شريط الأخبار

دراسة : أخطار واحتمالات – مرحلة الحلول المرحلية*

02:34 - 31 تموز / ديسمبر 2009

دراسة : أخطار واحتمالات – مرحلة الحلول المرحلية*

بقلم: عوديد عيران

* تقدير استراتيجي  – المجلد 12 – 2009، معهد بحوث الامن القومي.

        قبيل نهاية العقد الاول من القرن الواحد والعشرين تكثر علامات السؤال المتصلة باستقرار غرب آسيا. ان الولايات المتحدة وحلفاءها في افغانستان بعداء عن تعريف جهودهم في هذه الدولة على انها "نجاح". وقدرة الحكومة المركزية في الباكستان على الحكم وقدرتها على الحفاظ على الدولة كوحدة واحدة مشكوك فيهما، ومعهما ايضا القدرة على منع سقوط جزء من المخزون الذري في أيدي مسلمين متطرفين. ان خطر تسرب معلومات ومواد خطرة الى منظمات ارهابية قواعدها اليوم في مناطق ليست في حدود افغانستان – باكستان فقط آخذ في الازدياد.

        تتقدم ايران بلا عائق في طريقها الى القدرة على تخصيب تام لليورانيوم، ويفضي بها ذلك قريبا من القدرة على انتاج سلاح ذري. تتجاهل ايران ثلاثة قرارات لمجلس الامن وجهود الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة لوقف نشاطها الذري والصاروخي. ان التأليف بين هذا النشاط وتأييد المنظمات داخل الدول المسلحة في المنطقة، اي حماس وحزب الله، اصاب النظم العربية في منطقة الخليج العربي وفي الشرق الاوسط بخوف وتوقع عملية تنهي سباق تسلح ايران الذري. تنجح ايران بنشاطها الذري، ولا سيما بواسطة العلاقة الوثيقة بسورية وحماس وحزب الله، في ان تملي جدول العمل في الشرق الاوسط. ويمكنها تأييدها وحدها غير المحدود لهذه الجهات من أن تؤثر ايضا في تقدم ممكن للمسيرة السلمية الاسرائيلية – العربية.

        يتوقع في العراق في السنة القريبة بدء انسحاب القوات الامريكية. من شبه المحقق انه سيكون لهذا الانسحاب آثار على استقرار العراق واستقرار المنطقة ايضا. قد تبلغ الامواج الارتدادية ايضا دولا لا حدود لها تماس العراق. ويثير على نحو خاص تأثير الانسحاب في مكانة ايران الجغرافية – السياسية في المنطقة وفي طريقة نظر دول المنطقة الى الولايات المتحدة. في الحقيقة ان انخفاض اسعار النفط انخفاضا شديدا زاد من تعرض ايران للاصابة لكنه يضعف الدول العربية المعتدلة ايضا. هذه باختصار هي معطيات البدء للادارتين الجديدتين في اسرائيل والولايات المتحدة. فهاتان تواجهان قرارات حاسمة سياسية – أمنية، ستكون لها آثار بعيدة الامد في مستقبل الشرق الاوسط. ستقوم في مركز الحوار المتبادل بين الولايات المتحدة واسرائيل هذه الاسئلة وكذلك مستقبل المسيرة السلمية الاسرائيلية – العربية.

        تطورت فكرة الحل على اساس دولتين للشعبين لتصبح مبادرة سياسية مع اعتراف الحركة القومية الفلسطينية بحق اسرائيل في الوجود كدولة ذات سيادة (1988). منذ ذلك الحين فشلت الجهود الثلاثة لترجمة الفكرة الى الواقع. كان اتفاق اوسلو (1993) اتفاق اطار لم يعالج الحل نفسه وان كان قد اشار اليه. وأديرت المفاوضة نحو كامب ديفيد وفي كامب ديفيد وكذلك الاتصالات بعدها (2000-2001)، ولا سيما مبادرة كلينتون، على اساس الافتراض الواضح بأن تنشأ دولة فلسطينية على أثرها. في منتصف العقد الحالي، تقرر مصطلح "دولتين للشعبين"، وتمت على أساسه المحاولة الثالثة – التي بدأت في تشرين الثاني 2007 في المؤتمر الدولي في انابوليس في الولايات المتحدة.

        فشلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية – التي نشبت في نهاية سنة 2000 – اذا كان قصدها احراز خروج القوات الاسرائيلية من مناطق يهودا والسامرة. في مقابلة ذلك سبب الارهاب في مدن اسرائيل المركزية قطيعة مطلقة بين اسرائيل وهذه المناطق. نشأت القطيعة على أثر انصراف الاسرائيليين عن المدن الفلسطينية المركزية، وقويت وأيدها الجدار ونظام وسائل أخرى أنشأت حاجزا ماديا. وبهذا وبغير وعي اخذت تشتد معضلة اسرائيل المزدوجة. المعضلة الاولى: اذا كانت رغبة الكثرة في اسرائيل هي الحفاظ على تميز الدولة اليهودي والديمقراطي، فانها لن تستطيع تحقيق هذه الرغبة مع السيطرة على شعب آخر او مع اعطاء سكان عرب يتصلون بالسكان العرب داخل اسرائيل حقوقا مساوية. والمعضلة الثانية التي تنبع من الاولى هي: كيف تحقق فكرة دولتين للشعبين في حين ان القوى الاسلامية المتطرفة في المجتمع الفلسطيني اخذت تقوى، وبعد ان سيطرت على قطاع غزة تهدد بفعل ذلك في الضفة الغربية ايضا. لا يستطيع حتى اولئك الذين يؤيدون حل دولتين للشعبين تجاهل الاخطار والمخاطرات التي ستتكلفها اسرائيل اذا سلمت لاقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة في حدودها الجنوبية وحدودها الشرقية.

        ان التأليف بين جدار هو عائق حقيقي للقدرة على تنفيذ اعمال ارهابية في اسرائيل وبين نشاط احباط اخر داخل يهودا والسامرة قد اثبت نفسه. وهو قد صرف وأبعد المشكلة الفلسطينية وأقل الضغط لوجدان حل بعيد الامد لنظام العلاقات بين اسرائيل والكيان الفلسطيني. يصعب افتراض ان تتبنى الحكومة الجديدة في اسرائيل (آذار 2009) التفاهمات التي توصل اليها المفاوضون الاسرائيليون السابقون. في مقابلة ذلك لن تمكن الضرائر التي دفعت اليها السلطة الفلسطينية، لن تمكنها من اتخاذ قرارات قاطعة في شأن التسوية الدائمة، حتى لو عبرت حكومة اسرائيل الجديدة عن استعداد للاستمرار على التفاوض من النقطة التي وقف عندها. مع هذه المعطيات يجب على الادارة الامريكية ان تقرر كيف تواصل المسيرة، والظروف كما وصفت غير مشجعة. ان الاخفاق الثلاثي – لاوسلو وكامب ديفيد وانابوليس – ليس حافزا على المبادرة في المستقبل القريب الى محاولة رابعة على أساس نفس الفرض الاساسي، وهو انه يمكن التوصل الى تسوية دائمة للنزاع الاسرائيلي – الفلسطيني. هذه مخاطرة يجب ان تمتنع عنها الادارة الجديدة المثقلة بمشكلات اخرى – من افغانستان الى العراق وايران.

        ستضطر الادارة الجديدة في الولايات المتحدة، التي وعدت بعلاج كثيف لهذه القضية، ان تزن أليس افضل ان تجد سبيلا تحدث تقدما تدريجيا نحو التسوية الدائمة القائمة على مبدأ دولتين للشعبين. الحقيقة ان الادارة الجديدة في اسرائيل لم تلتزم هذا المبدأ، لكنها تعبر عن استعداد لتقديم التفاوض، وعبر رئيس الحكومة عدة مرات عن رغبته في تحسين وضع السلطة الفلسطينية الاقتصادي، وبين في خلال ذلك انه لا يرى ذلك بديلا من التفاوض السياسي. يمكن هذا التعريف الغامض من ابداع كبير مع تحديد متصل من قبل الولايات المتحدة لمجالات المرونة السياسية للطرفين – الفلسطيني والاسرائيلي.

        في الوقت نفسه ستحتاج الادارة الى ان تقرر مبلغ الاهتمام الذي تستطيع تخصيصه لاستنفاد المسيرة السياسية بين سورية واسرائيل. في هذه الحالة ايضا شروط البدء لا تبشر بعمل سهل. منذ التفاوض المباشر الاخير في سنة 2000 اخذت تقوى الصلة الايرانية – السورية التي تقوي ايران بواسطتها حزب الله. في الان نفسه زادت سورية قوتها في مجال الصواريخ الدقيقة، وتغيرت مطالب اسرائيل الامنية في العقد الماضي. اعلن رئيس الحكومة الجديد في اسرائيل في المعركة الانتخابية ان "جملا لن تسقط ثانية"، وقيل في البرنامج السياسي للشريكة الكبرى "اسرائيل بيتنا" ان التفاوض مع سورية سيتم على اساس "السلام مقابل السلام". لا يزال رئيس سورية بشار الاسد خلافا للقيادة الاسرائيلية يعلن برغبته ان يجدد من الفور التفاوض للتوصل الى اتفاق في زمن قصير.

