شريط الأخبار

يحرض ويقيل.. يديعوت

11:37 - 05 حزيران / فبراير 2010

بقلم: اليكس فيشمان

في كل مرة يتحدث فيها التقييم السنوي الاستخباري عن "احتمالية متدنية لنشوب الحرب" يدخل خريجو 1973 الى الملاجىء. مسألة ارتكاس شرطي. هذا الامر حدث في هذا الاسبوع ايضا. السماء من حولنا تتكدر والعسكريون يعطرون انفسهم بقدرة الردع التي تحققت في 2006 في لبنان و 2009 في غزة.

كل التقديرات تعدنا بأن عام 2010 سيكون عاما آخر من دون مجابهة عسكرية مركزية. ربما تحدث مصادمات موقعية في الضفة او غزة ولكن لا اكثر من ذلك. كما ان الايرانيين وفقا للمصادر الاستخبارية الامريكية لا يسيرون نحو اجتياز العتبة النووية في هذا العام. ربما يمكنهم الوصول الى هناك ولكنهم يفضلون عدم الاستفزاز المفرط للغرب. اذن هم سيواصلون انتاج كيلوغرامين من اليورانيوم المخصب في كل يوم وهكذا ستكون لديهم الكمية الكافية لانتاج القنابل النووية في اواسط 2011 "فقط". حتى ذلك الحين سيكون من الممكن التمتع بشعار "الاحتمالية المنخفضة".

اذن لن تنشب الحرب. 2010 قد يكون أحد السنوات الاقل استقرارا لامن دولة اسرائيل. رئيس مجلس الامن القومي في البيت الابيض الجنرال جيمس جونز الذي زارنا في الشهر الماضي حذرنا بصورة علنية. الايرانيون كما قال قد يردون على الضغط الامريكي المتزايد من خلال حلفائهم في المنطقة محاولين المس باسرائيل. هذا الجنرال صاحب الاعصاب الباردة الجاف قصد كل كلمة قالها.

ليون فانتا رئيس الـ سي أي ايه، قدم في الاسبوع الماضي الى اسرائيل لنفس السبب بالضبط. هو لم يظهر في المؤتمرات الصحفية الا انه ترك هدية لدى نظيره الاسرائيلي: خارطة طبوغرافية ذات اطار لاحد مناطق القتال الامريكية الاساسية اليوم. تلميح؟ ام دعابة الجواسيس؟

الامريكيون تركوا من ورائهم هنا حتى موعدا نهائيا انذاريا: عدة اسابيع من الان. ورسالتهم واضحة: حتى ان افشل الصينيون قرار مجلس الامن لتعزيز العقوبات على ايران فالولايات المتحدة تخلع القفازات وتنتقل من مرحلة الكلمات الى الافعال. الصينيون لن يأتوا؟ سننتظرهم شهرين ولا اكثر من ذلك "الاخيار" سينضمون الينا بعد حين.

اذن من الصحيح القول ان القوات لم تبدأ بالتزحزح بعد. لا حديث بعد عن الفرق العسكرية او حاملات الطائرات. ولكن الامريكيين يبدأون بالانتقال الى مرحلة الاستعداد  على الارض. العامل الاول الذي دخل في حالة تأهب هو المنظمومة الدفاعية الفعالة المضادة للصواريخ الباليستية.

خلال الفترة التي زار فيها جونز اسرائيل نشر الامريكيون في منطقة الخليج منظومتهم الدفاعية المتطورة المضادة للصواريخ الباليستية الموجودة بحوزتهم. يد تستعد لخنق الايرانيين بواسطة فرض حصار اقتصادي آخذ في التزايد الى حد الاغلاق المباشر للمسارات البحرية والجوية لمنع تهريب البضائع والوسائل لايران، ويد أخرى تستعد للرد العسكري الذي قد يلجأ اليه احمدي نجاد.

من المسموح القول ان دول الخليج واصدقاء الولايات المتحدة الاخرين في المنطقة، السعودية واسرائيل قلقون جدا من السلاح الباليستي الايراني وحلفاء ايران، سوريا وحزب الله. اذن فقد نقل الامريكيون الى دول الخليج وسائل دفاعية: بدءا من نشر صواريخ باتريوت "فك 3" وانتهاء بالبوارج "ايجاكس" التي تبحر في مياه الخليج الفارسي وهي مزودة بصواريخ "اس ايه – 3" القادرة على اسقاط الاقمار الصناعية في الفضاء ولكنها موجه بالاساس لاعتراض الصواريخ الواقعة خارج الاجواء.

