شريط الأخبار

عندما استأسد بنو صهيون على أحفاد العثمانيين ..زهير أندراوس

06:13 - 16 تشرين أول / يناير 2010

عندما استأسد بنو صهيون على أحفاد العثمانيين ..زهير أندراوس

أولاً: من السذاجة بمكان الاعتقاد بأنّ الاعتذار الإسرائيلي الرسمي لتركيا عن الإهانة التي تعرض لها سفير أنقرة في تل أبيب ستُنهي الأزمة الدبلوماسية بين الدولتين، وقبل الخوض في غمار العلاقة بين الدولة العبرية والدولة التركية، لا بدّ من التشديد على أنّ الأتراك الذين يحترمون أنفسهم وشعبهم وأمتهم ودينهم الإسلامي لم يتوجهوا إلى المؤسسة الدينية لإصدار فتوى في ما إذا كان تصرف نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، داني أيالون مع سفيرهم، يمكن اعتباره إهانة أم لا، كما يفعل النظام الحاكم في مصر، الذي يتوجه إلى شيخ الأزهر، الشيخ الدكتور محمد سيّد طنطاوي، ويحصل على الفتاوى التي يريدها، لأنّ هذا الشيخ، هو مجرد موظف لدى نظام حسني مبارك، الشمولي والديكتاتوري والمتواطئ مع إسرائيل ومع الشيطان الأكبر في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، وهو على استعداد لإصدار الفتاوى التي تؤيد بناء جدار العزل العنصري المصري لخنق الفلسطينيين المحاصرين والمجوعين في قطاع غزة، متناسياً عن سبق الإصرار والترصد ما جاء في القران الكريم: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً.

ثانياً: النظام التركي الذي وصل إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع الديمقراطية يسمح لنفسه أن يتصرف وفق منطقه ورؤيته لأنّه يتلقى الدعم الكامل من الشعب الذي أوصله إلى سدة الحكم، ومن المؤسسة العسكرية القويّة في هذه الدولة، وبالتالي فإنّه لقنّ الدولة العبرية درساً لن تنساه بسرعة في العلاقات الدولية وفي الأعراف الدبلوماسية وفي قضايا الكرامة الذاتية والكبرياء والعنفوان والانتماء، هذه القضايا التي باتت ماركة نادرة جداً في الوطن العربي، طلب الرئيس التركي، عبد الله غول، وحصل على اعتذار رسمي من هذه الدولة المارقة التي حاولت الاستئساد على أحفاد العثمانيين، وسلك وفق المبدأ المعروف كيف تُعامل (بكسر الميم) تُعامل (بفتح الميم). ويمكن قراءة الاعتذار الإسرائيلي بأنّ الأتراك تعاملوا مع هذه القضية بحسب المنطق الذي يُحتّم عليهم أن يعاملوا دولة الاحتلال باللغة التي تفهمها.

ثالثاً: لقد حاولت الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس باراك حسين أوباما، احتواء الأزمة وهبّت لنجدة ربيبتها إسرائيل، ولكنّ الأتراك رفضوا هذا التدخل في شؤونهم الداخلية وذّكروا أوباما بأنّ الاستطلاعات الأخيرة التي نُشرت في أمريكا، قائدة الإمبريالية العالمية، تؤكد على أنّ شعبيته وصلت إلى الحضيض، أي إلى أدنى نسبة منذ أن تسلم مقاليد الحكم، الأتراك أبلغوا الإدارة الأمريكية بأنّ الحديث هو عن أزمة عميقة في العلاقات مع الدولة العبرية، وليس عن صلحة عشائرية بين دولتين، وهذا الفشل الأمريكي يمكن اعتباره أنموذجاً لفشل سياسة أوباما في منطقة الشرق الأوسط، فحتى اليوم لم تتمكن إدارته من إقناع حكومة نتنياهو- ليبرمان، والعكس صحيح، بإزالة حاجزٍ واحد في الضفة الغربية المحتلة، لا بل أكثر من ذلك، فإنّ هذه الإدارة الجديدة، تُلغي صفقات أسلحة مع دول محور الاعتدال العربي: المملكة العربية السعودية، مصر والإمارات العربية المتحدة، وهذه الصفقات تمّ التوقيع عليها في عهد الرئيس السابق، جورج بوش لصد التغلغل الإيراني، ولكنّ أوباما ارتعدت فرائضه عندما رفع اللوبي الصهيوني واليهودي رأسه وكشّر عن أنيابه معارضاً لإخراج هذه الصفقات إلى حيّز التنفيذ لأنّ من شأنها أن تضر بتفوق إسرائيل العسكري النوعي في المنطقة.

