شريط الأخبار

نتنياهو يحقق رؤية رابين بإغراق قطاع غزة

11:29 - 20 تشرين أول / يناير 2010

نتنياهو يحقق رؤية رابين بإغراق قطاع غزة

غزة بين ثالوث الحرب والحصار والكوارث ودعوات لإدخال معدات جديدة

فلسطين اليوم- غزة

يبدو أن أُمنية رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل اسحق رابين بأن يصحو من نومه فيجد غزة قد ابتلعها البحر، باتت تراود رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، وذلك بعدما أصبحت غزة المحاصرة والمنهكة من حرب مدمرة غصة في حلقه، فعمد إلى إغراقها ولكن ليس بمياه البحر، إنما مياه الأمطار والسيول الجارفة.

 

فكل شيء في قرية المغراقة (وسط قطاع غزة) ليس على ما يرام، فالطرقات موحلة والأضرار ملونة بأشكال من المعاناة بينما نفقت مئات رؤوس الماشية وعدد من مزارع الدواجن.

 

هذا ليس بفعل دبابات وجرافات الاحتلال، التي كانت دائماً ضيفاً ثقيلاً على هذه القرية قبل الانسحاب الإسرائيلي عام 2005، أو خلال أيام الحرب الاثنين والعشرين يوما، وإنما بفعل المياه التي تدفقت من منطقة النقب الغربي شرق قطاع غزة بعدما فحت سلطات الاحتلال، وبدون سابق إنذار، أحد السدود التي تحتجزها بها لتغمر هذه المياه مناطق واسعة من وسط القطاع كانت المغراقة صاحبة الحظ الاكبر منها.

 

 فلم تشفى القرية بعد من جراحها في حرب غزة، التي مرت ذكراها قبل أيام، وسنين الألم التي أرهقتها بها مستوطنة "نتساريم" السابقة والتي كانت ملاصقة لها من الجهة الشمالية، لتجيء مياه وادي غزة مساء الاثنين (18/1) فتغمر في دقائق معدودة عشرات المنازل على ضفتي وادي غزة معظمها في قرية المغراقة.

 

وهرعت طواقم الإنقاذ من الدفاع المدني والشرطة البحرية بينما غاص المسعفون وسط المياه للبحث عن مفقودين في مشهد قلما يتكرر.

 

ورغم تعمّد الاحتلال فتح السدود دون سابق إنذار؛ إلا أن البناء العشوائي وغير المرخص في حرم وادي غزة فاقم من المشكلة وعرّض حياة العشرات للخطر.

 

شهود العيان تحدثوا لـ "قدس برس" عن رؤيتهم لكميات هائلة من المياه تجتاز الحدود وتشق طريقها في وادي غزة عند السابعة والنصف مساء.

 

وكان جهاز الدفاع المدني أعلن الأحد الماضي حالة الطوارئ استعداداً لمنخفض جوي يضرب البلاد لكن الأمور فاقت التوقع!.

 

وأكد مدير جهاز الدفاع المدني العقيد يوسف الزهار أن طواقم الإنقاذ تمكنت من السيطرة على فيضان مياه الوادي. وأضاف الزهار لوكالة "قدس برس": "لا يوجد أزمة بالمعني الكارثي فهناك ارتفاع في منسوب المياه ووصلت المياه للمناطق الزراعية جنوباً مسافة 300 متر وحاصرت شمالا المنازل على مسافة 150 مترا فقمنا بإخلاء المنازل".

 

ووقف الزهار برفقة عدد من الضباط فوق جسر صلاح الدين، بينما ارتفعت مياه الوادي أسفل الجسر مسافة تزيد عن مترين.

 

وأشار إلى أنه علم بوجود حالة طوارئ لدى الاحتلال، لكن فتح السدود جاء مفاجئ ما أدى لتدفق كميات هائلة، محذرا من تكرار الأمر في مناطق أخرى.

 

وفور وقوع الكارثة تداعت حكومة هنية بشكل عاجل لإنقاذ الموقف حيث وصل جسر صلاح الدين عدد من الوزراء والمسئولين وبدءوا بمتابعة الأمر على الأرض ونقل الصورة إلى رئيس الوزراء في غزة إسماعيل هنية.

 

وبدأ وزير الشئون الاجتماعية أحمد الكرد مرتديا كوفية حمراء على رأسه ومعطف شتوي وهو يتهم الاحتلال بتعمد إغراق المناطق المحاذية للوادي.

 

وأشار في حديثه لوكالة "قدس رس" إلى أن وزارته شرعت في إمداد المتضررين ببعض المستلزمات الإغاثية بالتعاون مع طواقم الإنقاذ فيما فتح مركز للإيواء بمدرسة قرية المغراقة.