اسرائيل نفذت مناورة ناجحة للمنظومة الدفاعية الفعالة المشتركة مع القيادتين الاوروبية والامريكية قبل عدة اشهر ("جنيفر كوبرا") لذلك يكتفي الامريكيون في الوقت الحاضر بانعاش عمليات التنسيق والرقابة على وسائلهم الموزعة فوق ارض اسرائيل.

في هذا الاسبوع وبالضبط عندما قام الجيش الامريكي بنشر اجهزته الدفاعية الجوية في الخليج الفارسي زار اسرائيل نائب قائد القطاع الاوروبي في الجيش الامريكي الجنرال جون غاردنر. الى جانب لقاءات العمل والمجاملات مع ضباط الجيش الاسرائيلي زار ايضا عناصره الذين يقومون بتفعيل "العيون الزرقاء". هذا هو الاسم الرومانسي الذي اطلقوه عندنا على منظومة الرادار التي نصبها الامريكيون في جبل كيرن.

"العيون الزرقاء" ستتولى كشف العمق الايراني واعطاء اسرائيل الى جانب منظومة الاقمار الصناعية والرقابة الامريكية مهلة انذارية لربع ساعة تقريبا عند اطلاق الصواريخ الباليستية من ايران نحونا ومهلة ادارية لربع ساعة تعتبر مدة طويلة من الوقت.

هذه المنظومة نصبت هنا كلفتة من الرئيس بوش عشية استقالته وهي مفعلة على يد الامريكيين. هذه المنظومة تعتبر بالنسبة لاسرائيل ذخرا استراتيجيا من الدرجة الاولى. اما بالنسبة للولايات المتحدة فهي مجرد عنصر في منظومتهم الدفاعية المضادة لصواريخ الباليستية في ارجاء العالم.

نرفزة في طهران

الدبلوماسية الامريكية تبذل في هذه الايام جهودها لبلورة اجماع لمجلس الامن. مبعوثو اوباما يوضحون لكل من يريد ان يسمع انهم سيوافقون حتى على اقتراح فرض عقوبات غير مشددة شريطة ان تتقرر هذه العقوبات. التفسير لذلك بسيط: هذا القرار سيتيح لهم في المستقبل التحرك بصورة حازمة ضد ايران تحت مظلة مجلس الامن.

بكلمات اخرى، الامريكيون يحاولون في واقع الامر رشوة الدول التي تثير المشاكل. على سبيل المثال يحظى الروس فجأة بصفقة ضخمة مع السعوديين بقيمة ملياري دولار خصوصا في مجال الدفاع الجوي. نوع من التعويض على ما يبدو عن الخسائر التي يتوقع ان يمنوا بها من الغاء صفقات مع ايران.

الروس كقاعدة هم شريك صعب. وهم ليسوا جاهزين لفرض العقوبات القوية التي تتضمن حذر بيع ما يسمونه "سلاحا دفاعيا" لايران. هم يريدون الابقاء على هذا الخيار التجاري. بوتين ايضا لا يؤمن بالعقوبات المشددة في مجال مشتقات النفط. على حد رأي الروس الضرر سيلحق بالشعب الايراني وليس بالنظام.

الولايات المتحدة في هذه المرحلة مستعدة للتجاوب معهم واضفاء المرونة على العقوبات. في واشنطن أعدوا قائمة من بضعة عشرات من الشركات الايرانية التي تعود لحرس الثورة او ترتبط به والتي يتوجب خنقها اولا. بعد ذلك سينتقلون لمشتقات البترول.

ان لم يحصل الامريكيون على التعاون التام مع الدول العظمى في مجلس الامن فلن يكون امامهم مفر من فرض حصار بحري وتفتيش الوسائل البحرية المارة في المياه. والا فلن تكون للعقوبات اية قيمة وسيحولون انفسهم الى اضحوكة. وبالمناسبة هذا هو التقدير السائد لدى جهاز الامن الاسرائيلي: لن تكون للعقوبات اية قيمة في هذه المرة ايضا. الايرانيون سيواصلون خداع العالم.

في هذه الاثناء ستدخل المنطقة في حالة من الحراك. الايرانيون يدركون ان المهلة النهائية قد تحددت لشهر آيار ويبدأون بالرد بجزع وقلق. معنى تصريحات قيادتهم التي تقبل كما يبدو للوهلة الاولى حل اخراج اليورانيوم من ايران للتخصيب في الخارج وفي نفس الوقت يقومون بعرض عضلاتهم وابراز صواريخهم الباليستية. لديه نموذج جيد: كوريا الشمالية التي تبرهن مرة تلو الاخرى مدى سهولة ابتزاز العالم.