رابعاً: الكاتب والباحث في صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية، ألوف بن، كشف النقاب يوم الأربعاء (الثالث عشر من شهر كانون الثاني/ يناير الجاري) عن أنّ الفخ الذي نصبه نائب وزير الخارجية داني أيالون للسفير التركي في جلسة 'التوبيخ' كان بالاتفاق مع وزير الخارجية، أفيغدور ليبرمان، ومع رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الذي قال في جلسات مغلقة، وفق الكاتب الإسرائيلي، إنّه يدعم تصرف الخارجية الإسرائيلية دعماً مطلقاً، علاوة على ذلك، نقل بن عن مصادر عالية المستوى في تل أبيب قولها إنّ رئيس الوزراء، نتنياهو، عبّر في جلسات مغلقة عن قلقه الشديد من توجه تركيا نحو توطيد علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومع سورية، وزاد نتنياهو قائلاً إنّه خلال السنتين الماضيتين تقوم تركيا بشكل منهجي وحثيث بتوطيد العلاقات مع طهران ودمشق، بدل أن تقوم بتوطيد علاقاتها مع الدول الغربية، وتوجه تركيا نحو هاتين الدولتين، يقلق الدولة العبرية بشدة، على حد وصفه، وهذه الأقوال تؤكد بشكلٍ غير قابلٍ للتأويل بأنّ إسرائيل أرادت من وراء إهانة السفير التركي توجيه رسالة لأنقرة بأنّها غير راضية عن سياستها الخارجية، معتقدةً بأنّ الدولة التركية، هي دولة عربية أخرى تتلقى الأوامر من واشنطن وتل أبيب، وكان الرد التركي بمثابة صفعة مجلجلة لدولة الاحتلال.

خامساً: الاعتذار الإسرائيلي هذا ربما يخفف قليلاًً من حدة التوتر في العلاقات بين البلدين، ويمنع تفاقم الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، ولكنّ تركيا تشهد في الآونة الأخيرة تحولاً إستراتيجياً في سياساتها الخارجية، وبدأت تتجه نحو عمقها الإسلامي والعربي أيضاً، بعد أن توصلت إلى نتيجة مفادها أنّ أبواب الاتحاد الأوروبي أوصدت أمامها، بشكلٍ تامٍ، لأنّه على ما يبدو، أوروبا التي أنتجت الفاشية والنازية، ما زالت أسيرة هذه المعتقدات وترفض إدخال دولة مسلمة إلى نادي العرق الأبيض، المقصور على أبناء القارة العجوز. مضافاً إلى ذلك، توصل صنّاع القرار في أنقرة إلى النتيجة الحتمية بأنّ العلاقات مع إسرائيل لم تساهم في فتح باب الاتحاد الأوروبي، لا بل ربما العكس، عادت سلباً على تركيا.

سادساً:التصرف التركي الحكيم في هذه القضية هو مدعاة للفخر والاعتزاز لكل عربي ولكل مسلم في أرجاء المعمورة، فقد أعاد الكثير، على الرغم من رمزيته، من الكرامة للعالم الإسلامي وللمسلمين في العالم، وكنّا نتمنى على الدول العربية أن تحذو حذو تركيا، وأن تتعامل بنديةٍ مع الدولة المارقة، إسرائيل، ولكن للأسف الشديد، فإنّ الأنظمة العربية غارقة من أخمص قدميها حتى رأسها في التعامل مع هذه الدولة، ولا نتحدث فقط عما يُسمى بدول محور الاعتدال، إنّما نتحدث أيضاً عن الدول التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع الدولة العبرية مثل اليمن، فكيف يمكن أن نُفسّر لأنفسنا قيام بعثة خبراء 'زراعيين' من دولة الاحتلال خلال الأسبوع الأخير بزيارةٍ رسميةٍ إلى اليمن وتعليم المزارعين هناك كيفية التعامل مع الأرض؟ هل هذه بعثة زراعية أم بعثة لزرع عملاء الموساد في اليمن السعيد؟

سابعاً: وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، الذي تمكن منذ استلامه رئاسة الدبلوماسية الإسرائيلية من عزل نفسه ودولته عن العالم الخارجي بسبب مواقفه الفاشية، شنّ هجوماً سافراً على السفراء الإسرائيليين في جميع أصقاع العالم، وذلك في مؤتمر السفراء، الذي أنهى أعماله نهاية الأسبوع المنصرم، وبحسب صحيفة (هآرتس) العبرية فقد هاجم ليبرمان السفراء وطالبهم باتخاذ مواقف صارمة في الدول التي يخدمون فيها، والتوقف عن ما أسماه سياسة الخنوع، والخضوع وإهانة أنفسهم أمام الأغيار، أي غير اليهود، مشدداً على أنّ الدبلوماسية الإسرائيلية في الفترة الأخيرة تعتمد خط الهجوم الناري على دولٍ مثل السويد، تركيا، سويسرا، بريطانيا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية. وفعلاً كما يقول المثل: 'من أول غزواته كسر عصاته'، فقد حاول أن ينتهج هذه الطريقة مع الأتراك، ففشل، ولكن ماذا تريدون من هذا الفاشي الذي يصف رئيس الوزراء نتنياهو بأنّه خرقة بالية وغبي ومنبطح أمام العالم ومسحور بالعودة إلى طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين؟ فإذا كان يصف رئيسه بهذه الألقاب البذيئة فلا عجب أن تتحول إسرائيل إلى دولة منبوذة، وعن ليبرمان يُقال من وجهة نظرنا: الإنسان الملائم في المكان المناسب.

 

' كاتب من فلسطين

 

 

انشر عبر