيحية وقرأ في الانجيل. "أذكر انني صادفت جملة "أحب اعداءك". جعلني أفكر – هؤلاء أعدائي، الشاباك، والجنود الذين يحاولون فقط أداء عملهم. فكرت بيني وبين نفسي كيف تسلك حماس في وضع عكسي، هل كانوا يظهرون الرحمة لليهود؟ وفكرت في نفسي من الذي تهزأ به، أكانت حماس وفتح تسلكان أكثر انسانية؟ ما عدت أستطيع تعريف من هو عدوي. صحيح، فعل الشاباك اخطاء وقتل أناسا غافلين لكن هدفه الرئيس وهدف اسرائيل كان الحفاظ على مبادىء دولة ديمقراطية. يوجد 1.2 مليون فلسطيني يعيشون في اسرائيل، داخل الخط الاخضر، ويتمتعون بحقوق وبنماء ورفاهة في اسرائيل اكثر مما في كل دولة عربية أخرى. ومع ذلك كله أخذ هؤلاء الجنود أبي ازاء ناظري، واطلقوا النار على اشخاص ازاء ناظري وصدقني ان هذا لم يكن سهلا عندي ان اعمل من اجل هؤلاء الاشخاص، كان هذا تحولا حقيقيا".

-ماذا كانت اهدافك عندما وافقت على العمل من اجلهم؟

-"رأيت تعذيبا وقتلا وحربا على الأرض. أرى ان حياة الانسان وانقاذه هو الشيء الاهم، أكثر من كل قطعة أرض او عقار. أردت أن أنقذ وأنقذت حياة ناس اسرائيليين وفلسطينيين. لم يكن ذلك لان الشاباك استعمل ضغطا علي او من اجل  المال. فعلت ذلك لانني فهمت ما هي حماس حقا وكان علي أن اقول بتغيير. من اجلي ومن اجل الاخرين. فكرت في نفسي انهم حتى لو زعموا انني خائن فليقولوا. لن يصدقني الناس وسيعتقدون انني فعلت ذلك من اجل المال لكنهم لا يعلمون. كنت سعيدا، سعيدا (؟؟؟) عندما وقفت مخربا منتحرا".

الانتفاضة خطط لها

في اثناء المقابلة الصحفية كلها يبرز استعمال مصعب يوسف لضمير المتكلم الجمعي. "نحن"، و "اعتقلنا"، في حين يتناول عمل الشاباك. يشهد بأن له في كاليفورنيا قميصا كتب عليه بالانجليزية "أنا أعمل عملا سريا لا أعلم ما هو – جهاز الأمن". يقول ويضحك: "يوجد ليس قميص للجيش الاسرائيلي ايضا، بلون زيتي مع الشعار الذي أحبه جدا".

في 1999 كان في لب لباب قيادة حماس في الضفة، وصحب أباه في كل مكان. كما ينشر لاول مرة في الكتاب، فكر الشيخ حسن يوسف باقامة حماس في الضفة قبل ان تقام رسميا بسنة. في 1986، يحكي ابنه في الكتاب، التقى أبوه في الخليل الشيخ احمد ياسين ومحمد جمال النتشة، ومحمد مصلح وآخرين، وخططوا لاقامة المنظمة. في كانون الاول 1987 فقط اعلنت حماس اقامتها رسميا.

في ايلول 2000، عندما كان اريئيل شارون يوشك ان يزور جبل الهيكل، كان من الطبيعي ان يصحب مصعب يوسف أباه الى اللقاءات. في 27 ايلول، قبل زيارة شارون بليلة، التقى الشيخ يوسف مروان البرغوثي، قائد التنظيم في الضفة وعددا من رؤوس الفصائل الاخرى. "حملته الى اللقاء وعندما عدنا قال لي انهم اتفقوا على ان يخرجوا من الغد بعد زيارة شارون للحرم مظاهرات وانتفاضة آخر الامر. كانت خططهم اثارة احداث شغب تستمر اسبوعين او ثلاثة.

خططوا للانتفاضة ولا يقولن لك غير ذلك. لم تشأ قيادة حماس في الخليل وفي غزة المشاركة في احداث الشغب، لانها زعمت ان عرفات لا يستحق ان يساعدوه بعد ان طارد المنظمة على نحو شديد جدا. وفي الحقيقة لم تشارك حماس في غزة في المظاهرات في بدء الانتفاضة. لكن ابي كان مؤيدا لذلك".