النرفزة الايرانية تلقي بظلالها الى المنطقة كلها. الجميع يفكرون كيف ستبدأ المرحلة الجديدة من تعزيز العقوبات ولكن احد لا يستطيع ان يقول لنا كيف ستتطور الامور – ولا احد بالتأكيد يعرف كيف ستنتهي. السوريون لا يصدقوننا ولا يصدقون الامريكيين. هم يصغون لحلفائهم في طهران الذين يحاولون اقناعهم بأية طريقة بأن اسرائيل طرف مثير للمشاكل.

اللبنانيون في قلق ايضا. جهاز الامن الاسرائيلي صرح علانية وبصورة غير علنية ان حكومة لبنان ستكون مسؤولة عن أي تحرش من هذه الناحية ولن تحصر نفسها بأهداف حزب الله.

في هذه الاثناء يواصل الايرانيون تحريض شركائهم. قبل اسبوعين انتشرت انباء حول توتر يوشك على الوصول الى المجابهة على الحدود الشمالية. قائد المنطقة غابي ايزنكوت اعتبر ذلك "توترا وهميا".

هو محق. هذا التوتر الوهمي يحرض واقعا وهميا طوال الوقت: الايرانيون يحاولون التسبب بحالة من عدم الهدوء في المنطقة على افتراض ان هذا سيخيف الامريكيين واسرائيل. كل مس بنا كما يقولون سيشعل الشرق الاوسط كله. فالتحذروا.

من الناحية الاخرى ليس الايرانيون وحدهم دائما وليس كل شيء وهميا كما يقال: امور مثل تلك التي وجهها بالامس وزير الخارجية ليبرمان للاسد ("انتم وحدكم الذين ستخسرون في الحرب القادمة. انت وعائلتك ستخسرون الحكم") تسكب الوقود على نار الارتياب لدى السوريين الامر الذي يزيد من حدة التدهور.

مخاوف في غزة

حماس هي لاعب غريب في هذا النسيج. تصفية المبحوح في دبي اوضحت لحماس مدى عرضتها والى اي مدى تعتبر علاقتها مع ايران معروفة ومكشوفة. المبحوح مات والكثير من المشاريع التي كانت في قناة ايران – غزة توقفت فورا. بعد ان ظهرت جثته بيومين اعتبروا في غزة ان الشخص مات من مرض وكانوا في حالة طمأنينة. في يوم الثلاثاء فقط عندما عادت الفحوصات التي اجريت له بدأت حالة الهستيريا: ما الذي نجحوا في انتزاعه منه قبل ان يموت؟ ما الذي كان مكتوبا في  الاوراق التي حملها معه؟

الفلسفة الحمساوية تقول ان اسرائيل ستهاجم حماس بعد دقيقة من انتهاء قضية جلعاد شليت. ربما كانت هذه احدى الاسباب التي تدفعها لتأخير ردها على اقتراح نتنياهو. لسبب ما بعد عملية "الرصاص المصبوب" ايضا ما زالت حماس تعتقد ان اسرائيل تقيد نفسها بسبب شليت.

في حماس يخشون من ان تشن اسرائيل عليهم هجوما في كل الاحوال: سواء نجحت الصفقة ام لم تنجح. الضربة المحتملة للسيد الايراني تضيف لهم المزيد من المخاوف. والاضرار قد بدأت تسجل هناك من الان: تصفية المبحوح تقطع لفترة ما قناة الاكسجين الضرورية للقطاع. الايرانيون يعززون قوة حماس في القطاع بالعتاد والمال بقيمة 200 مليون دولار في السنة هذا المال يشكل 40 في المائة من ميزانية حماس لعام 2010.

فرض العقوبات على ايران يعني كمية اقل من المال والعتاد لحماس والازمة الاقتصادية قد تلحق ضررا فادحا بحكم حماس في غزة وان لم يكن ذلك كافيا فمصر ستستكمل في العام القادم الجدار الذي تبنيه على حدودها مع القطاع بحيث يصبح الخناق تاما. حتى اذن سيكون المصريون قد اضافوا الى منظومة مكافحة التهريبات ستة سفن لحرس السواحل. هذه السفن ترسو في منطقة رفح المصرية للتصدي للتهريبات من البحر. خناق من هذا النوع قد يشكل تهديدا لحكم حماس الامر الذي قد يقودها الى خطوات يائسة في مواجهة اسرائيل اي ان غزة قد تنفجر في وجهنا.

الرد الامريكي على مخاوف العالم العربي المعتدل من الايرانيين شبه انعكاسية: صفقات سلاح والمزيد من صفقات السلاح. في هذا العام نفذت صفقات مع دول الخليج، السعودية، الاردن ومصر بكميات ونوعيات غير مسبوقة، الامر الذي اشعل اضواء حمراء في اسرائيل. خلال المداولات المشتركة التي جرت مؤخرا عبر الاسرائيليون عن خوفهم من ان هذه الصفقات قد تخرق التوازن وتقلص الفجوة النوعية التي يمتلكها الجيش الاسرائيلي في مواجهة جيوش الجيران.

