شريط الأخبار

صناعة العبيـــد .. أيمن خالد

07:59 - 01 تشرين أول / يناير 2010

بقلم: أيمن خالد

نحن أمة نجحنا إلى حد كبير في صناعة العبيد، وقمنا بتحويل حرائر أبنائنا إلى مجرد عبيد يخدمون هذا الحاكم أو ذاك، ولعل اغرب ما في عبيد العصر أنهم يظنون أنهم في غاية الحرية، وبينما نحن كذلك يصبح هذا اللون الجميل وهذه الأنشودة التي نغنيها على طريق طويل مجرد وهم نتعلق به، فالناس عبيد للسلطة، هذا عبد لحاكم وآخر عبد وراء هذا، وما اغرب أن يكون الإنسان عبدا صغيرا تابعا يمارس عبودية من نوع خطير، ولكنه لا يعلم انه مجرد عبد وانه أكثر عبودية من ذلك العبد القن، الذي يكون مستعبدا في جسده، فيؤدي عملا مقابل هذه العبودية، غير أن عبيد العصر هم مستعبدون في أفكارهم، وبالتالي يتحولون إلى قتلة ويمارسون شتى أنواع الظلم على غيرهم من الناس وهم يتوهمون أنهم يفعلون خيرا، وذلك لأنهم تم استعباد أفكارهم، فتحولوا إلى أدوات فحسب، وتلك أبشع أنواع العبودية.

الحكام المعاصرون استفادوا من أفكار العصر، فالسلاطين عموما هم أكثر الناس استفادة وتنعما بنعم كل عصر، وكانت من نعم العصر على الحكام أنهم اكتشفوا أن الناس تتداول أفكارا ولا يعلمون أن هذه الأفكار ستكون وسيلة لاستعبادهم وتكبيلهم وتحويلهم إلى مجرد أدوات تنقاد بيد الحاكم من جديد ولا تخرج عنه.

مطلع العصر الحديث شهد العالم تحولات فكرية كبيرة، مصدرها ليس بلاد العرب، ولما تحول العرب إلى مقلدين لا يثقون بما لديهم فقد استوردوا الفكرة، والأساس الذي نتحدث به، هي فكرة هدم القبيلة أو العشيرة وصولا إلى الحالة التي نعيشها، حيث أقنعنا أنفسنا أن هذه القبيلة احد مظاهر التخلف وان التخلص منها نقطة لا بد منها للوصول إلى حالة من الحرية المنشودة، التي بالنسبة لنا كأمة عشنا طويلا نحلم بها ليس من عدونا فحسب بل من بعضنا البعض وسطوة حكامنا علينا.

ضحك سن السلاطين من هذه الأفكار، وسمحوا للأحزاب بالمناداة بها، وهكذا في كل بلاد العرب والحمد لله، أصبحت الكتب المدرسية تبدأ نهارها بتدريس فكرة مفادها إن من مظاهر التخلف وجود القبيلة في حياتنا وان الأمة، لم تعد بحاجة إلى نظم القبيلة لكي تعيش وتستمر، في القرن الحالي، وان القانون والدستور والحمد لله كاف واف يمكنه أن يكون قانونا للجميع ويحمي حقوق الأفراد كلهم بالتساوي.

هذا بالطبع كلام جميل براق، وقد تحول بين برهة، إلى مجرد نظرية ينادي بها كل السلاطين، وقاموا بتجييش الأقلام كلها للترويج له، ولعلنا اليوم لا نجد من يقف ضد هذه الفكرة، فهي ظاهرا شفافة تلامس عذوبة المياه، لكنها جوهرا، هي ماساتنا، وما كان السلاطين ليجمعوا رشدهم على أمر فيه صلاح الناس، لكن ما جرى أن استعباد الناس الثاني كان من هنا فحسب.

الدستور والقوانين التي مارست هدم القبيلة هي ذاتها التي أبقت قبيلة واحدة ممنوعة من الصرف والهدم، بل حمتها وحفظ دستور العرب على اختلافه، عدم المساس بالحاكم، فاستوجب المنع أيضا أن تكون قبيلة الحاكم في منعة من أن تصلها أيدي الناس، وبالتالي ما فعلناه بأنفسنا، أننا فقط قمنا بحل القبيلة، ونسفها مقابل بقاء قبيلة السلطان، الذي بالتالي وجد في ذلك خير معين له على حكمنا واستعبادنا لأننا كنا في قبائلنا جماعات وأصبحنا الآن فرادى متساوين أمام القانون في تنفيذ الطاعة، وليس في الحقوق لان قبيلة السلطان يحق لها ما لا يحق لغيرها، فكأننا وفق نظريتنا الحديثة هدم القبيلة، إنما فقط قمنا بإرساء دعائم لحماية سلاطين العصر، ما كانوا يحلمون بها أبدا.

تحويل القبائل إلى فرادى أضاع سلطة الناس، وأضاع قوة ردعهم ولم يعد السلطان يخشى تجمعا واضحا يضطر إلى استمالته، والأخذ بالحسبان منه، وهو لم يدفع بالأمة نحو وعي جديد وروح أفضل، بمقدار ما قيد قوتها وجبروتها لصالح مؤسسة نمت على ضريح القبيلة هي المؤسسة العسكرية، التي هي في العرف العلمي والعقلي مؤسسة رائدة هي أساس الدولة، في زمن لم تعد للقبيلة فيه أي قيمة، في صناعة قوة ومجد أي بلد، وهو كلام صحيح نظريا، ولكن هناك مسألة، وهي انه ليس كل ما يصح نظريا، يمكنه أن يكون أساس الحياة المادية للبشر.

