شريط الأخبار

الورقة المتبقية للعرب في صراعهم مع إسرائيل .. محمد عيادي

11:16 - 23 تموز / ديسمبر 2009

بقلم: محمد عيادي

يصاب المرء بالذهول، وهو يتابع تداعيات إصدار محكمة بلندن أول الأسبوع الماضي، مذكرة اعتقال في حق تسيبي ليفيني وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة، منعتها من حضور مؤتمر الصندوق القومي اليهودي لمشاركتها في ارتكاب جرائم حرب خلال عملية "الرصاص المكبوب" على غزة في يناير الماضي.

رئيس وزراء بريطانيا غوردن براون يعتذر، ووزير الخارجية ديفيد ميليباند يسارع للإعلان عن عزم الحكومة على إدخال تغييرات على التشريع الذي يمنح المحاكم صلاحية قضائية عالمية في قضايا جرائم الحرب لتفادي حدوث هذا الأمر مرة أخرى.

وتؤكد متحدثة باسم الخارجية البريطانية، أن بلادها مصممة على القيام بكل ما يمكن لتكون شريكا استراتيجيا لإسرائيل.

المواقف المذكورة جاءت بعد الاحتجاجات القوية للحكومة الإسرائيلية والتهديد بأن "بريطانيا لن تستطيع أن تلعب دورا فعالا في عملية السلام في المنطقة، إذا لم يسمح لمواطني دولة إسرائيل بزيارة بريطانيا بطريقة محترمة".

واستعملت الحكومة الإسرائيلية عبارات شديدة اللهجة، وتعابير تجعل المرء يتساءل عن هذه القوة الخارقة التي تملكها إسرائيل لترعب دولا كبيرة كبريطانيا، بل الأكثر من ذلك التدخل في القانون والقضاء البريطانيين، ووصف إصدار مذكرات اعتقال لمسؤولين إسرائيليين، بأنها غير أخلاقية تهدف المس بقدرة إسرائيل على حماية نفسها.

ومزجت التصريحات الإسرائيلية بين الهجوم على القضاء البريطاني والدفاع عن جرائمها من دون أي حرج وبثقة في النفس وجرأة غريبة، بحيث قال نتنياهو رئيس حكومة الدولة العبرية محذرا من مس جنوده وقادتهم: "دافعوا عن الإسرائيليين ببسالة وبصورة أخلاقية ضد عدو مجرمٍ وقاسٍ، ورفض تسميتهم بمجرمي الحرب".

تساءلتُ ونحن على أبواب الذكرى الأولى لأحداث غزة، هل إسرائيل هي من يحدد "اللاعبين" الأساسيين في ملف المفاوضات فيما يسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط؟ وهل هي من يحدد لهذا العالم معايير ما هو أخلاقي وجائز، وما هو غير أخلاقي وغير مقبول؟

وإذا كان قتل المدنيين والعزل والأطفال والشيوخ وهدم المساجد والمدارس والمستشفيات عملاً أخلاقياً فهل بقي شيء آخر نصِفه بغير الأخلاقي؟

إسرائيل تصرفت بهذه العنجهية مع بريطانيا لتدفعها لتغيير قوانين أسهَمَ اليهود في صياغتها بعد الحرب العالمية، لأنها تحولت اليوم من خادم لها إلى خطر عليها.

واضح جداً أن قادة إسرائيل هاجموا مذكرة الاعتقال المشار إليها بهذه القوة والجرأة للتغطية على تقرير غولدستون، وتوجيه رسالتين أساسيتين:

• رسالة لدول أوروبية أخرى لكي لا تقوم محاكمها بخطوة مماثلة ومضايقة القادة الإسرائيليين المتورطين في جرائم فظيعة ضد الشعب الفلسطيني.

• رسالة للدول العربية بأن:

- لا يعولوا على دور مؤثر للدول الأوروبية الكبيرة كبريطانيا في ملف "الشرق الأوسط" لصالحهم ولصالح الفلسطينيين.

- أن إسرائيل لا تحترم القانون الذي يقف دون طموحها ويعرقل مشروعها الاستعماري، وأنها قد تضطر للتوقف لبعض الوقت لتهدئة الأجواء، ولكنها لا تتراجع كما حصل في ملف الاستيطان مع إدارة أوباما.

لقد أثبتت هذه الواقعة وتداعياتها وكشفت بوضوح حقائق تتجاهلها كثير من الدول العربية ويتجاهلها تيار أوسلو في السلطة الفلسطينية، تجاهل يحول دون تصحيح المسار والاستمرار في إضاعة الوقت والحقوق الأساسية والمصيرية بالنسبة للشعب الفلسطيني والدول العربية خاصة تلك المعروفة بدول الطوق (مصر، الأردن، سوريا، لبنان) وأبرز هذه الحقائق:

- أن الغرب بشكل عام لا يحترم القانون ويتباكى عليه إلا مع الضعفاء، من قبيل ما حصل مع الرئيس السوداني عمر البشير، ومطالبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لاعتقاله بتهم ارتكاب جرائم حرب، وكأنه أكثر جرماً -على افتراض أنه فعل- من القادة الإسرائيليين العسكريين والسياسيين.

- أن الدول العربية مدعومة بدول العالم الإسلامي لا يمكن أن يعولوا في انتزاع حقوقهم من الكيان الإسرائيلي إلا على أنفسهم وقوة إرادتهم السياسية واستقلالها ومساندة شعوبهم.

- أنه لم يبق للعرب إلا ورقة واحدة مؤثرة وحدها، يمكن أن تغير أشياء كثيرة في مجريات الصراع العربي الإسرائيلي، هي ورقة محاربة التطبيع على كافة المستويات، لأن الكيان الإسرائيلي يحس بإحباط كبير رغم ما "حققه" على الأرض، يحس بأنه كيان منبوذ وأبرز دليل على ذلك ما ورد في مقال تحت عنوان "مروان الشماخ صداع في رأس إسرائيل" أوضحت فيه صحيفة "يديعوت أحرنوت" هذا الأسبوع أن قرار اللاعب المغربي مروان الشماخ بعدم السفر للعب مع فريقه بوردو الفرنسي في مباراة ضد فريق إسرائيلي على أرضه أصابت المسؤولين عن الرياضة الإسرائيلية بغضب شديد.

وتحدثت الصحيفة عن فشل التطبيع الشعبي سواء عبر الرياضة والأعمال الفنية أو الخدمات الجماهيرية، التي رفض العرب وجود إسرائيل بها، وحتى إن وُجدت إسرائيل في أحد هذه المجالات تقول "يديعوت أحرنوت" فينظر إليها بشك وريبة من العرب، وهو "ما أكده تصرف الشماخ الرافض حتى لزيارة إسرائيل لخوض مباراة بسيطة لكرة القدم وهو الرفض الذي سبب الكثير من أشكال الغضب لإسرائيل انعكس بقوة على الإعلام خلال الفترة الأخيرة".

إذا كان الإسرائيليون يغضبون لأن لاعبا عربيا رفض اللعب على أرض محتلة، فكيف سيشعرون لو قاطعهم العالم العربي والإسلامي رسميا وشعبيا وعلى كل المستويات، بكل تأكيد سيكون الوضع مختلفا وشروط المفاوضات ستكون مختلفة، ولكن وللأسف الشديد لا يبدو أن بعض الدول العربية قادرة على المضي في هذا الطريق، وأنها على العكس من ذلك راحت تبني جدارا فولاذيا على طول الحدود مع قطاع غزة المحاصر.

انشر عبر