شريط الأخبار

هكذا نُفشل جدار مبارك .. رشاد أبو شاور

12:05 - 30 تشرين أول / ديسمبر 2009

بقلم: رشاد أبو شاور

لم يعد هناك شّك أن نظام مبارك حليف للإدارة الأمريكيّة والكيان الصهيوني في الحرب على الشعب الفلسطيني، والتي تستهدف تركيعه، ودفعه للقبول بتصفية قضيته، والتخلّي عن المقاومة نهائيا، والقبول بكّل ما يُفرض عليه بخنوع وذلّة واستكانة.

لعلّ منافقي مبارك وطاقم حكمه، من القيادات الفلسطينيّة المختلفة، يدركون الآن، وبخّاصة بعد الشروع في تنفيذ الجدار الفولاذي الإلكتروني التحت أرضي، والذي يلتف حول عنق قطاع غزّة بهدف خنق مليون ونصف المليون فلسطيني، يدركون أن نظام مبارك وريث نظام كامب ديفد أشدّ لؤما وتآمرا على الشعب الفلسطيني، وأبعد خطرا من سلفه السادات، وأن ما يفعله لا يقصد به خنق حماس، ولكنه يستهدف الشعب الفلسطيني كلّه، والقضية الفلسطينيّة جوهر الصراع وعنوانه مع الكيان الصهيوني والإدارات الأمريكيّة المتلاحقة التي تتوارث العداء لشعبنا وأمتنا.

لا يمكن لقطاع غزّة حتى وهو يحكم من قبل حماس أن يتهدد الأمن (الوطني) المصري، فحماس منهكة بمتطلبات عيش المليون ونصف فلسطيني المحاصرين، وبالتهديدات من العدو الصهيوني، ومن الصراعات الفلسطينيّة الداخلية التي لم تنته في القطاع والضفّة.

صحيح أن حماس امتداد لحركة الاخوان المسلمين، ولكنها ليست ذراعهم المسلّحة في الوطن العربي، وهذا لا ينفي دعم الاخوان المسلمين في العالم (لجهادها) المسلّح على أرض فلسطين، وهذا الدور برأيهم امتداد لمشاركتهم في الدفاع عن فلسطين عام 1948.

حماس ـ وهذا ليس دفاعا عنها، بل إنه نقد لها ـ تنتظر من أوربة والإدارة الأمريكيّة أن تحاوراها، بعد أن توقفّت عن المقاومة العمليّة، و..أعلنت أنها مع دولة فلسطينيّة في حدود الـ67، فهل في هذا الطرح تطرّف؟! أليس هذا هو الاعتدال المطلوب أمريكيّا، و(مصريّا)، وعربيّا رسميّا؟!

ادعاءات نظام كامب ديفد بأن الجدار الفولاذي الإلكتروني الذي تشرف على تنفيذه شركات أمريكيّة وفرنسيّة و(إسرائيليّة) أمر سيادي، ضحده رجال قانون يتمتعون بالكفاءة والمصداقية ومحبة وطنهم مصر، يتقدمهم الدكتور (عبد الله الأشعل)، الذي كتب مقالة قانونيّة ردّ فيها على ادعاءات النظام المصري، وكشف لاقانونيتها، لأن السيادة لا يجب أن تشكّل اعتداء على الجوار، دولة أو كيانا، والجدار يتهدد حياة الجوار ـ غزّة، وهذا ليس من السيادة في شيء.

نظام كامب ديفد أدى منذ خرج على قضايا الأمة دورا تآمريّا، ودوره التآمري الإجرامي في تدمير العراق يجب أن لا يُنسى، فهو قاد مؤتمر القمّة المزوّر، واستصدر قرارات وزّعت على الملوك والرؤساء باللغة الإنكليزيّة ـ كما أرسلتها إدارة بوش الإبن ـ وفرضت على المؤتمرين، فأفشلت السعي العربي للمصالحة، وبررت الحرب العدوانيّة التدميريّة على العراق.

فرض نظام مبارك على الرئيس عرفات توقيع اتفاقيّة القاهرة، وتطاول مبارك على عرفات بكلمات بذيئة مبتذلة غير لائقة، عندما تردد الرئيس عرفات في التوقيع على الإتفاقيّة المجحفة، وقد بلغت تلك العبارات آذان ملايين الفلسطينيين والعرب!

هذا هو خطاب نظام كامب ديفد، وتلكم هي ثقافته السياسيّة وأخلاقيّاته.

عمل نظام كامب ديفد على تحريض شعب مصر على الشعب الفلسطيني، بعد أن دهم فلسطينيّون قطاع غزّة الحواجز وعبروا إلى أهلهم في مصر، الذين استقبلوهم بالأحضان، وهو ما أرعب نظام الحكم الذي يخشى من عودة فلسطين لتكون قضيّة مصريّة.

شدد نظام كامب ديفد الخناق على أهلنا في قطاع غزّة قبل استحواذ حماس على السلطة، فبوابة رفح لم تكن مفتوحة أمام الفلسطينيين للعلاج والدراسة وتمكين الموظفين العاملين في الخليج من العودة إلى عملهم.