-ماذا يعني خططوا؟ أطلب اليهم عرفات فعل ذلك؟

-"لا استطيع ان اقول لك بيقين انه اعطى أمرا. لكنه بارك النهج. أيها المرء، ما الذي تعتقد – كان البرغوثي وحسين الشيخ، وكل اولئك الذين نظموا المظاهرات، يلتقون عرفات كل يوم. فما الذي تحدثوا فيه هناك آنذاك؟  لكن ليس هذا اسوأ شيء تبينته آنذاك عن عرفات. كنت أنا الذي كشفت عن أن الخلية الأولى من كتائب شهداء الأقصى كانت في واقع الأمر جماعة من أناس الحرس الرئاسي لعرفات، القوة 17، حصلت على أموال من مروان البرغوثي، حصل عليها من عرفات".

-كيف نجحت في الكشف عنهم؟

-"في تلك الفترة بدأت العمليات الأولى على المحاور في انحاء الضفة، في مواجهة المستوطنين وجنود الجيش  الاسرائيلي. تلقيت مكاملة هاتفية من الكابتن لؤي قال لي ان لهم معلومات عن أن عددا من الاشخاص غير المعروفة هوياتهم زاروا ماهر عودة، وهو مسؤول كبير في الذراع العسكرية لحماس، ويجب أن أفحص من هم. كنت قد عرفت عودة في السجن عندما كان مسؤولا عن "مجد"، وهي الجهة الامنية المسؤولة عن التعذيب. لقد سلك بسرية كبيرة. سافرت في ذلك المساء في سيارة واقمت ازاء بيته. بعد نحو من نصف ساعة خرج عدد من المسلحين من مبناه ودخلوا سيارة شيفروليه خضراء ذات ألواح بالعبرية. بدأت أتابعهم وفقدتهم. غضبت على نفسي لانني فقدتهم. في الغد، وبسبب توتر الاعصاب، خرجت بسيارتي وسافرت في المدينة كلها لابحث عنهم. قنطت آخر الامر ودخلت مرآبا لغسل السيارة.

فجأة رأيت الشيفروليه الخضراء تمر. قال صاحب المكان الذي علم انني ابن الشيخ، انهم من افراد القوة 17 وانهم يسكنون بيتونيا. لم يكن ذلك منطقيا. لماذا يسكن أناس القوة 17 خارج المقاطعة ويكونون مشاركين في العمليات؟ سافرت الى العنوان الذي اعطانيه وعثرت على سيارة الشيفروليه الخضراء. ومن ثم أسرعت الى ابلاغ لؤي. لم يصدق قائده. فما الذي يجعل حرس عرفات الشخصي يفعل ذلك؟ يجب ان نتذكر انهم اعتقدوا حتى ذلك الحين ان كتائب شهداء الاقصى ربما يكونوا جماعة من حماس، ولم يعلموا عنهم شيئا. قالوا لي لا يمكن ان أكون رأيت ذلك.

"اغضبني ذلك جدا". سألني لؤي أأنا واثق من أنها شيفروليه لا بي أم في. سافرت مرة أخرى الى البيت ورأيت في الموقف في المقابل سيارة مغطاة بغطاء أبيض. تقدمت بهدوء الى السيارة ورفعت الغطاء قليلا. تبينت بي أم في طراز 82. اتصلت بلؤي وأخبرته بالسيارة. "مرحى! وجدناهم"، صرخ. بين ان السيارة التي وجدتها قد استعملوها في جميع العمليات الاخيرة التي قتل فيها 12 شخصا.

"بعد مضي زمن قصير حاصرت قوات الجيش الاسرائيلي المبنى في بيتونيا لكن الجماعة لم تكن هناك. لقد ادركوا انهم كشفوا وسارعوا الى الاختباء في المقاطعة. كان هناك اثنان مركزيان: احمد غندور ومهند ابو حلوة. قتل غندور بعد شهور كثيرة باطلاقه رصاصة من سلاحه. وأرسل أبو حلوة اشخاصا آخرين بعد ذلك لتنفيذ عمليات. كان نموذجا مريبا، اعتاد ان يجول حاملا رشاشا ثقيلا في وسط الشارع وان يطلق النار في كل فرصة. اراد الشاباك اغتياله وأبلغت لؤي أنني موافق على المهمة حتى لو كان معنى ذلك ان يقتل. شعرت بأنه لا مناص وإلا فسيستمر مهند على قتل أبرياء.

