شريط الأخبار

كتب هاني المصري: ماذا وراء الإعدامات في نابلس وغزة؟

04:28 - 29 تموز / ديسمبر 2009

بقلم: هاني المصري

لماذا قامت قوات الاحتلال باعدام متعمد وبدم بارد لثلاثة من المناضلين من كتائب شهداء الأقصى في نابلس أمام ذويهم وبدون أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم، رغم أنها كانت قادرة على اعتقالهم؟

وهل من المصادفة أن تقوم قوات الاحتلال وفي نفس اليوم باغتيال ثلاثة من عمال غزة في بيت حانون وهم غير مسلحين وكانوا يبحثون عما يمكن أن يسد رمقهم من خردة قديمة لتخفيف الجوع عن أسرهم في ظل الحصار الخانق الذي يعيشه قطاع غزة منذ سنوات؟

الجواب الإسرائيلي على هذين السؤالين كاذب وهو أن القوات الإسرائيلية كانت تدافع عن نفسها، وهي اضطرت لقتل أبطال نابلس لأنهم مسلحون وقاوموا عملية اعتقالهم ونفذوا عملية قتل المستوطن الإسرائيلي يوم الخميس الماضي، وقتلت العمال في بيت حانون لأنهم كانوا مسلحين ويحاولون التسلل لتنفيذ عملية عسكرية.

الجواب الفلسطيني على السؤالين المذكورين بأن عملية الاعدام الجبانة، وعملية الاغتيال الوحشية تندرجان في سياق تنفيذ السياسة الإسرائيلية التي تعتمد على القوة والتوسع والعدوان لتحقيق الأهداف الإسرائيلية. وتقوم على أن ما لا تحققه القوة يمكن أن يحققه المزيد من القوة. وأن الهدف الإسرائيلي الاستراتيجي من استخدام القوة هو "كي الوعي الفلسطيني" من خلال كسر إرادة الفلسطينيين ودفعهم للتعايش مع الاحتلال بدون مقاومة تمهيداً لقبول ما تطرحه إسرائيل من حلول تصفوية للقضية الفلسطينية.

فإسرائيل استغلت قتل المستوطن حتى تقوم باعمال عسكرية استعراضية دموية فظيعة تجعلها تحافظ على قوة الردع التي حققتها بعد عملية "السور الواقي" عام 2002 والتي نفذتها في الضفة الغربية، وعملية "الرصاص المصبوب" التي نفذتها أواخر العام الماضي وأوائل العام الحالي، في قطاع غزة.

إن الاحتلال يشعر الآن بعد عام على محرقة غزة أنه حقق انجازات غير مسبوقة دفعت عاموس يدلين المسؤول الأمني الإسرائيلي الى التفاخر، قبل أيام قليلة من عملية قتل المستوطن الإسرائيلي، بأن إسرائيل لم يسقط فيها أي قتيل مدني أو عسكري طوال العشرة أشهر الماضية، لا في الضفة الغربية ولا في غزة ولا داخل إسرائيل، وهذا يحدث لأول مرة منذ عشر سنوات. فإسرائيل لا تريد أن تبدد هذه الانجازات بعد عملية قتل المستوطن، بحيث تكون باكورة موجة مقاومة عسكرية جديدة، لذا جاء الرد الإسرائيلي سريعا ودمويا وجبانا.

فـ"إسرائيل" تريد أن يبقى الفلسطينيون في حالة هدوء، نتيجة ادراكهم أنهم سيدفعون ثمنا باهظا جراء أية عملية مقاومة، حتى يفكروا مليون مرة قبل أن ينفذوا عملية مقاومة جديدة، ويسحبوا المقاومة من قائمة خياراتهم.

إضافة الى ما تقدم، فإن "إسرائيل" توجه من خلال هذه العمليات وغيرها من أشكال التصعيد رسالة الى الفلسطينيين جميعاً، والى السلطة بأنها لا تثق بأحد لتوفير أمنها. فرغم إشادة جيش الاحتلال والأجهزة الأمنية الإسرائيلية بأداء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والتنسيق الأمني الفلسطيني - الإسرائيلي، حتى بعد عملية قتل المستوطن الإسرائيلي، إلا أنها تؤكد بالعمل وبالدم أن الدور الإسرائيلي هو الأساس وأن من يقاوم "إسرائيل" يجب أن يدفع الثمن باهظا على يد "إسرائيل". أما السلطة فتنظر لها "إسرائيل" كعامل مساعد وليس كأساس لتوفير أمن الاحتلال. وهذه السياسة استمرار لسياسة "المطاردة الساخنة" التي كانت ضمن اتفاق اوسلو وملحقاته والتي تتيح للقوات المحتلة مطاردة أية مقاومين داخل مناطق سيطرة السلطة المصنفة "أ".

