شريط الأخبار

يحسدونك على رغيف الخبز يا غزة! ..ياسر عبد الغفور

11:48 - 20 حزيران / يناير 2010

يحسدونك على رغيف الخبز يا غزة! ..ياسر عبد الغفور

غزة التي تلملم جراحها هذه بعد عام من الحرب الإسرائيلية الغاشمة عليها، تبدو هذه الأيام عُرضة لحرب من نوع آخر لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية التي تٌسخّن الأجواء لجولةٍ ثانيةٍ لها هذه.

 

حملة هوجاء من أقطاب إعلامية متعددة، من مصر العروبة! إلى رام الله الثائرة! إلى جهات الدنيا المختلفة عبر الماكنة الإعلامية لما يسمى محور الاعتدال العربي، وعبر ما يسمى كتاب التدخل السريع كما أسماهم أحد الزملاء.

 

 في الأيام الأخيرة كانت الحرب مركزة من قبل الإعلام المصري الرسمي، الذي ينجح (شكلاً) باقتدار في  افتعال حروب إعلامية مع جهات خارجية لإشغال الرأي العام في مصر عن التفكير بقضاياه الداخلية، على قاعدة إثارة النعرات والتوحد العُصبوي.

 

ويبدو أن تدخل مدافع مصر الإعلامية بكل عنفوانها واستباحتها كل المحرمات لم يحسم المعركة، فاستُعين بكتبة رام الله ضمن ذات السياق، فالمصلحة تبدو واحدة!.

 

مشاعر متنوعة انتابتني وأنا أقرأ لحسن البطل في جريدة الأيام الفلسطينية الأحد (10-1) "ولكن غزة لا تجوع" والسؤال الذي يحيرني ترى هل أنه تمنى لو رآها جائعة؟!.

 

لا يخفي البطل في مستهل مقالته ابتهاجه، بالنتيجة التي تمخضت عنها تداعيات رحلة قافلة شريان الحياة 3 الصعبة إلى غزة، ألا وهي القرار المصري بمنع تدفق أي قوافل تضامنية أخرى.

 

ويبدو ذلك مجرد مدخل، للحديث عن أنفاق غزة من أجل فهم "صائب" خلص إليه كاتبنا الهمام بعيداً عن "الغوغائية".

 

جردة أرقام أثبتها البطل لأسعار البضائع في غزة، (لا أدري إن كان تخيلها أم نقلها له مدلس لأنها في الأغلب بعيدة عن الواقع)  يخلص من ورائها أن غزة تعيش بحبوحة لا حدود لها؛ لدرجة أنني تخيلت أنه يتحدث عن مدينة أخرى غير تلك التي أعيش فيها!.

 

أهالي غزة يكذبون، عندما يتحدثون عن معاناتهم من الحصار! والمفوض العام للأمم المتحدة كارين أبو زيد منافقة وهرفت بما لا تعرف عندما تحدثت عن مؤشرات صحية لمواليد وأطفال غزة، من "تقزم" وفقر بالدم" وأنيميا، وغيرها وهي مؤشرات تدق ناقوس الخطر حول تداعيات الفقر.

 

غزة لا تجوع يقول البطل. ترى هل تمناها جائعة؟ غزة لا تجوع. لك الله يا غزة، يحسدونك حتى على رغيف الخبز وكيلو اللحمة!.

 

سعر شوال الدقيق على ذمة البطل في غزة هو 16 شيكلا فقط ( يا بلاش. وبعد كدة بتشكوا. ما أوقحكم يا غزازوة)  وهو في الضفة الغربية بـ 115 شيكلا. أما سعر كيلو اللحمة فهو بـ 20 شيكلا فقط ( يا بلاش برضه) مقابل 42 في الضفة. وربطة الخبز ذات الأربعين رغيفاً بـ 8 شيكل مقابل 20 شيكلا في الضفة.

 

صراحةً، لم يقدم البطل سبباً واضحاً لانخفاض الأسعار بهذا الشكل. ترى هل كان يقصد أن "مليشيات حماس الظلامية الانقلابية الإجرامية والسوداء والقتلة وما شئتم من الأوصاف"  تدعم البضائع الأساسية بهذا الشكل!!! لا يبدو ذلك؛ لأنه يقول إن هذه المليشيات متفرغة فقط لجمع الإتاوات والضرائب من الناس. وهي لعمري معادلة لم أفهما! انخفاض في الأسعار حاد وجمع ضرائب وإتاوات كبيرة!!.

 

 أم تراه يقصد أن أهالي غزة من كثرة ما يصلهم من تبرعات ومساعدات من الأنروا والسلطة في رام الله يقومون ببيع ما يصلهم بأسعار زهيدة جداً. (يعني الأمر له علاقة بكثرة العرض وقلة الطلب). يبدو هذا احتمال معقول خاصة أن سلطتنا المباركة تدفع رواتب 70 ألف موظف (يحسدهم البطل على نومهم في بيوتهم لأنهم يتلقون رواتب بدون عمل) وتنفق 58 % من موازنتها للقطاع أيضاً ( مش مهم كيف ومش مهم توفير أرقام على أوجه هذا الصرف المهم 58 % من الموازنة).

 

على ذمة البطل أيضاً يبدو أن غزة تعاني من مشكلة عويصة في "الزبالة" إذ أنه ونظراً لكثرة ما لدى الناس من دقيق ومساعدات متنوعة لا يستطيعون استخدامه، فإنه يتلف ويضطرونه لإلقائه في الزبالة.

 

على أية حال، وبينما حسد الكاتب الهمام، غزة على انخفاض سعر رغيف خبزها، لا أدري لما تجاهل الحديث عن الصورة الأخرى لغزة التي لم تدخلها أية مواد بناء منذ نحو ثلاث سنوات.

 

غزة التي يعيش أكثر من 26 ألفا من أبنائها في خيام بعد ان لم يجدوا أي مأوى بديل لهم منذ هدم منازلهم، بينما هناك 100 ألف آخرين اضطروا للإقامة عند أقارب لهم في ظروف صعبة.

 

لم يتحدث عن أكثر 367 شهيدا ارتقوا بسبب الحصار ومنعهم من السفر لتلقي العلاج.

 

اكتفى بالحديث (كذباً) أن سلطة رام الله تدفع ثمن كهرباء غزة، وهو لا يعلم أن الكهرباء تقطع عن كل القطاع بمعدل لا يقل عن 6 ساعات يومية، ودفع ثمن (المياه) كذباً وكل التحليلات تشير إلى أن مياه غزة غير صالحة للشرب، بعد أن استنزفها الاحتلال لسنوات تحت سمع وبصر سلطته وفي أحيان بتواطؤ منها.

 

يتحدث عن تدمير الإنتاج المحلي بسبب الأنفاق، ويتجاهل مئات المصانع التي دمرها الاحتلال ومنع إدخال المواد الخام لمن سلم منها من التدمير.

 

على أية حال هي دعوة للبطل أن يأتي إلى غزة التي تعيش هذه الأيام مع وقع التهديدات الإسرائيلية بحرب الرصاص المصبوب 2، ليتنعموا بهذه البحبوحة التي يعيشها أهل غزة، بالإقامة فيها، أم أنه لا يحتمل البعد عن بحبوحة رام الله!.

 

انشر عبر