أين السيادة عندما يفرض نظام كامب ديفد على الفلسطينيين القبول بالكاميرات (الإسرائيليّة) التي تصوّرهم حتى وهم في (الحمامات) يقضون حاجاتهم؟ اين السيادة وهو يفرض على الفلسطينيين القبول بالمراقبين الأوروبيين؟

أين هي السيادة والأمن المصري لم يُسمح له بزيادة عدد أفراده للوقوف على الحدود المصرية الفلسطينيّة (الغزيّة) إلاّ بعد أن تحرّك الفلسطينيون واقتلعوا البوّابات الفولاذيّة؟!

أين هي سيادة (مصر) في حرمان جيش مصر من الانتشار في سيناء؟!

اين هي سيادة مصر في ظل سيطرة محطّات المراقبة الأمريكيّة في سيناء، والتي تخترق بعيونها الإلكترونيّة أحشاء مصر؟!

سيادة مصر تحققت عندما رفض الفلسطينيّون في قطاع غزّة أن يخضعوا لإدارة دوليّة بإشراف الأمم المتحدة، في أعقاب انسحاب قوّات الاحتلال الصهيونيّة، وفشل العدوان الثلاثي على مصر عام 56.

أهلنا في قطاع غزّة هدموا كل المؤسسات التي أقيمت، وكنسوا المواقع الدوليّة، وأعلنوا أنهم سيعودون كما كانوا قبل العدوان الثلاثي لإدارة مصر العربيّة بقيادة جمال عبد الناصر.

عندها قرر جمال عبد الناصر أن تعود الإدارة المصريّة بكامل أطقمها، وتعبر إلى غزّة، وعندما سأله حاكم القطاع السابق اللواء العجرودي : كيف نتحدى القرار الدولي يا ريّس؟

اجابه (الريّس) جمال عبد الناصر: أهل غزّة مسحوا القرار الدولي بأقدامهم.

هذا هو الشعب الذي يحاصره نظام حكم فاقد لأبسط شروط السيادة، بلا وزن عربيّا ودوليّا، نظام حكم بائس يشغل الأمة بلعبة (فطبول)، بينما مصر تتداعى فقرا وبطالةً وفوضى ونهبا.

التظاهرات على الحدود المصريّة الفلسطينيّة لن تجدي مع هذا النظام الوقح والفاجر. والبيانات والمناشدات الأخويّة لن تغيّر موقفه، فهذه طبيعته، وهذا دوره.

لا بدّ أن تتحوّل معركة مواجهة جدار كامب مبارك الذي سيحكم الحصار على أهلنا في غزّة، إلى معركة لكّل شعبنا، وجماهير أمتنا، في كل مكان.

وحتى يتحقق هذا الأمر، لا بدّ من أن تشارك كل القوى في غزّة في إدارة هذه المعركة، فلا تبقى وقفا على حماس.

أعود لتكرار بعض ما اجتهدت به سابقا، فأقول: لتشكّل قيادة وطنيّة موحدة تدير أوضاع أهلنا في القطاع، معيشيّا، وأمنيا، و.. توّحد قوّات المقاومة لتكون جاهزة للدفاع عن القطاع بقيادة واحدة.

لا ضرورة أبدا لبقاء ما يسمّى بالوزارة (المُقالة)، فالقيادة الوطنية أهّم، وهي ستفوّت الفرصة على نظام كامب ديفد وغيره، مّمن يُحكمون الحصارعلى القطاع، بحجة هيمنة حماس، وليبق ممثلو حماس في المجلس التشريعي.

ولتكن هذه مقدمة للانتقال للعمل في الضفّة مع كافة قوى المقاومة، للتصدي للاستيطان، وتوسيع عملية المقاومة الشعبيّة التي تخاض في بلعين ونعلين .

إنني أرى أن المقاومة المسلحّة في الضفّة لكنس الحواجز، والرّد على المستوطنين وتكبيدهم الخسائر المُكلفة، ستكون مقدمّة لمرحلة آتية لا ريب، تتأسس على انتصارات ميدانيّة، دون استعجال في عمليّات غير مدروسة تجّر علينا خسارات فادحة.

الكيان الصهيوني متورط بفضائح مدويّة، تتقدمها حربه على القطاع، واستخدامه للأسلحة المحرمة دوليا، وثبوت انتزاعه أعضاء من أجساد شهدائنا، والمحاكم التي بدأت تترصّد تحركات قادته في العواصم الأوربيّة بعد تقرير غولدستون، وهو ما يحتّم علينا أن نرسم استراتيجيّة تمكننا من هزيمة الاحتلال في الضفة والقدس، وإنقاذ شعبنا في غزّة من الحصار، بوحدتنا الوطنيّة ميدانيا، وهذا سيعني العودة بقضيتنا لأحضان أمتنا، واستعادة شعبنا لدوره وهيبته، و.. بداية نصرنا التاريخي الكبير الذي سيتوّج بتحرير وطننا فلسطين...

نحن لن نكون وحدنا، فمن انتصروا في لبنان انتصارين كبيرين هم اخوتنا ورفاقنا في السلاح. ومن يقاتلون في العراق هم أهلنا، ومعركتنا جميعا واحدة، وجوهرها فلسطين وإن كانت عناوينها كثيرة...

الرهان على كسر حصارغزّة، وبقاء الحال على حاله إضاعة للوقت، وانتظار لتنفيذ حكم الموت الذي يدبّره وينفذه أعداء شعبنا، وفي مقدمتهم نظام مبارك...

انشر عبر