 

وأكد أن غزة "باتت الآن بين مثلث أضلاعه ثلاثة الحصار والعدوان والفيضانات، والعالم لا يزال ينظر هل سيرفع الحصار أم لا".

 

ولم يستبعد اللواء عبد القادر العربيد، مسؤول الخدمات الطبية العسكرية، أن يكون الاحتلال تعمّد فتح السدود لإغراق غزة بالمياه. وأضاف: "تسبب فيضان الوادي في الخمسينيات بفصل جنوب القطاع عن شماله وفاض آخر مرة قبل عشرين عام".

 

وفيما كانت شارة التحذير تصل لمركز شرطة المغراقة والزهراء، كان الرائد بشير أبو مطر يصدر الأوامر ببدء التحرك لإنقاذ السكان.

 

وأكد أن شرطته بدأت مباشرة بالتحرك وتحذير السكان قرب الوادي بضرورة الإخلاء. وأضاف: "تقدم الضابط أسامة أبو هويشل وأنقذ سيدة حامل علقت وسط المياه بينما وقعت إصابات طفيفة بين المواطنين".

 

وقال مسؤول الشرطة البحرية في مخيم النصيرات أيمن بارود إنهم دفعوا بقارب مزود بمحرك وقاربين آخرين للمياه ووصلوا بهم إلى العالقين فوق أسطح المنازل والأشجار.

 

وأشار بارود، الذي كان يراقب آليات وزارة الأشغال وهي تقوم بتحصين جسر البحر، إن عمليات الإنقاذ استمرت لساعات وطالت عشرات المنازل.

 

وخاض رجال البحرية والدفاع المدني تجربة هي الأولى من نوعها، فلأول مرة يتعرضوا لسيل جارف بهذه القوة. وتمكن رجال الإنقاذ من الوصول لعشرات المنازل مستخدمين القوارب خلال ساعتين من إجلاء كافة السكان بمسافة 500 متر عن الوادي.

 

ومع طلوع الشمس؛ اصطف المواطنون على ضفتي وادي غزة، فالمياه غمرت الجسر الصغير بين النصيرات والمغراقة وامتد المجرى 70 متر عرضاً.

 

وأشار المواطنون لبعضهم البعض على ضفتي الوادي في مشهد يشبه المتقابلين على الحدود الذين فصلتهم مسافة قصيرة ومنعتهم الظروف من الالتقاء .

 

وتوزعت في شوارع المغراقة أكوام الماشية النافقة وأطفال يعبرون المستنقعات بأرجلهم العارية بينما اتكأت العجائز على عصيهن للوصول إلى بقايا المنازل.

 

وقال سعيد الرواضين، أحد السكان المتضررين إن المياه جرفت بيته مضيفاً: "لدي خمسة أطفال وفقدت عشرات رؤوس الماشية والمياه اجتاحت المنزل وأخذت في طريقها كل شيء".

 

وأبدى الرواضين أسفه على ما حدث، متسائلاً عن مصيره وعائلته التي فقدت مأواها وفقد معها مصدر رزقه من تربية الأغنام.

 

ووقفت إلى جانبه زوجته، التي أصرت على الحديث للصحفيين عما حل بها فقالت: إنها تعرضت لمأساة، فقد أتت المياه على الملابس والبيت، ولم يسعفها الوقت لأخذ شيء معها.

 

وقال المواطن أبو توفيق إن المياه داهمته وهو جالس في المنزل، واصفاً الأضرار بأنها تنوعت بين جيرانه تبعاً لعدد أفراد كل أسرة وممتلكاتها.

 

وغاصت قدما أبو توفيق في الوحل، فيما تلونت يداه بلون طيني، وهو يقتاد بعض مندوبي المؤسسات الإغاثية والصحفيين للكشف عن مأساته داخل المنزل.

 

وفي داخل منزله؛ ارتفع صوت النساء الغاضبات على الأمتعة والفراش النافق، وطالبت إحدى السيدات داخل المنزل جميع وسائل الإعلام بتصور ونقل ما حدث لبيتها بينما انتشر عدد من الأطفال في ساحة البيت وهم يلهون ببقايا آنية المطبخ.

 

ويعد اقتحام السيول لقرية المغراقة الحدث الثاني من حيث الأهمية بعد عدوان الاحتلال عليها قبل عام في أواخر أيام الحرب.

 

وقال يوسف أبو هويشل، رئيس بلدية المغراقة: إن الحرب دمرت 150 منزلا بشكل كلي و500 منزل آخر بشكل جزئي إضافة إلى عشرات الدونمات ومئات الأشجار ومزارع الدواجن. وجاءت السيول بعد مرور عام على الانسحاب من المغراقة، وقبل عام بالتمام والكمال فأتت على 70 منزل تضررت بشكل متفاوت.

