شريط الأخبار

عميقا في الارض- معاريف

11:45 - 17 تموز / ديسمبر 2009

بقلم: شمعون ابيرغن

(المضمون: كشف عن صناعة حفر الانفاق وما يمر فيها في غزة وشهادات لبعض رجال الشاباك بينت الكثير من خرائط عمل هذه الانفاق - المصدر).

يمكن ان يكونوا سائقي سيارات اجرة، او اصحاب مقاه سابقين او اسكافيين. لكنهم ان يكونوا ايضا مئات من طلاب المدارس الثانوية وبائعي الخضروات والخياطين يشاركون بنصيب في تحويل المهنة الجماعي الذي يغرق قطاع غزة في الاشهر الاخيرة. فقد اصبح كل مزارع بسيط يعلم ما هي السبيل الى ابطاء رأسه فوق الماء في الواقع الاقتصادي غير السهل الذي يسود القطاع وأخذ الطلب يزداد فقط. تعرفوا اكثر المهن طلبا لها في غزة – حفار الانفاق.

ان من أمل ان تفضي عملية "الرصاص المصبوب" الى انهيار صناعة الانفاق المتشعبة في القطاع اخطأ خطأ كبيرا. فبعد سنة من دخول قوات الجيش  الاسرائيلي القطاع اصبح  تهريب الوسائل القتالية والمخربين المنتحرين من غزة ومصر اكثر نماء مما كان دائما.

تقدر جهات الامن في اسرائيل انه يعمل اليوم في قطاع غزة نحو من مائة نفق وثمانون أخرى موجودة في مراحل اعادة بناء نتاج قصف سلاح الجو في اثناء العملية. تمد الانفاق مرة بعد اخرى المنظمات الارهابية وتساعد في ان تسلح من جديد ذراع حماس العسكرية والجهاد الاسلامي وعائلات مسلحة اخرى.

"افضت عملية "الرصاص المصبوب" في الحصيلة العامة الى تأخير حفر انفاق جديدة والى هدم بضع عشرات منها"، يبين عنصر أمني رفيع المستوى، "لكنها على نحو عام لم تكد تمس البنية التحتية للتهريب عند المنظمات الارهابية في القطاع. ما يزال محور فيلادلفيا هو الشريان الرئيس الذي يزود حماس والجهاد بالاكسجين يوميا تقريبا فمن غيره ليس لهما حق في الوجود".

ليس للبالغين فقط

بحسب تقديرات "المركز الفلسطيني لحقوق الانسان"، يعمل ما بين 40 الى 50 الفا من أهل غزة داخل صناعة الانفاق او حولها وفي ضمن ذلك النقل العام والتخزين. خمسة آلاف من الحفارين اولاد – ولهم ميزة كبيرة داخل الانفاق بسبب قصر قامتهم وسرعة حركتهم. ويعمل 200 الى 500 من حفار الانفاق انفسهم في دوريات حراسة وفي ظروف اقصى.

يعد حفر الانفاق مهنة خطرة جدا. فقد قضى عشرات من سكان القطاع عندما انهارت الانفاق تحتهم في ذروة الحفر.

        قال احد اصحاب الانفاق وهو أبو راوي لصحيفة "الغارديان" البريطانية اخيرا انه مع انقضاء سبعة اشهر من جهد الحفر المركز حدث خلل. "سمع صوت ضربة"، قال للصحيفة، "وتبين ان نفقين تصادما عندما بنيا تحت الارض. يجب علينا الان ان نصلح المسار".

        اختنق عشرات الحفار الاخرين ممن نجوا من رعب الطبيعة حتى الموت بعقب هجمات الجيش الاسرائيلي على الانفاق. وان السلطات المصرية اكثر من مرة تكشف عن نفق وتدخل فيه كميات كبيرة من الماء من اجل ان تهدمه على من فيه. قتل لابي راوي نفسه عاملان قبل ثلاثة اشهر فقط. حظيت عائلاتهما كل واحدة بتعويض سخي مقداره 40 الف شيكل، وقال فريق الحفار الجديد في مبنى مجاور على مبعدة عدة امتار عن منطقة الكارثة.