إن عملية القتل في نابلس توجه ضربة قوية للسلطة لأنها أظهرتها عاجزة أمام قوات الاحتلال وغير قادرة لتوفير الأمن رغم كل ما قامت به تطبيقاً لخارطة الطريق ولإيجاد حالة أمنية مستقرة، وهذا من شأنه اضعاف السلطة، واظهارها كمتعاون مع الاحتلال ولا حول ولا قوة لها.

كما أن من أهداف العملية الإسرائيلية الضغط على السلطة لكي توافق على استئناف المفاوضات وفقا للشروط الإسرائيلية، تمهيداً لموافقتها على الحل الإسرائيلي، لأن "اسرائيل" رغم تصريحات وزير خارجيتها ليبرمان عن عدم امكانية حل الصراع حتى في العقد القادم، تخشى من ظهور إرادة دولية لحل الصراع بصورة لا تناسب "إسرائيل".

فرغم الانجازات الإسرائيلية الأمنية والسياسية، فإن "إسرائيل" تتذكر وقوع أكثر من 1200 قتيل إسرائيلي في الانتفاضة الثانية، عندما أصبحت مدن "إسرائيل" نفسها غير آمنة، وتدهور الاقتصاد الإسرائيلي، وتراجعت ثقة الإسرائيلي بمستقبل "إسرائيل".

فـ"إسرائيل" لا تريد إعادة الأمور الى "دوامة العنف" كما يعتقد البعض، وإنما إضعاف السلطة وتهديدها بالمزيد من الاضعاف حتى تتنازل لها أكثر، وإلا تهددها بعودة الفوضى والفلتان الأمني، و"العنف" الفلسطيني الذي يمكن أن يوجه ضد "إسرائيل" واحتلالها سيكون محدوداً، وتستطيع التعامل معه اعتماداً على التفوق العسكري الإسرائيلي والاختلال الفادح بميزان القوى.

فـ"إسرائيل" لا تخشى كثيراً تجدد المقاومة المسلحة لأنها تراهن على قدرتها على استخدام الفوضى القادمة، وعلى توظيف جدار الفصل العنصري وما حققته القوة الإسرائيلية من ردع للفلسطينيين والانقسام الفلسطيني (وهذا هو الأهم) لاضعاف الفلسطينيين وإجبارهم على الاستسلام لما تريده "إسرائيل"، وهذا يتيح لها خلط الأوراق والافلات من احتمال تزايد الضغوط الدولية على "إسرائيل" في حال استمر الجمود الحالي في عملية السلام، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تحركات ومبادرات ترمي لفرض حل على الطرفين أقل من الحل الذي تأمل "إسرائيل" أن بمقدورها فرضه وحدها بدون تدخل دولي. اما الضغوط التي تمارسها القوى الدولية على "إسرائيل" فهي ضعيفة، و"إسرائيل" تخشى من مضاعفتها بالمستقبل. إن الضغوط على الفلسطينيين لاستئناف المفاوضات وفقاً لشروط "إسرائيل" أكبر من الضغوط الدولية الممارسة على "إسرائيل".

وما يلفت النظر أن التصعيد الإسرائيلي العسكري والسياسي الذي يثبت مرة أخرى أن "إسرائيل" معادية للسلام بدلاً من أن يساعد الفلسطينيين على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، يؤدي الى العكس تماماً، فبدلاً من أن يكون الرد الفلسطيني عليه هو الوحدة نجد استمرار وتفاقم الانقسام.

فـ "حماس" اعتبرت أن السلطة مسؤولة عن التصعيد الإسرائيلي الأخير وشنت حملة ضدها أكثر من الحملة التي شنتها ضد الاحتلال.

والسلطة اعتبرت أن التصعيد الإسرائيلي موجه ضدها ويخدم عودة "دوامة العنف" و"حماس"، في حين ان التصعيد الإسرائيلي ضد القضية الفلسطينية وجميع القوى الفلسطينية التي لا ترضى بالحل الإسرائيلي للقضية الفلسطينية، حتى يتم إخضاعها لما تريده إسرائيل.

إن الرد الفلسطيني حتى يكون ناجعاً لا بد وأن يكون استراتيجياً ويتضمن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة على أساس البرنامج الوطني، ويحتوي جملة من المسائل أهمها اعادة الاعتبار للمقاومة المثمرة التي تخضع لمرجعية وطنية واحدة وتحقق المصلحة الوطنية، والفلسطينيون وحدهم يحددون شكلها وتوقيتها والأهداف التي ستوجه لها.

السؤال هو الى متى يتم تغليب المصالح الفردية والفئوية والحزبية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا؟.

انشر عبر