 

وأضاف: "أدت السيول لنفوق500 رأس من الماشية التي يعيش عليها بعض السكان، وقد أدى انخفاض القرية إلى سهولة تدفق المياه عليها خاصة القريبة من مجرى الوادي".

 

واعتبر أن فتح قوات الاحتلال لهذه السدود دون سابق إنذار هو "قتل وتجريف مع سبق الإصرار، ويوازي عمليات التوغل التي كان تعرض لها هذه القرية على مدار السنوات الماضية وخلال الحرب الأخيرة على غزة".

 

وأكد المهندس منذر شبلاق مدير عام "مصلحة مياه بلديات الساحل" المسؤول عن المياه في قطاع غزة، أن هذه الكارثة "كشفت حقيقة سرقة دولة الاحتلال لمياه قطاع غزة من خلال احتجازها بسدود صناعية شرق القطاع"، مطالباً بإزالة التعديات في طريق وادي غزة ليسلك طريقه الطبيعي، داعياً المجتمع الدولي بضرورة التدخل للضغط على الاحتلال للسماح له بإدخال المعدات اللازمة لمواجه هكذا كوارث.

 

وقال شبلاق: "إن الكارثة جاءت في سياق تعرض المنطقة لعاصفة جوية وأمطار شديدة، وأنه سواء حدث انهيار مفتعل أو بفعل حجم كمية الأمطار المتساقطة؛ فان هذا تسبب باندفاع المياه في مجراها الطبيعي عبر وادي غزة، حيث يقوم الجانب الإسرائيلي باحتجاز مياه الأمطار ومنع انسيابها الطبيعي في مجرى الوادي وبالتالي حرمان قطاع غزة من المصدر الرئيسي الذي يغذي الخزان الجوفي".

 

وأضاف: "أن التغيير الحاصل بمجرى الوادي بفعل التعديات، واعتبار المنطقة مكاناً للتخلص من النفايات الصلبة أدى إلى تفاقم حجم المشكلة"، مناشداً المواطنين والسلطات المعنية العمل على إعادة مجرى الوادي إلى طبيعته للحد من الآثار السلبية لمثل هذه الفيضانات سواء كانت لأسباب طبيعية أو مفتعلة.

 

وأكد شبلاق على أنه "كان من الضروري أن يقوم الجانب الإسرائيلي بإبلاغ السلطة الفلسطينية أو الجهات و المؤسسات المعنية بإمكانية حدوث مثل هذا الفيضان، قبل أن تتدفق المياه إلى وادي غزة بشكل مفاجئ، لتتمكن هذه السلطات من اتخاذ الاحتياطات والتدابير اللازمة لتفادي وقوع أضرار بشرية ومادية".

 

وشدد على الأهمية القصوى للاستجابة العاجلة لطلبات مصلحة مياه بلديات الساحل بإمدادها بالمعدات اللازمة، التي تمكنها من التدخل بشكل فعال في مثل هذه المواقف، خاصة مضخات الصرف الصحي المتحركة وقطع غيارها.

 

وناشد المسؤول الفلسطيني المجتمع الدولي بضرورة التدخل "للضغط على دولة الاحتلال لتسهيل إدخال هذه المعدات إضافة إلى تسهيل دخول المواد والمعدات اللازمة، لاستكمال مشاريع الصرف الصحي في المنطقة الوسطى، لمنع تدفق المياه العادمة إلى الوادي والتي تؤدي إلى تفاقم المشكلة.

 

ورغم أن منطقة المغراقة منطقة ريفية؛ إلا أن اسمها ارتبط بكثير من الأحداث، فظلت طوال 20 عاماً النقطة الأقرب لمستوطنة "نتساريم" وشهدت معركة حقيقية آخر أيام الحرب على غزة، حتى جاء دورها الآن لتغرق في همومها مرة أخرى.

 

كما شقت السيول طريقها شمال مخيم النصيرات، فألحقت ضرراً في بعض المنازل، حيث قال رئيس بلدية النصيرات محمد أبو شكيان "إن عدداً من منازل آل أبو غولة غرب المخيم تضررت من مياه الوادي".

 

وأكد أبو شكيان وهو يقف على جسر طريق الساحل أن المياه القادمة من الشرق كان من الممكن أن تدمر جسر الطريق الساحلي ما سيؤدي لشل الطريق بين جنوب وشمال غزة.

 

وأشار أبو شكيان بيده باتجاه البحر، منوّها إلى كمية المياه المتدفقة والتي حولت مقدمة البحر للون الطيني بينما احتفظ بقية البحر بلونه الأزرق. وتقاطرت عشرات المركبات وطلبة المدارس مستغلين الإجازة الشتوية لرؤية مشهد البحر غير المعتاد حيث احتفظ بلونين متعاقبين.

 

انشر عبر