        "يستطيع حفار يعمل في نفق ان يكسب مبلغا بين 80 الى 100 دولار كل شهر"، بين بشهادة نادرة ران (اسم مختلق) وهو محقق شاباك شهد في المحكمة اللوائية في بئر السبع في اثناء محاكمة احد سكان غزة، اعتقل بسبب حفر انفاق وتسلل الى اسرائيل. "لا اعلم كيف ومتى يتم الدفع، لكن في مجال الحفر يعد الاجر مرتفعا جدا بالنسبة للقطاع لان الحديث عن عمل صعب".

        تمت شهادة ران ومحققي شاباك اخرين مع ابواب مفتوحة وأباحت نشرها القاضية الدكتورة دفنا افنيئيلي، التي قبلت موقف المحامي موتي يوسيف من اباحة سماع الشهادات على نحو علني. تبين هذه الشهادات لاول مرة الصناعة المزهرة في القطاع.

        يستعمل في غزة  اليوم نوعان من الانفاق على نحو عام: أنفاق منسوبة الى منظمات ارهابية – ولا سيما حماس والجهاد الاسلامي – وأنفاق مستقلة تستعملها عائلات منسوبة الى منظمة "القاعدة". يقوم اكثر الانفاق في مدينة رفح منذ عملية "الرصاص المصبوب" يحتاج كل من يريد حفر نفق الى رخصة خاصة من بلدية رفح. يحتاج المتوجه لطلب رخصة بناء نفق الى ان يدفع للبلدية مبلغ 10 آلاف دولار. تتحدث التقديرات عن بضع مئات من آلاف الدولارات أدخلتها رفح في خزانتها الضئيلة في السنة الاخيرة فقط بهذه الطريقة.

        تهرب وسائل قتالية في اكثر الانفاق. يأتي أكثرها من مصر من طريق اليمن والسعودية والسودان بل المغرب. "لا تفريق بين نفق مدني ونفق لنقل الوسائل القتالية"، شهد المحقق ران، "فرض العمل هو انهم يستطيعون في كل نفق امرار الوسائل القتالية ايضا. السؤال هو ما هو المكسب  المادي لصاحب النفق، وما هي مصالحه وما هي المخاطرة التي يكون مستعدا لاخذها. يقف فوق جميع الاعتبارات المكسب المادي: انه اكبر بتهريب السلاح لكن يوجد اصحاب انفاق لا يوافقون على المخاطرة الى هذا الحد".

        يحصل صاحب النفق عن كل تهريب على مبلغ بين 500 الى 1500 دولار وذلك متعلق بنوع التهريب. عندما يكون الحديث عن حاجات غذائية، فان الربح الذي يقتطعه صاحب النفق منخفض كثيرا. صاحب النفق يشتري في الاكثر بيتا او فم نفق من اصحابه لقاء بضع عشرات من آلاف الدولارات ويجند لصفوفه عشرات الحفار. يدخل في سر الامر ايضا حراس يهتمون بصيانة المكان وبمنع دخول مهربين لم يدفعوا عن استعماله. يكسب حارس كهذا نحوا من 70 دولارا في الشهر. ويحصل المهرب عن المخاطرة على نحو من 100 الى 200 دولار عن كل تهريب.

        بحسب التقديرات، يستطيع صاحب نفق مستقل لا ينتمي الى منظمة ارهابية ان يدخل في جيبه في شهر تهريب "جيد" مبلغ نحو من 30 الف دولار. لكن صاحب النفق المستقبل يضطر اكثر من مرة الى دفع رشوة تبلغ بضعة آلاف من الدولارات الى المسؤولين الكبار في الذراع العسكرية لحماس كي لا يمسوا بمصدر رزقه والمبلغ الذي يبقى في جيبه قليل كثيرا.

