شريط الأخبار

الفزع انتصر على الأنفلونزا .. يديعوت

11:28 - 18 تشرين أول / يناير 2010

بقلم: موتي رابيد

البحوث الطليعية للبروفيسورين في الاقتصاد تبرسكي زال وكاهنمان (التي تلقيا عليها جائزة نوبل) كشفت الوجه الخفي ولكن الحقيقي لعملية اتخاذ القرارات في مواضيع التمويل والاملاك واظهرت بان القرارات تنبع من عناصر نفسية شخصية او من ميول سائدة لدى الجمهور اكثر بكثير مما من دراسة مرتبة وموضوعية للسياقات والمعلومات الموثوقة.

سلوك الجهاز الصحي لدينا وردود فعل الاطباء تدل على أنه حتى في المواضيع الصحية والطبية فان سلوك المهنيين لا يختلف كثيرا عن سلوك عموم السكان، ومثله ينبع من الشائعات، الاراء المسبقة، المخاوف والقراءة الانتقائية للمعلومات. وعلى نحو خاص يبرز الميل في عدم التمييز بين مصادر المعلومات المصداقة، مثل المقالات التي اجتازت رقابة حريصة او منشورات رسمية لاتحادات مهنية، هي ثمرة مداولات معمقة لخبراء، وبين مقالات او انباء تنشر على الانترنت، عن مصدر ليس موثوقا بل وفي احيان قريبة غير معروف ايضا. سنوات من التعليم والدراسة للاساليب والتمييز بين انواع المعلومات المختلفة وتشخيص مصداقيتها تذهب هباء عندما تسيطر المخاوف شبه الدفينة على الاطباء ورجال الفرق الطبية.

وباء انفلونزا الخنازير كشف النقاب ليس فقط عن عورة أصحاب القرارات في قيادة وزارة الصحة وفي الحكومة بل وايضا، وربما اساسا، عن التشوش وعن سياقات التفكير العقيمة لمعظم الاطباء. بالنسبة لعناصر الحكم سبق ان كتب غير مرة بان الفزع هو مرشد سيء جدا لاتخاذ القرارات. عندما اتخذ القرار العاجل بشراء التطعيمات، بثمن مبالغ فيه، لكل السكان، كان واضحا بان وتيرة انتشار الوباء بطيئة جدا ومعدل حالات الموت ليس استثنائيا بالقياس الى مواسم الانفلونزا العادية.

الاحصاءات الاساسية تدل على أنه في حالات من هذا النوع، اذا كان نحو 40 في المائة من السكان قد تلقوا التطعيمات، فان الوباء يتوقف. في ظروف انعدام التطعيم (مثلما كان في استراليا ونيوزيلندا) فان كل مريض يعدي بالمتوسط 1.5 من الاشخاص. اذا كان في محيطه بعض من الاشخاص الذين تلقوا التطعيم ومعدل العدوى انخفض الى ما دون 1:1، فان عدد الحالات الجديدة يقل باستمرار الى أن يتوقف الوباء. كما أنه كان ينبغي ان يكون معروفا لاصحاب القرار بانه لن يكون ممكنا ابدا ان يوافق كل السكان على تلقي التطعيم. عمليا تم شراء كمية كبيرة من التطعيمات، وعندما لم تصل هذه، فان أول من تردد في تلقي التطعيمات كان رجال الحكومة.

الشائعات بشأن الاعراض الجانبية الشديدة للتطعيم، والتي اكتسبت لها مجالا في وسائل الاعلام الالكترونية، وجدت اذنا صاغية لدى العديد من الاطباء الذين لم يكلفوا نفسهم عناء قراءة المقالات الموثوقة التي نشرت في أفضل المجلات الطبية في العالم وتحدثت عن الاف عديدة ممن تلقوا التطعيم بنجاح دون اعراض جانبية استثنائية. عمليا، معدل الاعراض الجانبية جراء التطعيم ضد انفلونزا الخنازير أدنى منه في الانفلونزا الموسمية.

المثير للاهتمام والمحبط في هذه القضية هو أن تحليل مبررات الاطباء لعدم تلقيهم التطعيمات يظهر توزيعا للمعاذير يشبه جدا ذاك الذي في اوساط عموم السكان. بينها تبرز القصة التي تتراكض في الانترنت عن تعقيدات التطعيم، والتي ليس لها أي وجود، وكذا معاذير عقيمة مثل ليس لدي وقت، حساسية للبيض (فجأة يتبين أن ثلث الاطباء حساسون لزلال البيض) او وجود امراض اخرى. عمليا، معظم رجال الطب يمكنهم أن يتلقوا التطعيم دون أي مخاطرة وبذلك منع عدوى المعالجين لديهم وابناء عائلاتهم، اذا ما تعرضوا هم الى العدوى من المعالجين. الواقع المشوه هو أنه رغم الضغط الاجتماعي الذي مورس في المستشقيات، فان ثلث الاطباء فقط تلقوا التطعيم، وفي العيادات نسبة أقل من ذلك بكثير.

لحظنا، الوباء كان أخف بكثير مما قدره حتى المتفائلون من بين الخبراء وكل التحذيرات الشديدة لم تحصل حتى الان. ولكن اذا ما حصل ما هو غير متوقع ووقعت موجة اخرى من الوباء، سنجد انفسنا متلبسين بالجرم المشين، كون المعتقدات التافهة والخرافات قد تغلبت على العلم وعلى العقل السليم.

خسارة.

انشر عبر