أريد أن ارجع إلى القبيلة بمفهوم سير خطاها، فلم تكن هناك قبيلة سيئة بالمطلق على مدار تاريخنا، وظلت القبيلة هي المؤسسة الأولى التي ترعى شؤون الناس وتشعر بهم لان وحدة الدم منحت هذه القبائل نوعا من التعاضد، حال بين تفرقها. ومن ابرز معالم الإسلام انه منع التبني وحافظ على الدم وصحة النسب، وظل مفخرة للعرب، ولا اعرف كيف يحافظ القران الكريم على صحة الأنساب ونحن نطوي هذه الفكرة التي تعني تعاضد المجتمع، خصوصا وان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، حث على أن يكون أول المعروف بالأقربين منك أيها الإنسان المسلم، والقران الكريم طالب بالاهتمام بالقربى وإنصافهم ووضع قوانين الميراث، وهذه القوانين بالذات إنما تقوم على أساس درجة القربى من النسب، وإذا كانت القبيلة تستأثر بالأمر تاريخيا فوجود قبائل ثانية كان يصنع توازنا بين الناس، ولكن اليوم، لا يوجد سوى قبيلة واحدة، هي قبيلة الحاكم، وهناك قبيلة من اللقطاء يتم صناعتهم على طرف القبيلة الحاكمة، وقبيلة اللقطاء هي لقطاء القبائل الأخرى، فعند غياب سطوة القبيلة ودورها، يذهب بعض أفرادها ليكونون أعوانا للرجل القوي الذي هو الحاكم، فالعرب عمليا تحكمهم غالبا قبيلة السلطان، ومعها لقطاء بقية القبائل، ومع الأسف يكون هؤلاء اللقطاء هم الجيش، أي المؤسسة الأساسية التي تقوم عليها الدولة وبالطبع بقية ملحقاتها مثل الأمن والشرطة وغيرهم.

نحن عمليا لا يحكمنا دستور، فالقبيلة الخاصة بالحاكم في رفاهية تامة، والجيش الذي هو لقطاء القبائل، يصنعه الولاء والقرب من القبيلة الحاكمة، وبالتالي يصبح هؤلاء اللقطاء الذين سمهم ما شئت، حماة الأمة.. حماة البلاد .. هؤلاء مجرد عبيد يعملون على تحويل الشعوب إلى عبيد للسلاطين،  والمشكلة أننا نهتف للوطن، ونتوهم انه هذه اللعبة جميلة، ونحلم أحلاما رائعة في وطن عربي كبير.

نحن نعيش في وهم كبير، فالأساس الذي نحن فيه، هو ميراث الإسلام، فالإسلام حافظ على القبيلة، وجعل قاعدة خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا قاعدة بناء عظيمة، وبالتالي أحاطت الحكام نخب القبائل ورؤوسها، فكان لهم دور في صناعة الرأي بما لا تكون الأمة تحت سطوة مطلقة، بينما يحيط بحكام العصر سفهاء القبائل، دفعا للمصلحة، بما يمنع توازن الأمة، أو حتى يترك الصراع بداخلها بما ينقلها لما هو أفضل.

الإسلام يقوم على الولاء لله تعالى، بدأ  دعوته بدعوة الأفراد إلى دين الله تعالى ثم نقل الدعوة إلى القبائل فباتت الدعوة تصل القبيلة، وبات دور القبيلة مهما في صناعة الدعوة، وربما هذه تحتاج إلى دراسة خاصة من الأحزاب الإسلامية المعاصرة، التي تبني قاعدة الولاء أولا للحزب الحاكم، وتظن وتتوهم أن فكرة الدولة هي الأساس الصالح لإعادة بنية الأمة، وهي تعيد بناء الأحزاب الإسلامية على ذات القاعدة التي بنى الحكام عليها عروشهم.

الآية الكريمة:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).هذه الآية، يتم طي التعلم منها في لحظة، وتتحول الأمة، لتعيش وفق منهجية جديدة، فهي تريد طي القبيلة ودورها في حياة البشرية، وهو دور شغلته القبيلة منذ فجر التاريخ، ولم يكن الناس أفرادا يعيشون حياتهم من ذكر وأنثى فقط، غير أن الجهل استبد بالأمة، ورضيت به فأثقلت على نفسها، وكذلك هي الأمور الجسام، تبدأ من توهم القادة أن بمقدورهم استبدال حياة البشر، وهو توهم يوصل القادة والزعماء إلى شغل دور الآلهة، لا دور الملوك، وبالتالي تصبح الفكرة التي تعيش الأمة عليها كبرت أم صغرت، هي من نتاج رجل عادي تسلم سلطان امة، وله تدين الناس بالطاعة العمياء بكل ما أراد.

ما أراه وما اعرفه أن كل القبائل العربية أنسابها واضحة وثابتة، وأن الأنظمة على اختلافها مجهولة النسب، يطوف حولها لقطاء القبائل، هم عبيد، ويصنعون مزيدا من العبيد.

صحيح أن من يحمي أي إنسان في أي بلد هو القضاء، وان المعضلة في حياتنا عدم استقلالية القضاء وتبعيته، بما يوقع الظلم على بعض ويحمي البعض، ولكن في ظل امة كلها عبيد، ويحيط بها اللقطاء من القبائل، فمن هو الذي سيحمي القضاء ويجعله بالتالي حصنا منيعا حاميا؟؟

هذا جوهر سؤالنا.

انشر عبر