"في الرابع من آب 2001 انتظرت خارج مكتب مروان البرغوثي الى ان شاهدت أبا حلوة يدخل عليه. بعد مضي بضع ساعات خرج ودخل سيارته الغولف المذهبة. أبلغت الشاباك أنه في السيارة وحده، كان من المهم لهم ألا يصاب مروان البرغوثي. انتظر الاسرائيليون قليلا حتى أصبح في السيارة في منطقة مفتوحة ثم أطلقوا عليها صاروخا. يبدو انه رأى الصاروخ يقترب وحاول ان يقفز خارجا، لكن الصاروخ اصاب الغولف وطار من السيارة. اصاب صاروخ ثان أطلق الرصيف. أنا، وكنت أجلس في سيارة على مبعدة 100 متر من هناك، شعرت بقوة الارتداد. اشتعلت السيارة وكذلك مهند لكنه لم يقتل.

في ذلك المساء سافرت مع أبي لزيارة مهند في المشفى كان وجهه محروقا وصعب علي أن أنظر اليه. لكنه شفي وواصل رحلة قتله. تم اغتياله بعد مضي بضعة أشهر فقط، فقد اطلقت مروحيتان عليه النار عندما خرج من مطعم في بيتونيا".

مثل زعيم في حماس

عرف "الامير الاخضر" كيف يستعمل اسم ابيه كي ينشىء لنفسه شبكة علاقات داخل المنظمة. بعد اغتيال الشيخ جمال سليم وجمال منصور في نابلس، وهما اثنان من اصدقاء ابيه، في تموز 2001، قرر ان يعزل أباه وأن يخفيه كي ينقذه من الموت. أخرجه من بيت العائلة، وأسكنه فندقا وأقال حراسه. أبلغ الشاباك آنذاك بمكانه لكنه اتفق مع مستعمليه على ألا يقترب أي اسرائيلي من أبيه.

"بدأت في تلك  الفترة أتصرف مثل زعيم في حماس"، يقول "جلت حاملا بندقية ام 16، وأكدت رابطة الدم مع الشيخ وجلت مع أعضاء الذراع العسكرية في حماس، الذين كانوا على ثقة من أنني عالم بكل ما يحدث في قيادة المنظمة. حدثوني عن مشكلاتهم واستقيت معلومات أكثر فأكثر".

بل نجح مصعب في أن ينشىء علاقة مباشرة برئيس مكتب حماس السياسي، خالد مشعل، في دمشق، وتحادثا مرة كل اسبوع بالهاتف، في الاقل. يورد في كتابه كيف طلب الموساد مساعدة الشاباك للكشف عمن هو ذلك "الرجل الخطر" في رام الله، الذي يحادثه مشعل على نحو ثابت. يكتب مصعب ان الشاباك اختار ان يحفط سره من الموساد.

وهكذا كتب في كتابه عن تلك الفترة: "اصبحت في سن الثانية والعشرين مصدر الشاباك الوحيد داخل حماس، الذي كان قادرا على دخول الذراع العسكرية والسياسية والفصائل الاخرى ايضا. لكنني علمت انني لا اتحمل هذه المسؤولية وحدي. كان واضحا عندي ان الله أقامني في هذا الوضع في قلب حماس والقيادة الفلسطينية، وفي اللقاءات مع ياسر عرفات وقوات الأمن الاسرائيلية. أصبحت في موقع متميز لفعل العمل واستطعت أن اشعر بأن الله كان معي".

أبعد عن العلاقة المباشرة بعرفات، كما قال بسبب خطأ غير ارادي : "التقيت عرفات عدة مرات عندما صحبت أبي في اللقاءات التي اجراها معه. لم أحبه لكنني لم أستطع اظهار ذلك. قبلني ذات مرة ومسحت الرطوبة على نحو غريزي. شعر بالاهانة وشعر أبي بالحرج ومنذ ذلك الحين لم يأخذني الى لقاءات أخرى معه".

كذلك لم يثر مروان البرغوثي تقديرا فيه. "انه ارهابي مع دم اسرائيليين كثير على يديه. برغم ان  الشاباك ابغضه، لم يشأ تصفيته كي لا يصبح قديسا معذبا. عرفت مروان من طريق أبي. صحبته الى لقاءات مع مروان في بدء الانتفاضة لكن في لقاءات ايضا بعد ذلك عندما اجتمع ممثلو الفصائل. اصبحت عند حماس شبه وسيط بين المنظمة والفصائل  الاخرى، وبخاصة عندما نزل أبي تحت الارض وتوجهوا الي من المنظمات الاخرى مرات كثيرة طالبين مواد متفجرة وسلاحا. اعتقد كل واحد ان عندي ما اقترحه ووثق بي لانني ابن الشيخ.