لعبة تمهيدية في الضفة

"على هذا النحو يبدو عام الاحتمالية المنخفضة للمبادرة الهجومية الواسعة من قبل جيراننا" هذا من دون ان نتحدث عن الازمة في مواجهة السلطة الفلسطينية.

خلال الخطاب الذي القاه ايهود باراك في مؤتمر هرتسليا في هذا الاسبوع قال ان غياب العملية السياسية مع الفلسطينيين ستدفع المنطقة الى التدهور نحو حالة من الفوضى. باراك اقل لطافة في الغرف المغلقة. هناك هو يتحدث عن مصطلح التدهور نحو البوسنة او بلفاست مع العزلة الاخذة في التزايد عن العالم.

استئناف المفاوضات مع السلطة على حد قول باراك ليس خيارا بل ضرورة ستتيح الحفاظ على الهدوء النسبي في المنطقة لفترة من الزمن. ولكن عندما تحدث رئيس الوزراء بالامس امام مؤتمر هرتسليا حول العودة الى طاولة المفاوضات من دون شروط مسبقة كانت هذه نصف الحقيقة فقط. الفلسطينيون مستعدون اليوم ايضا للاستجابة للطلبات الامريكية والمصرية والقدوم الى ما يسمى "محادثات تقارب" مع اسرائيل ولكن ليس للمفاوضات ذاتها.

"محادثات التقارب" هي اختراع امريكي يهدف الى انزال ابو مازن عن شجرة التجميد المطلق للبناء بما في ذلك في القدس كشرط لاستئناف المفاوضات. كان من الممكن اعادة الفلسطينيين الى المفاوضات بواسطة رزمة امتيازات تتضمن اطلاق سراح السجناء وحرية الحركة الموسعة وتسليم مدن ومناطق لمسؤوليتهم وما الى ذلك الا ان اسرائيل ليست مستعدة في هذه المرة لاعطاء بادرة حسن نية مسبقا.

اذن ما يلوح في الوقت الحالي هو بداية "محادثات تقارب" ومعناها: الاسرائيليون والفلسطينيون لن يلتقوا. الامريكيون هم الذين يتنقلون من جانب الى اخر محاولين تقريب وجهات النظر. وهكذا بدلا من المفاوضات المباشرة التي اصرت اسرائيل عليها طوال السنوات ستحصل اخيرا على مفاوضات غير مباشرة.

وان لم يكن ذلك كافيا فهناك احتمالية كبيرة بأن لا تجري هذه المفاوضات غير المباشرة في المنطقة وانما في الولايات المتحدة، ذلك لان احد الاستخلاصات الامريكية من فشل العام الاول من مساعي السلام التي بذلوها في المنطقة هو ان من الافضل تخفيض مستوى البروز وليس فقط تخفيض التوقعات. اتضح لهم ان زيارات جورج ميتشيل العلانية للمنطقة والمتابعة لتحركاته وكل عبارة يقولها وكل لفتة يقدم عليها قد الحقت الضرر بالتحرك.

في هذه المرة تقرر في واشنطن دعوة الفرقاء للولايات المتحدة من خلال زيارات عادية لا تجتذب اليها الاهتمام حيث تجري هناك اتصالات مكثفة قدر المستطاع بعيدا عن الاضواء.

المشكلة هي ان محادثات التقارب هذه لا يمكنها ان تحل محل المفاوضات الحقيقية. لذلك قد قرر الامريكيون موعدا محددا للبدء في المفاوضات: شهر آذار. الجامعة العربية ستجتمع في طرابلس الغرب والمصريون يكثفون مساعيهم لتمرير قرار هناك يقدم الدعم لعودة السلطة الى المفاوضات مع اسرائيل. من دون هذا الغطاء سيجد ابو مازن صعوبة كبيرة في العودة الى المفاوضات الناجعة.

ان كان الامر كذلك فان محادثات التقارب هذه ستتمحور في الاشهر القريبة حول شروط دخوله للمفاوضات: ما هي المسائل المتفق عليها من الجانب وما هي الترتيبات المتفق عليها التي ستجري المفاوضات وفقها. الامريكيون مثلا يطلبون لانفسهم دور المحكم ويريدون ان يكون لهم وجود في كل واحد من اللقاءات طوال المسيرة.

ان لم يتمخض اي شيء عن محادثات التقارب المزمعة باستثناء العلاقات العامة لحكومة اسرائيل فان المفاوضات لن تبدأ في آذار وسنسجل لانفسنا فرصة ضائعة اخرى في اطار التوقعات بأن يكون عام 2010 عاما هادئا.

انشر عبر