شريط الأخبار

من سيكون خليفة عرفات الحقيقي؟

08:29 - 03 تموز / فبراير 2010

بقلم:  هيلغا بومغارتن

أستاذة العلوم السياسية في جامعة بيرزيت

على الرغم من أنه بدا أن انتقال القيادة تم بطريقة سلسة داخل منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية وحركة فتح من خلال انتخاب محمود عباس في يناير/كانون الثاني 2005 عقب وفاة ياسر عرفات، إلا أن عدداً كبيراً من الفلسطينيين لا يزالون يعتبرونه مجرد حل مؤقت. وفي هذه الأثناء، تستمر المعركة على الخلافة داخل فتح خلف الأبواب المغلقة، وهي طفت على السطح مؤخراً بسبب تراجع شرعية عباس وشعبيته.

لا يزال الاعتقاد سائداً  بأن من يقود فتح سوف يقود منظمة التحرير الفلسطينية، وبأن رئيس المنظمة سوف يُنتخَب رئيساً للسلطة الفلسطينية.

كما أن وجود  بدائل يبدو أكثر احتمالا من أي وقت سابق. الزعيم الجديد لحركة فتح قد يقود أيضا منظمة التحرير الفلسطينية، لكن ذلك قد لا يعني قيادة السلطة الفلسطينية أيضا. واذا حصل القادة التكنوقراطين على تأييد حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وفوق كل ذلك الجهاز الأمني, قد يسمح لهم ذلك بان يصبحوا قادة جدد للسلطة الفلسطينية.

ظهرت هذه المعركة للعيان في المؤتمر الذي عقدته حركة فتح في بيت لحم في أغسطس/آب 2009، وتم فيه انتخاب المجلس القيادي للحركة المؤلف من 21 عضواً ومجلس الثورة المؤلف من 123 عضواً، وهي الانتخابات الأولى من نوعها التي تُجرى خلال جيل كامل. وقد فاجأ عباس عدداً كبيراً من المراقبين بقدرته الواضحة على ترسيخ قيادته في المؤتمر على طريقة عرفات، أو بحسب المصطلح المستخدم في العلوم السياسية، كقائد وراثي جديد (نيو- باتريمونيالي). وهو خلق وضعاً حيث سيُضطر الطامحون المتعددون للقيادة إلى التنافس بعضهم ضد بعض بينما يبقى هو فوق الشجار ومسيطراً تماماً على الأمور.

لكن، يمكن أن تكون المظاهر مضلِّلة، وقد أظهرت قضية تقرير غولدستون – التي شجب فيها الفلسطينيون عباس على نطاق واسع لأنه وافق على إرجاء التحرّك الدولي في شأن تقرير عن جرائم الحرب التي ارتكبتها إسرائيل وحماس في غزة – أن عباس هو قائد ضعيف نسبياً. فهو يفتقر إلى الكاريزما والقاعدة الجماهيرية والولوج الحر إلى الأموال الخارجية الضرورية لممارسة السيطرة كما كان عرفات يفعل من قبل.

 عندما اتّضح أن زمن عباس بدأ ينتهي، انطلقت جدّياً المنافسة على منصب الخليفة الحقيقي لعرفات. ولسخرية القدر، الشخصان اللذان نالا العدد الأكبر من الأصوات في مؤتمر فتح في بيت لحم ليسا المنافسَين الحقيقيين. فقد حصل القيادي المتقدم في السن في فتح، أبو ماهر غنيم، الذي يعيش في الخارج، على 1368 صوتاً، وحصل محافظ نابلس السابق محمود العالول على 1102 صوتاً، لكن يُعتبَران بأنهما ربحا على أساس لعبة متقنة أعدها عباس ومسانديه.

حتى مروان البرغوثي المسجون، وهو الناشط الفتحاوي في الضفة الغربية الذي حل في المرتبة الثالثة مع 1063 صوتاً والذي يتقدّم باستمرار على القياديين الآخرين في فتح في استطلاعات الرأي العام في الضفة الغربية وغزة، فهو في وضع غير مؤاتٍ إلى حد كبير داخل التنظيم. إذ أن عدم تمكّن أي من أنصاره من الفوز بمقاعد في المجلس المركزي – في مقابل وصول العديد من خصومه إلى المجلس – يشير إلى أن من هم داخل فتح يكتفون بدعم الإفراج عنه في العلن بينما يتّفقون في السر مع إسرائيل على إبقائه خلف القضبان.

يأتي على رأس قائمة المنافسين الفعليين محمد دحلان، الرئيس السابق لجهاز الأمن الوقائي في غزة. وعلى الرغم من أن هذا الأخير احتل المرتبة العاشرة في السباق إلى المجلس المركزي (853 صوتاً)، إلا أنه اعتُبِر الفائز الكبير في مؤتمر بيت لحم لأنه أعاد تأهيل نفسه داخل فتح بعد فشله في إطاحة حكومة حماس المنتخبة في غزة في 2006/2007. وقد اعتبر بعض المراقبون عودته مذهلة، وفوجئوا بفرضه وجوده خلال المؤتمر. وقد كان دحلان من الأوائل الذين وجّهوا انتقادات لاذعة إلى الطريقة التي تعاطى بها عباس مع تقرير غولدستون.

ويعتبر الفلسطينيون دحلان، سواء كان ذلك دقيقاً أم لا، مرشح الولايات المتحدة الأساسي داخل فتح، نظراً إلى الروابط التي طوّرها مع وكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. أي) منذ التسعينيات.