"هكذا أتاني احمد "الفرنسي" البرغوثي، مساعد مروان المخلص، الذي أبلغني أنه محتاج الى مواد متفجرة كثيرة من أجل عدد من المخربين المنتحرين الآتيين من جنين. قلت له أنني سأحاول ان أرتب له شيئا ما، لكنه في  تلك الليلة أرسل أحدهم لتنفيذ العملية في سي – فوود ماركت في تل ابيب. من الغد اعتقلنا جميع الاخرين".

مظلة حماية الشيخ

"لابي الحبيب وعائلتي المصابة. لضحايا النزاع الاسرائيلي الفلسطيني. لكل حياة الناس الذين أنقذهم الهي. لعائلتي، انا فخور بكم جدا. ان الهي       فقط يستطيع ان يرى ما الذي جرى عليكم. أدرك ان ما فعلته سبب جرحا عميقا آخر قد لا يندمل في هذه الحياة وربما تضطرون الى معايشتي هذا العار أبدا... مع الحب، ابنكم". (من مقدمة الكتاب).

في المقابلة الصحفية الحالية، كما في اللقاء السابق ايضا، عاد "الامير" وأكد مبلغ حبه لأبيه. يقول لؤي ايضا انه سمع منه كثيرا عن التربية على حب البشر التي تلقاها من أبيه. ومع ذلك كله كان هذا الابن هو المسؤول عن اعتقال أبيه ونقل المعلومات التي أفضت الى اعتقاله. والى ذلك ولكي يغطي على حقيقة انه مصدر المعلومات استعمل مصعب أمه: قال لها أين يختبىء أبوه كي تسافر للقائه. تم الاعتقال بعد دقائق من وصول الام الى الشيخ يوسف، وفي حماس – كما في الجيش الاسرائيلي ايضا – افترضوا ان متابعيها تبينوا على هذا النحو مكان اختبائه.

"الولد أنقذ أباه"، يدافع عنه الكابتن لؤي. "لو لم يكن هو لكان أبوه مات عشر مرات. أصبح في الحقيقة شبه مظلة حماية لأبيه، وقد فهم ذلك. ذات مرة، بعد العملية في بيت اسرائيل في القدس، أصدر اريئيل شارون أمرا باطلاق النار على كل متحرك متنفس من حماس، تقريبا. طرح اسم ابيه للنقاش على أنه مرشح للاغتيال. أكد مصعب أن أباه مهم له وأن حياة الناس عزيزة عليه عامة وهكذا منع اغتياله".

بعد وقت قصير من اعتقال الأب في صيف 2002، دبر مصعب يوسف مع لؤي اعتقاله هو. اعتقل عدة أشهر في اعتقال اداري والتقى أباه في السجن مثل معتقلين تماما. اطلق مصعب من السجن في نيسان 2003.

في آذار 2001، خرج صديق طفولة لمصعب، هو ضياء الطويل، ابن اخ مسؤول كبير في حماس، في عملية انتحارية في التل الفرنسي. ارتاب الشاباك بخمسة مسؤولين كبار في المنظمة قد يكونون مشاركين هم: محمد جمال النتشة، وصلاح تلاحمة، وابراهيم حامد، وسيد الشيخ قاسم وحسنين رمانة. عرف مصعب الخمسة كلهم من الفترة التي سبقت الانتفاضة، بل انه أقل حامدا الى بيته عندما سرحتهم السلطة الفلسطينية من السجن في بدء الانتفاضة.

في صيف 2001، لم يعلموا في الشاباك وفي الجيش الاسرائيلي بعبد الله البرغوثي. تركت العملية التفجيرية في "دولفيناريوم" في حزيران، وبعدها العملية في مطعم سباروا في القدس في آب، تركت الشاباك في حيرة، لانه لم يدرك احد من هو المهندس الذي أعد متفجرات في هذه القوة التي لم يسبق لها مثيل. يقول مصعب ان السي أي ايه ابلغت السلطة الفلسطينية بأنها تعلم أن عبدالله البرغوثي ينتج المتفجرات الفتاكة وأنه يسكن عند قريبه بلال البرغوثي. اعتقل الامن الوقائي لجبريل الرجوب الاثنين في ذلك اليوم. بعقب ضغط الادارة الامريكية على السلطة الفلسطينية لتعمل في وقف العمليات التفجيرية، طلب الى مروان البرغوثي أن "يهدأ" عبدالله وان يفهم ما هي خططه.