        تصنيف حماس

        لكل نفق غاية تخصه: الاشد اقلاقا لاسرائيل هي المخصصة لتهريب قذائف آر بي جي وصواريخ غراد او سلاح مضاد للدبابات متقدم "يخل بالتوازن". تستعمل حماس او الجهاد او احدى العائلات في غزة هذه الانفاق على نحو مباشر. "من المنطقي افتراض ان الصواريخ لا يهربها مهربون مستقلون لانها تكلف مالا كثيرا ويصعب جدا الحصول عليها ايضا"، ذكر المحقق  ران في شهادته.

        كذلك يمر الكثير من الوقود والاسمنت تحت الارض. "ان جزءا من الاسمنت المهرب يصل السوق المدنية ايضا من اجل تثبيت حماس من جهة الحكم"، بين المحقق "والفرق هو ان ما يهرب في نفق منظمة يبلغ المنظمة التي حفرت النفق وتصونه".

        يحتاج حفار  الانفاق الذين يعملون لحساب المنظمات الارهابية الى ان يجري عليهم ما يشبه "تحقيقا أمنيا"، أي امتحان ثقة وحفاظ على السر لضمان السرية. حظر على الحفار الحديث مع شخص ما من معارفهم عن عملهم وفي ضمن ذلك ابناء عائلاتهم كي يضمن ألا تتسرب أي معلومات داخلية الى جهات الأمن في اسرائيل.

        لا يعلم الحفار في الانفاق الخاصة، في مقابلة ذلك ما الذي يهرب فيها وعندما ينهون حفر نفق يتابعون الى نفق آخر. "الانفاق عمل"، بين محقق الشاباك في اثناء شهادته. "توجد حالات كثيرة يعرف فيها شخص أناسا ويأتي بهم لانه يعتمد عليهم، بل يوجد حفار يملكون توصيات. الاهتمام بالسرية هو في الاساس ازاء اسرائيل، واذا كان الحديث عن نفق مستقل لا ينتمي الى منظمة فان ذلك يكون ازاء السلطة في الجانب المصري وازاء حماس".

        برغم ان اكثر حفار الانفاق المستقلة لا يهتمون بالايديولوجية، بل بالانفاق على عائلاتهم، فقد نجح الشاباك في السنين الاخيرة في اعتقال نحو من خمسين من حفار الانفاق. ان بعضا منهم أغرته المنظمات الارهابية ان يدخل اسرائيل متسللا او مخربا منتحرا وكشفوا في اثناء التحقيق معهم في وحدة النشاط التخريبي المعادي من "لخيش" عن طرائق عملهم وعن الناس الذين جندوهم للمهمة.

ان صناعة الحفر التي تعول آلاف العائلات في رفح، افضت حتى في المدة الاخيرة الى عدة شجارات بين عائلات متخاصمة حول السيطرة على انفاق جديدة. بسبب مصدر العيش الكبير الذي تقدمه، فان التقدير ان تكون المنظمات الارهابية في السنة القريبة مشاركة في حفر عشرات الانفاق الاخرى قرب اسرائيل، في قصد الى اختطاف مدنيين وجنود ونقلهم من طريقها كأوراق مساومة.

وربما مع كل ذلك لا يكون كل شيء ورديا في اعمال حفر الانفاق في السلطة الفلسطينية. ان احد الحفار الذي اعتقل اخيرا وحكم عليه شهد من فوق المنصة على عمله. "كنت" اتلقى كحفار أجرا يوميا بين 100 الى 300 وذلك متعلق بنوع العمل في النفق. في الحصيلة العامة اكتسبت من العمل اربع سنين في الانفاق نحوا من سبعة الى ثمانية آلاف دولار. لا اعرف البتة ما الذي مر في الانفاق. كنت في الحاصل عاملا بسيطا. لكن يوجد شيء واحد استطيع ان اقوله اليوم بصراحة وهو انني عندما عملت في اسرائيل في البناء كسبت اكثر.

انشر عبر