شريط الأخبار

إسرائيل" والاستفتاء المقلوب! .. د. محمد عابد الجابري

08:53 - 22 حزيران / ديسمبر 2009

إسرائيل" والاستفتاء المقلوب! .. د. محمد عابد الجابري

د. محمد عابد الجابري

أشرنا في المقال السابق إلى أن الأسابيع الأربعة الأخيرة قد عرفت ثلاث وقائع سياسية/ إيديولوجية تعرضت فيها الديمقراطية لعمليات قلب إيديولوجي ممسوخ: في سويسرا، و"إسرائيل"، وعلى لسان أوباما. بدأنا بتحليل الواقعة الأولى، وسنحاول في هذا المقال تسليط بعض الأضواء على الواقعة الثانية، فنقول:

 

لم يسبق ل"إسرائيل"، منذ قيامها عام 1948، أن اهتزت صورتها في أوروبا وأميركا، على المستويين الرسمي والشعبي، كما حصل لها في الشهر الماضي. لقد بدأ الاهتزاز يتراكم منذ حربها على غزة (ديسمبر 2008/ يناير 2009)، مروراً بتشكيل حكومة اليمين الإسرائيلي برئاسة نتنياهو (مارس 2009)، ثم خطاب أوباما في القاهرة (4 يونيو 2009) الذي طالب فيه بتجميد الاستيطان في القدس والضفة الغربية، ثم رفض نتنياهو، بإصرار، هذا الطلب: وذلك بالإمعان في هدم منازل الفلسطينيين في القدس والاستيلاء عليها، والإعلان عن مشروعات جديدة لتوسيع مستوطنات، وبناء أخرى. وكان لابد أن يتسبب هذا الرفض "الوقح" في إحراج كبير للإدارة الأميركية، وبالتالي لأنصار أوباما ومؤيديه والمتعاطفين معه في العالم بأسره، مما جعل "إسرائيل" تفقد ذلك التأييد اللامشروط الذي تمتعت به منذ قيامها والذي "فرضه" على "العالم الُحر" الموقف الرسمي للإدارة الأميركية والحكومات الأوروبية.

 

ويأتي -كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لذلك- تقرير جولدستون رئيس بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في حرب "إسرائيل" على غزة، ذلك التقرير الذي أدانها بارتكاب أعمال من جنس جرائم الحرب، يرقى بعضها إلى مستوى "الجرائم ضد الإنسانية".

 

وبدلاً من أن تقوم "إسرائيل" "الديمقراطية" بنوع ما من الاعتذار أو تعِد باتخاذ "إجراءات"... راحت تشنها حرباً شرسة على ذلك التقرير مجندة آلتها الإعلامية و"طابورها الخامس" في الدول الأوروبية، بهدف سحب هذا التقرير والحُؤول دون مناقشته في مجلس حقوق الإنسان. ولكن الذي حدث، ولأول مرة منذ قيام "إسرائيل"، أنها فشلت في توجيه الرياح في أوروبا الوجهة التي تريدها وتحميها من كل إدانة صريحة. لقد تمت مناقشة ذلك التقرير في ذلك المجلس الذي وافق عليه واعتمده بأغلبية كبيرة يوم 16 أكتوبر الماضي. كما تم عرضه يوم 6 نوفمبر على الجمعية العامة للأمم المتحدة التي صادقت عليه هي الأخرى بأغلبية واسعة.

 

وليس هذا وحسب، بل لقد ارتفعت أصوات رسمية، هنا وهناك في أوروبا، تعبر علانية عما كان مسكوتاً عنه في نفوس كثير من الأوروبيين، من استياء وشجب للممارسات الإسرائيلية ولطموحاتها التوسعية المعلنة والمكتومة التي تتنافى كلياً مع أبسط مظاهر الديمقراطية. بل لقد ذهب بعض الصحفيين الأوروبيين إلى حد "الكشف عن المستور" في ممارسات بعض الإسرائيليين الذين يضربون صفحاً عن كل القيم الإنسانية. ذلك أن أحد الصحفيين السويديين قد كشف النقاب في مقال نشره في سبتمبر الماضي عن قيام إسرائيليين بالاتجار في أعضاء بشرية انتزعت من جثث فلسطينيين. وكما هي العادة قامت قائمة "إسرائيل" ضد هذا الاتهام الذي أتى على ما بقي من "ماكياج" على صورتها في الغرب، فطالبت وزير خارجية السويد بالتنديد بالتهمة واستنكار ما ورد في مقال ذلك الصحفي. ولم يكن وزير خارجية السويد من الذين ترعبهم "غضبات" "إسرائيل"، فجاء رده غاضباً لسمعة بلاده، رافضاً التنديد بما كتبه الصحفي المشار إليه، وأكثر من ذلك ألغى زيارة كانت مقررة ل"إسرائيل".