لم يكن عبدالله البرغوثي مشايعا تماما لحماس فقد كان شبه "منتم حر"، عمل مع جميع المنظمات لكنه كان أكثر موالاة للمنظمة الاسلامية. لهذا عندما هب مروان البرغوثي لاداء المهمة التي القيت عليه، قرر ان يضم اليه الشيخ حسن يوسف. أقل مصعب أباه الى قيادة الأمن الوقائي. "جلس عبدالله في غرفة كبيرة ودخن سيجارة. توجه اليه أبي الذي لم يعرفه وبين له أنه اذا حدثت عمليات  تفجيرية أخرى مثل عملية الدولفيناريوم او سبارو، فان اسرائيل ستغزو الضفة وتمس بالسلطة، وستحتجز في الفرصة نفسها عبدالله ايضا. لقد اراد ان يمنع كل عملية.

"قال عبدالله انه ارسل اربع شحن ناسفة فتاكة الى نابلس كي تركب هناك في سيارات ملغومة تفجر قرب سيارة وزير الخارجية آنذاك شمعون بيرس. وتحدث ايضا عن شحن ناسفة ارسلها الى الشمال من هناك، ترمي الى المس بأعضاء كنيست يهود. لكن عبدالله بين أنه لا يعلم من هم الاشخاص وأن كل ما يملكه رقم هاتف. وافق على اجراء مكالمة هاتفية لالغاء العملية. لم يشأ مروان أن نتصل من هاتفه الخلوي، ولم يوافق أبي ايضا على استعمال هاتفه لذلك. تم الاتفاق على أن أذهب لشراء هاتف خلوي جديد وأن نبيده بعد المكالمة الهاتفية. اشتريت هاتفا، وكنت قد أبلغت في تلك الاثناء الشاباك بالرقم الذي يتابعون التنصت عليه، وعدت الى عبدالله واتصل بمن اتصل بهم. كان الشاباك يصغي الى كل شيء. استقر الرأي في ذلك اليوم على تعزيز حراسة اعضاء الكنيست الاسرائيليين كخطوة وقائية".

تم حجز عبدالله البرغوثي عدة أشهر أخرى في موقع الامن الوقائي ومن جملة أسباب ذلك الضغط الامريكي. لكن عندما طرأ تدهور آخر على الوضع، بعد اغتيال رائد الكرمي في طولكرم، اطلق سراحه. يزعم مصعب يوسف ان الاطلاق تم على أثر ضغوط استعملها مروان البرغوثي على رجوب.

"في اليوم الذي اطلق فيه عبدالله التقاه مروان واعطاه في يده الفي دولار وأمره بأن يختفي وأن يفعل ما يجب عليه فعله".

نجح عبدالله البرغوثي في التهرب من مطارديه مرة بعد اخرى بل انه سكن بيتا أقام الجيش موقعا عليه بغير ان يعلم من يوجد تحته. في آذار 2003 فقط اعتقله الشاباك. كان مصعب آنذاك في السجن الاسرائيلي محاولا أن يصرف عنه شبه التعاون.

الشاباك يمثل تمثيلية

في احد أماسي آذار 2002 سمع طرق لباب العائلة. تقدم مصعب لفتح الباب ورأى شخصين على الباب. "نحن نبحث عن الشيخ حسن يوسف". سألت "في أي أمر" وقالا انهما ممثلا خمسة منتحرين أرسلوا من الاردن لتنفيذ عمليات انتحارية. قالوا ان رجل الربط معهم اعتقل ويحتاجون الى مكان آمن يكونون فيه. قلت لهما انهما وصلا المكان الصحيح. قالا ان معهما سيارة مليئة بالمواد المتفجرة. طلبت أن يتركوا السيارة، اعطيتهما مالا وبينت لهما أين يختبئان. نقلت الى لؤي المعلومات وتبين في غضون نصف ساعة عن شارون أجاز اغتيالهم.

"قلت انهم اذا مسوا بهما فسأكف عن العمل مع الشاباك. "أتهددنا؟" سألني لؤي وأجبت أنني لا أوافق على قتل أناس. الحديث عن خمسة شبان جهال لا يعلمون البتة ما الخير وما الشر. علمت ان محاولة اعتقالهم ستكون خطرا عظيما على الجنود وعلي، لانهم يعرفونني وسيشكون بأنني قدت الى اعتقالهم. ومع ذلك تابعت الاصرار على عدم قتل اشخاص.