        اذا جدد التفاوض فستطلب اسرائيل الى سورية اتخاذ قرارات حاسمة مثل الانفصال عن ايران وعن كل ما يتصل بكونها حلقة مركزية في نشاط ايران التآمر في المنطقة، ويثار السؤال هل سيريد الاسد اتخاذ هذه القرارات قبل اتضاح الخريطة الاستراتيجية في الشرق الاوسط على اثر انسحاب القوات الامريكية من العراق والحوار الايراني – الامريكي. ونقطة اخرى لا يستهان باهميتها، هي مكانة الولايات المتحدة في التفاوض اذا جدد بين سورية واسرائيل. في الجولة الاخيرة لعبت تركيا دور الوسيط في التفاوض غير المباشر. فسيقتضي نقل العصا الى يد الولايات المتحدة التوصل الى تفاهم مع تركيا لمنع احتكاك لا داعي له مع دولة اظهرت حساسية بما يبدو مسا بمكانتها في الشرق الاوسط.

        يتبين مما قيل على المسيرة السلمية في الشرق الاوسط وخروج القوات الامريكية من العراق ان لايران مكانة مركزية في قدرة الولايات المتحدة على ان تقود اجراءات مركبة بنجاح. من هنا يثار سؤال الا ينبغي قلب نظام الاشياء، أي التوصل الى ردع ايران ووقف نشاطها الذي يهدد نظم الحكم في المنطقة والمسيرة السياسية بين اسرائيل وجاراتها. ان نجاح الاجراءات لكف جماح ايران سيزيد في القدرة على المناورة ازاء الاطراف المختلفة في المسيرة السياسية ويضائل من صدود اسرائيل عن المخاطرة في ساحتي المسيرة السياسية. في مقابلة ذلك سيكون لعدم نجاح الحوار مع ايران تأثير سلبي ملحوظ في قدرة الولايات المتحدة على تصريف مسارات سياسية ولا سيما في مجال التسويات بين اسرائيل وجاراتها. عندما نفحص في هذا السياق عن الفروق بين مساري التفاوض يتبين ان الجانب الايراني يحتل مكانة مركزية في المسار السوري – الاسرائيلي، ولهذا يتبين أن علاجه واجب قبل دخول التفاوض من جديد. في مقابلة ذلك تأثيره اقل في المسار الفلسطيني ويمكن التقدم ايضا حتى لو لمن تعرف المسيرة على أنها تفاوض في تسوية دائمة تامة.

        ستحتاج اسرائيل والولايات المتحدة الى التوصل في مسار متقدم الى تفاهمات في موضوعات مركزية، ولا سيما في موضوع المستوطنات ومعنى استعداد رئيس الحكومة نتنياهو لتقديم التطوير الاقتصادي للسلطة الفلسطينية.  من المهم مع النشاط في المسار الاسرائيلي – الفلسطيني وكوزن معادل لنشاط ايران التآمري، تجديد النشاط الاقليمي في مجموعات عمل انشئت في مؤتمر مدريد في 1991. توجد أهمية لمسيرة كهذه في عدة صعد. فمن جهة يستطيع تجديد التعاون الاقليمي كما قيل آنفا ان يكون وزنا معادلا لنشاط ايران، ومن جهة اخرى يساوق هذا النشاط احد العناصر المركزية في المبادرة العربية من سنة 2002. برغم هذه المزايا قد تدفع حكومة اسرائيل والجامعة العربية ايضا الى وضع محرج اذا اقترحت المجموعة الدولية، بوساطة الرباعية مثلا تجديد نشاط عدد من مجموعات العمل الاقليمية على أساس قرارات مؤتمر مدريد والمبادرة العربية. قد تعارض اسرائيل تجديد عمل مجموعات العمل على أساس عدة مقالات في مبادرة السلام العربية تعارضها مثل الصيغة في موضوع اللاجئين الفلسطينيين، اما الجامعة العربية فقد تعارض تقديم الابدال لاسرائيل التي يتضمنها جعل مبادرة الجامعة العربية اساسا لتجديد مجموعات العمل الاقليمية. ان اسرائيل تؤيد تجديد التعاون الاقليمي، بل عينت وزيرا ذا مسؤولية عن هذا الموضوع، لكنها كما قيل آنفا لم تتبنَ المبادرة العربية كاملة. في مقابلة ذلك اشترطت الجامعة العربية التطبيع مع اسرائيل بانسحاب كامل الى خطوط 1967، وحل عادل لمشكلة اللاجئين واقامة عاصمة فلسطينية في شرقي القدس، وهي ترى ان عمل مجموعات العمل الاقليمية عنصر من عناصر التطبيع. لكن قد يمكن "ميزان الاشكال" خاصة المعروض ههنا من تقديم مسيرة ليست هي بديلا من التفاوض المباشر. لكنها تستطيع ان تقدم مسيرة حل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني.