صحيح أن دحلان لم يعد يتولّ منصباً رسمياً في أي من الأجهزة الأمنية، لكن يبدو أنه لا يزال يمسك بزمام الأمور ويعمل من خلف الكواليس، ويشغل على ما يبدو مكتباً مستقلاً في وزارته السابقة (الشؤون المدنية) في رام الله. العائق الرئيس الذي يواجهه دحلان كمرشح محتمل للرئاسة هو عدم شعبيته خارج فتح، ولاسيما في الضفة الغربية، حيث لا تتجاوز نسبة التأييد له في استطلاعات الرأي قط الاثنين في المئة ( المعدّل الإجمالي للدعم الضئيل جداً الذي يحظى به في الضفة الغربية والدعم المرتفع نسبياً في استطلاعات الرأى في غزة).

المنافس الآخر هو جبريل رجوب، نظير دحلان في الضفة الغربية في منصب رئيس جهاز الأمن الوقائي، وتجمعه أيضاً روابط وثيقة مع السي. آي. أي. وعلى غرار دحلان، لم يعد رجوب يشغل منصباً رسمياً في المجال الأمني، وهو يتمتّع ببعض الدعم في الضفة الغربية، ولاسيما في مسقط رأسه في الخليل.

وقد تمكّن من زيادة شعبيته في مختلف أنحاء الضفة الغربية في الأعوام الأخيرة من خلال توليه رئاسة اللجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم. كما حصل على مجموع أصوات أعلى من ذاك الذي حصل عليه دحلان في مؤتمر بيت لحم (908 أصوات)، لكن نسب التأييد له في الرأي العام ليست أفضل من نسب دحلان.

توفيق الطيراوي، الرئيس السابق للمخابرات العامة في الضفة الغربية، حلّ مباشرة بعد رجوب مع 903 أصوات. وعلى الرغم من أن الطيراوي لم يعد يشغل منصباً رسمياً، إلا أنه يبدو أنه لايزال يؤدي دوراً هاماً في تقديم المشورة إلى عباس، بيد ان الأرجح أنه أقل شعبية لدى الرأي العام من دحلان أو رجوب، وتعترض عليه إسرائيل وحماس بشدة أيضاً.آخر طامح للقيادة في القطاع الأمني هو حسين الشيخ، خصم البرغوثي منذ وقت طويل في الضفة الغربية، وقد حلّ في المرتبة الثالثة عشرة (من أصل 19 مقعداً منتخباً) مع 726 صوتاً.

بناءً عليه، وخلافاً إلى نظرة العديد من المراقبين الخارجيين التي تعتبر أن البرغوثي هو الوريث المسجون لعباس ، يواجه البرغوثي في الواقع منافسة قوية من أربعة أشخاص على الأقل داخل فتح.

لكن أياً كان الفائز في نهاية المطاف، فقد سلّط مؤتمر بيت لحم الضوء على اتجاه مثير الاهتمام: الشخصيات الأمنية في فتح هي التي ستسيطر على مستقبل الحركة، وبالتاليً مستقبل السياسة الفلسطينية.

ولا يملك سياسيون-دبلوماسيون ماهرون على غرار ناصر القدوة (وزير الخارجية السابق في السلطة الفلسطينية، ومندوب منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة، وابن شقيقة عرفات)، وكبير المفاوضين صائب عريقات، ورئيس الوزراء السابق أحمد قريع – ناهيك عن تكنوقراطيين أكفاء من خارج فتح مثل رئيس الوزراء سلام فياض – فرصة كبيرة بالمقارنة مع من يسيطرون على القوى الأمنية التابعة لفتح.

حتى القادة الكاريزميون على غرار مروان البرغوثي الذي يملك قاعدة جماهيرية كبيرة لكنه عاجز عن التحرك بحرية في الوقت الحالي، لا يستطيعون المنافسة على الأرجح. وسوف تعمد حركة فتح إلى ممالقتهم واستعمال أسمائهم، من دون منحهم دوراً في عملية صنع القرارات.

الاتجاه المهم الآخر هو سيطرة التأثير الأمريكي على السياسة الفلسطينية، سواء في السلطة الفلسطينية أم داخل فتح. ويُمارَس هذا التأثير في شكل أساسي من خلال القطاع الأمني حيث، وخلافاً لما هو عليه الحال في باقي السلطة الفلسطينية، لم يطبّق فياض الشفافية ويفرض السيطرة المدنية على الأموال التي تحصل عليها السلطة.

على العكس، لا تزال دفعات نقدية كبيرة تُرسَل إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية الأساسية (الأمن الوقائي والأمن العام). ولا يقوّض هذا الواقع دور القيادة المدنية وحسب، إنما أيضاً أي فرصة للتحوّل الديمقراطي. ويدعم بدلاً من ذلك استمرار المنظومة الوراثية الجديدة في فلسطين، داخل فتح والسلطة الفلسطينية، وهي منظومة أكثر اعتماداً على الريع السياسي المدفوع من الخارج مما كانت عليه في زمن عرفات. ولذلك على الأرجح أن القيادي الأمني الفتحاوي الذي يتمتع بامتيازات خاصة في الوصول إلى الولايات المتحدة وإلى هذا الريع – ويجب أن يتحلّى أيضاً بالمهارات السياسية لممارسة اللعبة الوراثية الجديدة – هو الذي يملك الفرصة الأفضل ليصبح خليفة عرفات الحقيقي. والاحتمال الآخر هو أن يوائم القيادي الأمني الفتحاوي نفسه مع تكنوقراطيين قادرين مثل فياض من أجل التعويض عن نقص الشعبية المحلية والدولية ومن أجل الرفع من فرص نجاح محاولة قيادة السلطة الفلسطينية.

انشر عبر