"وافق الشاباك، الذي لم يشأ ان يخسرني، آخر الامر لكن طلب أن يعلم ما الذي يحدث داخل الغرفة التي ينامون فيها. سافرت اليهم مع قطعة أثاث أتيت بها في ظاهر الامر الى شقتهم، لكنهم لم يعلموا أنه قد ركب في داخلها أجهزة تنصت حساسة جدا. في 16 آذار احاطت قوات خاصة بالمبنى الذي سكنوه في مركز رام الله. انتظرت القوات الى ان علمنا بيقين انهم نائمون، آنذاك خرقوا الباب بمواد متفجرة. استطاع احدهم ان يقفز من النافذة مع سلاح، واطلقت عليه القوات الاسرائيلية النار فأردته قتيلا. آنذاك في اللحظة التي أجلسوا فيها الاربعة الباقين في سيارة الجيب، في الطريق الى زنزانة الاعتقال، ذكر أحدهم اسمي. اصبحت على ثقة من أنني "محروق" ولم أعلم ما أفعل، الى ان ابتدع لؤي فكرة. اطلق ذلك الذي ذكر اسمي واعاده الى الاردن، وهكذا اعتقد الاخرون انه كان هو الذي دل عليهم. في التحقيق مع الثلاثة الباقين في المعتقل تبين ان احدهم تلقى مهمة اغتيال الحاخام عوفاديا يوسف.

"لهذا أقول مرة اخرى: لو فعلت ذلك من أجل المال، لكنت أصر على ألا يقتل خمسة منتحرين؟ كنت أدعهم يموتون".

يقول مصعب انه كان واضحا للشاباك انه على خطر انكشاف كبير. "كان أمامنا خياران: اما اعادتي الى السجن واما "تمثيل تمثيلية"، كما قال لؤي – تمثيل محاولة اعتقال حقيقي، كبيرة مدهشة، لا تضلل حماس فقط بل الجيش ايضا. اعطى الشاباك قوة مستعربين معلومات استخبارية فحواها انني مسلح خطر وأنني سآتي لزيارة قصيرة لبيت أمي. أمروني في تلك الاثناء بأن آتي بيت أمي وأن انتظر في سيارة أمر الشاباك. عندما تلقيت مكالمة هاتفية من لؤي شغلت السيارة وخرجت سريعا الى مكان مخبئي الجديد. في غضون دقيقة أتى المستعربون في عشر سيارات مع ألواح تعريف فلسطينية. أحاطوا بالبيت ودعوا سكانه جميعا الى الخروج. خرجت أمي وأخي وأخواتي خارجا.

"في تلك الاثناء، وللتحقق من أن عملية الدهم ستحظى بنشر واسع سربت الى الجزيرة أنهم يحاولون اغتيال أبي، وأتى فريق تصويرهم المكان. لكن الجنود نادوا بمكبرات الصوت "مصعب حسن يوسف" ان يخرج، لا حسن يوسف". في تلك الاثناء ابتدأ يقترب عشرات من المسلحين الفلسطينيين أدركوا انه توجد عملية قرب بيت الشيخ، واطلقت مروحيات سلاح الجو النار عليهم لوقفهم. في تلك المرحلة كنت اجلس ازاء التلفاز في شقة مخبئي الجديد وشاهدت الدراما كلها ببث حي. بل ان الجيش اطلق صاروخا على الطبقة الثانية من بيتنا ودمرها تماما. اصبحت بين عشية وضحاها مطلوبا كبيرا وعرف العالم العربي كله بذلك.

انتقام الرجوب

في عملية "السور الواقي" جرى مصعب في انحاء المدينة، برغم ان مستعمليه طلبوا ان يظل في الفندق الذي "اختبأ" فيه كذلك مكث أبوه في شقة مخبأ وعندما مشط الجيش البيوت، تجاوز الجنود على نحو عجيب عن البيت الذي اختبأ فيه الشيخ. قال لي أبي: "هذه معجزة. لقد بحثوا في جميع البيوت حولنا وتخلوا عن بيتنا فقط".