        مع الجهود الدبلوماسية لتحديد نشاط ايران واحباطه تجب زيادة التعاون في مجال مكافحة الارهاب. بدأت جهود مصر التي جرى تعجيلها منذ بدء 2009 تؤتي ثمارها على صورة القضاء على محاولات تهريب سلاح الى قطاع غزة منشأها ايران. ان انضمام مصر الى محاربة فعالة لجهد ايران لتعزيز حليفاتها ذو شأن كبير لكونها اهم عنصر في طريق وصول ايران الى قطاع غزة.

        ينبغي أن نذكر في هذا السياق التحسين الدائم الذي يظهر لاداء قوات الامن، التي تعمل في عدة مدن فلسطينية مركزية. هذا التحسين الذي يكمن فيه احتمال كبير لنشوء قدرة فلسطينية على الحكم في الضفة، فسينشيء خطرا ما على اسرائيل لانها ستكون ملزمة ان ترد ردا ايجابيا على التحسين في طريقة لا تمس لا بزيادة قدرة السلطة الفلسطينية على فرض القانون ولا بمصالح امنية حيوية لاسرائيل. يظهر في هذه المرحلة ان العمل المشترك الفلسطيني – الاسرائيلي هو الذي يمنع جعل يهودا والسامرة مركزا لنشاط تآمري كما حدث في سني الانتفاضة الثانية الاولى. لكن كلما عزز جهاز الحكم وفرض القانون في السلطة الفلسطينية سيزداد الضغط على اسرائيل لمضاءلة مقدار نشاطها المباشر في الضفة.

        الاردن هو حلقة حيوية اخرى في محور العمل في مواجهة ايران. قد تدفع الاحباطات الناجحة في شبه جزيرة سيناء ايران الى نقل نشاطها الى الاردن في محاولة لانشاء قناة امداد لحماس. ينبغي أن نفترض ان السلطات الاردنية متنبهة لهذا الامكان ومستعدة له كما ستفعل اسرائيل ايضا.

        ان الحوار الايراني – الامريكي، اذا بدأ، قد يثمر نتائج غامضة لا تلبي مطالب اسرائيل لان تمنع ايران تماما من القدرة الذرية العسكرية اذا استقر رأيها على ذلك. ان نتيجة ممكنة كهذه هي موافقة الولايات المتحدة على استمرار التخصيب في ايران مع التزام ايران عدم الانتقال الى مرحلة انتاج سلاح نووي وترتيبات رقابة وثيقة. تشبه هذه النتيجة "النموذج الياباني". وهي ستجعل اسرائيل تواجه معضلة صعبة جدا. فكل حل سيكون مقبولا عند الولايات المتحدة وسيكون مقبولا عند الجماعة الدولية ايضا، كذلك سيصعب على الدول العربية ولا سيما تلك التي على شاطىء الخليج العربي، ان تنتقده علنا. من جهة اسرائيل سيكون هذا حلا لي سهلا، وقد تجد نفسها في وضع تخسر فيه تسويغ عملية مستقلة في مواجهة ايران. وكذلك سيطلب اليها ثمن سياسي على صورة تنازلات في ساحة النزاع الاسرائيلي – العربي.

        الصورة المجتمعة هي صورة سلسلة تحديات ممتدة من باكستان الى شاطىء البحر المتوسط. المشترك لاكثرها هو عدم القدرة على التوصل الى حل تام مرضٍ، واذا كان هذا الاستنتاج صحيحا، فانه في التنبؤ الاكثر تفاؤلا، كل ما نستطيع توقعه هو حلول جزئية، تمكن من اقرار جزئي للوضع وتترك أمل ان تنشأ ظروف اكثر ايجابية للتقدم نحو حلول تامة ذات حيوية في الامد البعيد. بسبب الاخطار العظيمة التي تكمن في الوضع الحالي، وضع اختلال شؤون الباكستان وتسرب مواد خطرة الى منظمات الارهاب، واختلال الوضع في العراق وما حوله واشتعال آخر في جبهة النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي أو اللبناني – الاسرائيلي، ترى الحلول الجزئية ايضا مطلوبة.

 

انشر عبر