 

ويأتي تقرير قناصل دول الاتحاد الأوروبي الذي نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، والذي كشفوا فيه عن سياسة "إسرائيل" الاستيطانية في القدس والرامية إلى تغيير الوضع الديموجرافي للقدس بهدف تهويدها. وقد كان طبيعياً أن تثير مناقشةُ هيئات الاتحاد الأوروبي لذلك التقرير هلعَ "إسرائيل"، وزاد في هلعها مبادرة الرئيس الدوري للاتحاد (من السويد) إلى إعداد مسودة قرار لاجتماع وزراء خارجية الاتحاد يعترف بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية تضم الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، مقابل أن تكون القدس الغربية عاصمة لدولة "إسرائيل".

 

ومع أن بعض وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي قد خففوا في خطابهم في اجتماع بروكسل من الطابع المباشر لنص المسودة فإنهم قد أكدوا في بيانهم على أن تكون القدس، مستقبلاً، عاصمة لدولتين: فلسطينية وإسرائيلية؛ كما ذكَّروا بأن بلدانهم لم تعترف في يوم من الأيام بضم "إسرائيل" للقدس الشرقية عام 1967، وأنهم لا يقبلون التغييرات التي طرأت على الحدود بعد هذا التاريخ "باستثناء تلك التي وافق عليها الجانبان". لقد تغيرت "ديموجرافية" التأييد الأوروبي ل"إسرائيل" بشكل لم يسبق له مثيل، وذلك إلى درجة أن وزير خارجية لوكسمبورج جون إسيلبورن لم يتردد في التصريح أمام الصحفيين قائلاً: "الحق أنني أجد صعوبة في فهم كون "إسرائيل" لا تقبل أن تتشكل دولة فلسطين من الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية"، مضيفاً: "إنه الأحسن، في رأيي، أن نتحدث نحن والأميركيون لغة سياسية لا لبس فيها تتطابق مع ما تقوله قرارات الأمم المتحدة".

 

وأمام هذه التطورات، الجديدة فعلاً، التي عرفها الموقف الأوروبي إزاء قضية فلسطين لم تجد "إسرائيل" من رد سوى الهروب إلى الأمام والانقلاب على الديمقراطية التي طالما تغنت بها. لقد اجتمعت لجنتها الوزارية الخاصة بإصدار القوانين لتعلن عن إعدادها لمشروع قانون يخول الحكومة إجراء استفتاء عام في "إسرائيل" في موضوع احتمال إعادة أراضٍ تحت السيادة الإسرائيلية، مثل هضبة الجولان أو شرقي القدس. وقد قُدم مشروع هذا القانون للبرلمان الإسرائيلي (الكنيست) فصادق عليه بالأغلبية في القراءة الأولى، ويقضي بعد المصادقة عليه في القراءتين الثانية والثالثة بإجراء استفتاء عام على أي قرار تتخذه الحكومة الإسرائيلية مستقبلا بالانسحاب من الأراضي التي تحتلها "إسرائيل".

 

وما نريد لفت النظر إليه هنا، فضلاً عن التطورات المهمة التي عرضناها أعلاه والتي نالت في الصميم من "صورة إسرائيل الديمقراطية" في الرأي العام الأوروبي والأميركي، هو أن حكومة اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو لم تجد من سبيل للدفاع عن صورتها كدولة "ديمقراطية" سوى الانقلاب على الديمقراطية: لقد كان المفروض، حسب المنهجية الديمقراطية، أن يُستعمل الاستفتاء في محله، فيُطلب فيه، من سكان جميع الأراضي التي تحتلها "إسرائيل"، الاختيار بين الاستقلال عن الدولة المحتلة وبين البقاء تحت حكمها والتحول بالتالي إلى مواطنين فيها. ذلك ما فعلته الدول الأوروبية عندما اضطرت إلى وضع حد لاحتلالها لمستعمراتها. أما "إسرائيل" فقد أمعنت في التمسك بديمقراطيتها الكاذبة المزيفة بقلب الديمقراطية والانقلاب عليها. فبدلاً من أن تلجأ في حل مشكلة احتلالها لأراضي غيرها إلى إجراء استفتاء يخير فيه سكان هذه الأراضي بين أن ينضموا إلى الدولة الفلسطينية الموعودة وبين البقاء في الدولة الإسرائيلية (ولو كمواطنين من الدرجة الثانية)، بدلاً من ذلك تطلب من شعبها، هي، أن يقرر في مصير الأراضي التي تحتلها دولته.

 

إنه مظهر آخر من مظاهر إنكار الهوية وفرض التهويد.

 

صحيفة الاتحاد الإماراتية

 

انشر عبر