تتصل قصة أخرى يكشف عنها مصعب بالعلاقات بين رئيس الامن الوقائي آنذاك، جبريل الرجوب، والشاباك. عندما دخل الجيش منطقة رام الله، كان أحد الاهداف الرئيسة التي دهمها قيادة الامن الوقائي في بيتونيا. تمت في ذلك الموقع معركة الى ان تلقى ساكنوا المبنى أمرا من قائدهم بالاستسلام. في ذلك الوقت أمر الجنود جميع الموجودين في المكان بخلع ملابسهم والخروج عراة. فعل الجميع ذلك، من أناس الأمن الوقائي – لكن سجناء حماس الذين اعتقلوا في الموقع فعلوا ذلك ايضا. ألبس مئات الاشخاص أردية ونقلوا في الحافلات الى معسكر عوفر.

آنذاك فقط أدرك الشاباك، كما يقول مصعب خطأه: كيف يستطيع ان يقرر من هو مطلوب ومن هو من الأمن الوقائي، في حين أن جميع بطاقات الهوية بقيت في الخلف في القيادة المدمرة حتى الأساس؟ كان عوفر ديكل آنذاك قائد منطقة القدس في الشاباك. "كان مسؤولا عن العملية"، يقول مصعب. "قرر الاتصال بجبريل الرجوب بجلالته وبنفسه وأن يطلب اليه ان يأتي لتعرف أشخاصه. وافق الرجوب، وسافر الى معسكر عوفر وتعرف جميع المطلوبين على أنهم اشخاصه. حرر الشاباك جميع المطلوبين ما عدا بلال البرغوثي الذي عرفوه وأبقى في المعتقل أناس الأمن الوقائي. عندما تبينوا الخطأ غضب ديكل وسأل الرجوب لماذا فعل ذلك. أجاب الرجوب بصوت هادىء "دمرتم قيادتي". كان ذلك حرجا كبيرا للشاباك، والشيء الوحيد الذي بقي ليفعله هو الانتقام. نشر اشاعة أن الرجوب سلم المطلوبين الى الشاباك في اطار صفقة كبيرة مع السي اي ايه".

يزعم مصعب يوسف ان الرجوب خسر الكثير من قوته السياسية على أثر تلك الفرية. اتهمه أناس حماس وفتح بالخيانة برغم انه أنقذ مطلوبي حماس في واقع الأمر. في حديث الى صحيفة "هآرتس" ينكر الرجوب انه كان هناك. يقول نائبه آنذاك، جبرين البكري، وهو اليوم حاكم نابلس انه لم يكن في المنطقة وانه لا يعرف التفصيلات. "اعتقد ان عبد علون كان الشخص الذي فعل ذلك"، يقول البكري (علون، من كبار مسؤولي الامن الوقائي، قتل في عملية القاعدة في فندق في عمان). رفض مستعملو مصعب يوسف في الشاباك التطرق الى هذه الحادثة.

درة التاج

في 31 تموز 2002 انفجرت شحنة ناسفة في الحرم الجامعي في هار هتسوفيم في القدس. على أثر الحادثة فقد مصعب يوسف الصلة التي أنشأها مدة سنين برجل الذراع العسكرية صلاح تلاحمة. يقول: "اصبحنا اصدقاء حقا، بل انه ساعدني في دروس خاصة في الاقتصاد". كذلك اختفى المحيطون بتلاحمة – النتشة ورمانة وحامد وقاسم. افضت الاثار من تلك العملية الى خمسة من سكان قرية سلوان منهم محمد عرمان، الذي قال في التحقيق معه مع التعذيب ان "الشيخ" مسؤول عن استعماله، لكنه لم يعرف اسمه. عندما عرضوا عليه صورة ابراهيم حامد، عرفه من الفور.

بعد مضي سنة واربعة اشهر فقط عثرت قوات الامن  الاسرائيلية على احدى اشد الخلايا فتكا عملت في الضفة. مع انقضاء معركة استمرت الليل كله قتل تلاحمة وقاسم ورمانة الذين اختبأوا في مبنى سكني في رام الله. أبلغ الكابتن لؤي مصعبا بأن صديقه الحميم التلاحمة قتل، وطلب اليه ان يسافر الى المشفى في رام الله لتعرف الجثث. "عرفت صلاحا (تلاحمة) من الفور. كان قاسم مقطعا اربا اربا ولم أنجح في تعرف رمانة. مع عدم وجود نشطاء منركزيين آخرين من حماس، اضطررت الى تنظيم جنازة صديقي صلاح والاخرين".

