شريط الأخبار

الاب والابن وروح الأسد..هآرتس

01:06 - 25 تشرين أول / ديسمبر 2009

بقلم: تسفي برئيل

قصر تشرين في دمشق مُعد على نحو عام لاستضافة رؤساء وملوك، إزاء قصر الشعب الذي يأتيه "فقط" رؤساء حكومات ووجهاء آخرون من مستويات أدنى. في نهاية الاسبوع الماضي ترك الرئيس بشار الاسد عادته واستضاف في أرفع قصر رئيس حكومة لبنان سعد الحريري. ان لقاءا شخصيا امتد ثلاث ساعات وربع ساعة بين الرجلين، وعشاء حافلا واحتضانا معلنا منحه الاسد الحريري، كانت العلامة التي توقعها الصحفيون في لبنان وسورية. فقد فسروا الزيارة بانها "طي صفحة الماضي وفتح صفحة المستقبل" للعلاقات بين سورية ولبنان.

لكن اذا كانت الرموز والمراسم تشهد على العلاقات، فليس من الفضول ان نلحظ ان الحريري هو الذي أتى الاسد لا العكس. بيّن الحريري في الحقيقة قائلا: "لو لم اكن اريد بدء علاقات جديدة بسورية لما قبلت رئاسة الحكومة"، لكنه يكمن في هذا الكلام المعادلة القديمة. فمن اراد أن يكون رئيس حكومة لبنان يجب أن يحافظ على علاقات جيدة بسورية. أي على علاقات خضوع.

عرف والد سعد الحريري، رفيق الحريري المعادلة جيدا ودفع حياته ايضا قبل نحو من خمس سنين عندما قرر التمرد. عارض آنذاك اطالة مدة ولاية اميل لحود رئيس لبنان وذيل سورية، واستقال عندما هندست سورية استمرار ولاية لحود. وقتل بعد شهرين من ذلك.

اضطرت سورية في الحقيقة بضغط من الرأي العام اللبناني الى الانسحاب من لبنان. لقد واجهت هجوما دوليا: فالامم المتحدة حققت نصيبها الممكن من حادثة الاغتيال واضطرت الى مواجهة عداء سعودي ومصري، وقطيعة فرنسية وضغط أمريكي، لكن العناد الذي كان مصحوبا بحنكة سياسية كان ذا جدوى.

شد الحبل

ان الجمود السياسي الطويل الذي دفع اليه لبنان بعد حرب لبنان الثانية، كان نتيجة تعاون بين سورية وايران وحزب الله. فهذه الجهات احدثت جبهة واحدة لا لمواجهة كتلة سعد الحريري الذي سيطر على حكومة غير قادرة على اداء عملها فقط، بل لمواجهة السعودية ومصر وفرنسا والولايات المتحدة التي أيدت الحريري لكنها لم تنجح في احداث مصالحة. عندما قررت سورية ان تمنح قطر وهي الدولة الصغيرة التي لا أهمية سياسية لها لكنها ذات مال كثير، ان تمنحها مفتاح الحل وان تحدث اتفاق الدوحة عوض "مساعدة مالية" سخية جدا، اصبح واضحا للسعودية ولمصر ان قواعد اللعب يجب أن تغير.

ان اتفاق الدوحة قوى مكانة حزب الله الذي حصل على حق النقض في الحكومة وبهذا اعاد الى سورية والى ايران على نحو غير مباشر، زر تشغيل حكومة لبنان. لم تغير نتائج انتخابات المجلس النيابي في حزيران الماضي، التي منحت كتلة الحريري اكثرة مطلقة مرة اخرى وجلبت الهزيمة على حزب الله، معادلة القوة السياسية. فبغير موافقة حزب الله وشريكه المسيحي ميشيل عون، لم ينجح الحريري في انشاء حكومة. استصرخ مرة اخرى الى ميدان اللاعبين اللبناني اللاعبات الثابتات التي ليست مصلحتها الحقيقية هي هوية الحكومة التي تنشأ في لبنان بل من يغلب في شد الحبل. لان لبنان، وهو دولة هامشية من جهة استراتيجية، اصبح مختبرا لاختبار القوة السياسية في المنطقة.

فمصر والسعودية وفرنسا والولايات المتحدة من جهة، وسورية وايران وروسيا من بعيد، من جهة اخرى. استقر راي السعودية على حطم المعادلة القديمة بعد ان صالح الملك عبدالله الذي اتخذ قرارا استراتيجيا على وقف انتشار التأثير الايراني، بشار الاسد بل أجهد نفسه في تشرين الاول بزيارة ملكية الى دمشق.

