شريط الأخبار

من سوبرمان إلى البيت /بقلم:مصطفى إبراهيم

04:21 - 20 حزيران / فبراير 2010

من سوبرمان إلى البيت /بقلم:مصطفى إبراهيم

 

 

قبل يومين من اغتيال القائد في حركة حماس محمود المبحوح نشرت إحدى الصحف العربية مقالا مطولا حول بطولات رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية "الموساد"، مئير دجان، وتناقلته كثير من الصحف والمواقع الالكترونية العربية والفلسطينية التي تتخذ موقفا عدائيا من إيران وحزب الله وحماس.

 

المقال حمل عنوان سوبرمان الموساد، وتناول البطولات والانجازات التي قام بها في الدول العربية وقدرته على تعطيل التقدم في الملف النووي الإيراني. وأغدق كاتبه الثناء بطريقة غير مباشرة على دغان، مع أن بعض المعلقين استهزأوا من وصفه بالسوبرمان، وفي تعليق احد الباحثين الاسرائيليين في شؤون الموساد على المقال المذكور قال: "هناك اعتقاد كبير لدى كثير من العرب أن الموساد استطاع أن يزرع في كل بيت عربي عميل للموساد وهذا غير صحيح"، وأضاف ان هناك إخفاقات كبيرة للموساد لم يتم الحديث عنها، وكان أبرزها  فشل محاولة اغتيال خالد مشعل في العام 1997، وان الهالة التي يصورها العرب للموساد مبالغ فيها".

 

بعد الإعلان عن عملية الاغتيال وكعادة الإعلام الإسرائيلي في عمليات من هذا النوع يتوحد الكل الإسرائيلي في وصف البطولات التي يقوم بها الموساد ويتنافس الصحافيون والمحللون والمعلقون السياسيين والعسكريين في وصف قدرات الموساد ومديره، ويستخرج أولئك من الذاكرة العمليات القذرة والدنيئة في اغتيال القادة الفلسطينيين، من خلال التهليل والتطبيل والتبجحَ بالتخطيط المثالي ووصف العملية بالذكية والنظيفة والجريئة.

 

وبعد التهليل بأن مئير دجان معشوق الاسرائيليين والبطل القومي، ورجل العام 2009، والهالة الكبيرة التي رسمت حوله والجهاز الذي يديره، استطاعت الكاميرات في الفندق ساحة الجريمة النكراء والقذرة في لحظة قلب الصورة، وبعد ان كان دغان معشوق الاسرائيليين والبطل القومي، أصبح الفاشل القومي، ومن كان عزيز الأمة أصبح وصمة عار للدولة.

 

وطالب بعض المعلقين الاسرائيليين رئيس الوزراء نتانياهو بعودة دغان إلى بيته، واتخاذ  قرار سريع بإنهاء مهامه وتعيين رئيس للموساد بدلا منه من الجنرالات في الجيش الإسرائيلي ذوي المؤهلات والتجربة.

 

وحسب بعض المعلقين الاسرائيليين أن دغان فشل في المهمة الرئيسة التي ألقيت على عاتقه عندما تم تعيينه مديراً لجهاز الموساد في العام 2002، وعند تمديد ولايته، وهي منع إيران من الوصول إلى قدرات نووية، فإيران على عتبة التحول إلى دولة نووية، وإن إيران كبيرة عليه، ومواجهة النووي الإيراني يجب أن يكون سياسياً لا استخبارياً فحسب.

 

وعلى الرغم من محاولة بعض الصحافيين الاسرائيليين والمقربين من دغان تحسين صورته والحديث عن الانجازات الكبيرة التي نفذها الموساد تحت إدارته، إلا ان الفشل بانكشاف عصابة القتل التي أرسلها لتنفيذ الجريمة، ستظل تلاحقه كما هي تلك الجرائم القذرة التي نفذها ضد قادة الشعب الفلسطيني، وها هو يتحول من رجل العام 2009، وسوبرمان الموساد إلى "وصمة عار للدولة"، ففي هذا عبرة ودرس للإعلام الإسرائيلي الذي تعود على بث الدعاية الرخيصة من خلال الكذب والتهويل وإخافة العرب من أسطورة الموساد.

 

في لحظة تنقلب الأمور رأساً على عقب وبطريقة دراماتيكية، تتحول أسطورة دولة القتل إلى دولة تبحث عن لملمة ذيول الفضيحة بارتكابها جريمة من خلال عصابة مكونة من 18 فردا تنفذ جريمة قتل ضد مواطن فلسطيني أعزل وعلى أرض دولة ذات سيادة في جريمة أقل ما توصف بأنها جريمة قتل خارج نطاق القضاء، ودولة تبحث عن تبريرات للتخفيف من حدة الفشل والهزيمة.

 

جريمة اغتيال القائد الفلسطيني محمود المبحوح يجب ان لا تمر مرور الكرام، فالشهيد هو مناضل فلسطيني، والطريقة التي تناولت بها بعض الأطراف الفلسطينية اغتياله من الشماتة في حركة حماس، يثير في النفس الحزن والاشمئزاز من تلك التصريحات العلنية بالإشارة إلى أن الاغتيال تم بمساعدة من بعض عناصر حماس.

 

 وما شاهدناه وسمعناه من تبادل الاتهامات بين حركتي فتح وحماس يعزز الانقسام ويعمقه، وبدلاً من نعي الشهيد واعتباره شهيد فلسطين والتوحد خلف دمائه والبحث في طريقة لمتابعة التحقيقات مع حكومة دبي ومعرفة كافة التفاصيل خاصة ان هناك فلسطينيين ينتميان إلى حركة فتح ويعملان بالأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية مشتبه بهما أنهما قدما مساعدات للمجرمين.

 

فالسلطة الفلسطينية مطالبة بمعرفة تفاصيل التحقيق في قضية الاغتيال خاصة بعد إلقاء القبض على الفلسطينيين المشتبه بهما، وإنهما قدما دعما لوجستياً لفريق الموساد، والاتهامات الموجهة من القيادي في حماس محمد نزال بتورط بعض المسؤولين من حركة فتح في عملية الاغتيال ومحاولة هؤلاء المسؤولين ببذل جهود لدى شرطة دبي لإطلاق سراح المشتبه بهما.

 

وعلى حركة حماس فتح تحقيق جدي في اغتيال المبحوح ونشر نتائج التحقيق للفلسطينيين، وليس كما ذكر القيادي نزال بأن حماس ستجري تحقيق لكن ليس من الضروري نشر نتائجه، فالاختراق ممكن أن يكون تم والتحقيق والبحث مهم لان ذلك من شانه معرفة بعض الجناة واستخلاص العبر وأخذ الاحتياطات الأمنية لمنع مزيد من الاغتيالات.

 

جريمة اغتيال المبحوح ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، واختراق صفوف فصائل العمل الوطني والإسلامي الفلسطيني لم تبدأ من تاريخ قتل المبحوح، فمحاولات أجهزة الأمن الإسرائيلية مستمرة في تجنيد الفلسطينيين بطرق مختلفة، وهذا لا يجب ان يزيد من حدة الاتهامات المتبادلة وتعميق الانقسام بين حركتي فتح وحماس.

 

 ويجب الانتباه إلى بعض التبريرات الصادرة عن بعض الفلسطينيين ان الحسم العسكري الذي  نفذته حركة حماس في قطاع غزة كان سبباً في ارتباط المتهمان مع المخابرات الإسرائيلية والتعاون مع الاحتلال للانتقام من حركة حماس.

 

 

انشر عبر