لم يكن حامد في المبنى. "خبأ الشاباك أجهزة تنصت كثيرة في بيته، مؤملا أن يقول أحد أبناء العائلة شيئا ما لكنهم كانوا حذرين جدا"، يقول مصعب. "حامد اختفى ببساطة". في تشرين الثاني 2004 اطلق الشيخ حسن يوسف من السجن. أتى مئات الاشخاص الى مكتبه في الأيام التي تلت ذلك وطلبوا مساعدة. كان الشيخ في نظرهم زعيم حماس في الضفة. لكن مصعبا يقول ان أباه لم يكن يملك مالا ولا قدرة على الوصول لمصادر المنظمة المالية. خلص مصعب الى استنتاج ان حقيقة ان المنظمة تستمر على العمل بعد ان قتل او اعتقل اكثر قادتها المعروفين، تشهد بأن لها قيادة سوية تتصل مباشرة بقيادة حماس في دمشق وبالذراع العسكرية.

قبل ذلك ببضعة اشهر طلب لؤي الى مصعب أن يسافر الى مقهى انترنت في رام الله، فمن هناك يتصل شخص ما بالبريد الالكتروني لقيادة حماس في دمشق. لم يعرف الشاباك ذلك الشخص وطلب الى "الامير" ان يتشمم. عندما أتى المقهى كان هناك عشرون شخصا. بحث مصعب عن شخص ما ملتح، لكن جميع الموجودين كانوا حليقي الذقون. بعد مضي بضعة اسابيع طرح مصعب للبيع بيتا في رام الله. اتصل شخص ما بالهاتف وأتى لفحص المكان. عرفه مصعب كواحد من العشرين شخصا الذين مكثوا في مقهى الانترنت. عرض الشخص نفسه على أنه عزيز كايد وقال انه يدير مركزا للدراسات الاسلامية تسمى "البراق"، لكن أثار انطباع انه شخص من المحلة.

بعد اطلاق أبيه من السجن، سافر مصعب معه الى نابلس للقاء مسؤولي حماس الكبار في المدينة. نبه احدهم الى ان  الشيخ يجب ان يكون في اتصال بـ "عزيز كايد من مركز البراق". طلب مصعب الى الشاباك الفحص عن ماضي كايد وتبين انه كان في فترة دراسته في الجامعة نشيطا مركزيا من حماس في اتحاد طلاب الجامعات، لكن قبل عشر سنين كف عن كل نشاط سياسي، وأجرى حياة عادية بل سافر الى الخارج بلا عائق. تذكر مصعب عدة شبان آخرين عرفهم في الماضي وكفوا عن كل نشاط في حماس. بين الفحص انهم جميعا كانوا في صلة بعضهم ببعض وعملوا في "البراق".

افضت متابعة الشاباك لهم الى نتائج حاسمة: فقد تبين ان ابناء الثلاثين فصاعدا كانوا هم الذين اداروا نشاط حماس الاقتصادي في الضفة ومولوا النشطاء العسكريين. "في احد الايام تعقبنا ناجي مهدي من شقته في شمال رام الله الى مرآب في منطقة تجارية، قريب جدا من بيت في حي البلوع"، يقول مصعب. "لحظنا فجأة انه يرفع باب المرآب ويدخل ويغلق الباب خلفه. تعقبنا المكان مدة اسبوعين الى ان فتح في احد الايام باب المرآب من الداخل وانكشف لنا ابراهيم حامد. بل ان الشاباك مكنه من العودة الى الداخل ثم احاط بالمبنى".

لم يحارب حامد ولم يحاول المقاومة. خرج بأمر الجنود عاريا واعتقل.

"ان تبين حامد واعتقاله وقيادة حماس السرية كان أهم عمل قمت به في سني عملي كلها مع الشاباك"، يقول مصعب. "كان حامد مسؤولا عن مقتل ثمانين اسرائيليا. كانت تلك مهمتي الاخيرة في الشاباك".

في أيلول 2005 أبلغ الشاباك مصعبا، انه تقرر على أثر التصعيد في غزة اعتقال أبيه مرة أخرى. وافق مصعب على اعتقاله عن غير مناص مدركا انه بذلك فقط يستطيع انقاذ أبيه. بقي الشيخ حسن يوسف وهو بلا شك أحد اكثر الاشخاص اعتدالا في حماس، معتقلا في السجن الاسرائيلي الى اليوم. سمع هذا الاسبوع لاول مرة ان ابنه عمل مدة سنين في خدمة الشاباك.

انشر عبر