كان للزيارة ثمن. فقد التزمت سورية المساعدة في انشاء حكومة لبنانية سريعا بل حظيت بمدح الولايات المتحدة على عملها. اراد ملك السعودية آنذاك ان يدعو الحريري ليأتي دمشق معه، لكنه حصل على بيان انه يحسن قبل ذلك انشاء حكومة قبل اتيان دمشق. لكن مجرد زيارة عبدالله لسورية ألمح الى الحريري انه قد حان الوقت لانهاء تركة أبيه في مكافحة سورية. يجب الاستمرار قدما، قال السعوديون للحريري، وضم سورية الى العالم العربي والغربي لان الجهد يجب أن يوجه الى تثبيط ايران.

لم تنضم مصر في الحقيقة الى السعودية في حملة المصالحة وما زال رئيسها حسني مبارك لا يكلم الاسد لكن سورية لا تتاثر تأثرا خاصا. فقد حصلت على ما تريد بآلة الضغط اللبنانية. غاب مصطلح "عزلة سورية" عن المعجم، في سياق الشرق الاوسط وفي السياق الدولي ايضا.

يخرجون العنزة

ما يزال الحريري في لبنان محتاجا الى ادارة اللعبة السياسية مع حزب الله. ان اجراء سورية الشامل والاستقبال الملكي للحريري اثارا قلق حزب الله. هل يستطيع الاعتماد على سورية ان تظل تراه شريكا سياسيا رئيسا في لبنان ام أنها ستتبنى الحريري بفضل السعودية ليصبح "ممثلها" في لبنان؟

شكر الحريري في الحقيقة للامين العام لحزب الله حسن نصرالله تأييده للحكومة، وبين رئيس لبنان ميشيل سليمان لواشنطن ان سلاح حزب الله جزء من نظام لبنان الدفاعي، لكن التقارب بين سورية والولايات المتحدة والحديث عن تجديد التفاوض مع اسرائيل يقلق نصرالله.

كذلك حديث وزير خارجية السعودية، سعود الفيصل عن أن "لبنان لن يستطيع ان يصبح ذا سيادة ما ظل حزب الله متمسكا بسلاح اكثر من الحكومة" لا يزيد في اطمئنان المنظمة. وحزب الله لا يقل عن ذلك قلقا بسبب البلاغ عن ان رئيس لبنان طلب الى رئيس الولايات المتحدة براك اوباما ان يضغط على اسرائيل للانسحاب من مزارع شبعا ومن قرية الغجر، ومن التصريح السوري عن أنه قد بحث في المحادثات بين الاسد والحريري ايضا مسألة رسم الحدود بين سورية ولبنان.

بدأ الخوف من أن الاسد والحريري قد يسلبان حزب الله مزارع شبعا كذريعة لاستمرار تمسكه بالسلاح يصبح محسوسا. والقضية هي أنه بحسب ذلك التقرير عن زيارة سليمان لواشنطن، لم يلتزم اوباما الضغط على اسرائيل للانسحاب من مزارع شبعا. قال مصدر دبلوماسي امريكي لصحيفة "هآرتس" ان "قضية شبعا في جدول العمل حقا لكنها ليست في افضلية عليا، من أجل عدم تفتير الضغط في قضية تجميد المستوطنات  والتفاوض مع الفلسطينيين".

بالمناسبة التزمت واشنطن في تلك الزيارة تزويد لبنان بمعدات وسلاح لكن لا بسلاح متقدم او طائرات خوف ان ينتقل هذا السلاح الى حزب الله ولانها لا تريد ان يقوم سلاح متقدم على الحدود مع اسرائيل. وهكذا فهم لبنان ان واشنطن ما تزل غير مستعدة لتزويد جيشه وحكومته بآلات أهل لمدافعة اسرائيل وانها متأثرة باستمرار تسلح حزب الله.

"فرض العمل الامريكي كما يبدو ان ميزان الرعب بين اسرائيل وحزب الله كافٍ لمنع حرب اخرى في المستقبل القريب في الاقل"، يقول مصدر لبناني، "وان نزع سلاح حزب الله غير قابل للتنفيذ اصلا، لهذا من المهم لواشنطن أن تثبط اسباب استعمال هذا السلاح بضغط سوري".

التقدير سهل بالنسبة للحريري: اذا اقتربت واشنطن من سورية واذا صالحتها السعودية فيحسن ان تصبح في الجزء "الخير" في معادلة القوى. بقيت المسألة الشخصية إذن. هل بعد سني العداوة الشخصية، والنقد اللاذع والشتائم التي تبادلها بشار الاسد وسعد الحريري في السنين الخمس الاخيرة، سيستطيع هذان الرجلان عقد علاقات موضوعية؟ هل سيدفن تحقيق مقتل الوالد مع الاحتضان الذي منحه بشار لسعد؟ أعلن الحريري هذا الاسبوع بان التحقيق سيستمر وان المشتبه فيهم سيحاكمون.  وربما لا.  

انشر عبر