شريط الأخبار

بين مرج دابق و"سايكس بيكو" واحتلال العراق .. د. رضوان السيد

08:36 - 06 تشرين أول / ديسمبر 2009

بقلم: د. رضوان السيد

ما راعى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، وربما ما انتبه، لحساسيات التاريخ وتقلباته، عندما استقبل بمدينة تبريز قبل أسبوعين، وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو. ومن المؤكد أن الوزير التركي كان يحمل له رسالة من الأميركيين تتعلق بتطورات التفاوُض على الملف النووي الإيراني. وتعودُ حساسية تبريز ـ العاصمة الأولى للصفويين ـ إلى أن العثمانيين دخلوها مرتين أُولاهما عام 1502، وثانيتهما عام 1514 بعد أن هزموا الشاه إسماعيل الصفوي في جالديران. ورغم أن العلاقات استقرت بين الطرفين منذ منتصف القرن السابع عشر، فإن الصفويين ومن بعدهم القاجاريون، أبعدوا عاصمتهم عن الحدود التركية باتجاه أصفهان ثم طهران الحالية. وجاء الاتفاق الأول بعد جالديران بين العثمانيين والإيرانيين على أساسين: أن تكون حدود إيران السياسية غربا على نهر الفرات فلا يتعدوه، وأن لا يتحالف أحدهما مع قوة أخرى (غربية في الغالب) ضد جواره الإسلامي. لكن سَرعان ما تبين للسلطان العثماني سليم الأول ـ عندما كان يستعد لمواجهة البرتغاليين على السواحل المتوسطية وفي المحيط الهندي ويساعد الدولة المملوكية في ذلك ـ أن الإيرانيين يتراسلون مع السلطان المملوكي قانصوه الغوري (الذي كان يسيطر على مصر والشام) لتطويق العثمانيين من جهتين. ولذلك فبدلا من أن يستمر العثمانيون في دعم المماليك بالمدافع والمدربين لحماية شواطئهم على المتوسط وعدن وجدة على البحر الأحمر، قرروا بعد أقل من سنتين من موقعة جالديران، أن ينتزعوا الشام من المماليك. والتقى الجيشان العثماني والمملوكي في مرج دابق شمال حلب، حيث انتصر العثمانيون على المماليك واختفى السلطان المملوكي في أثناء المعركة. وبعد أشهُر تابع العثمانيون زحفهم عبر فلسطين باتجاه مصر فأزالوا إدارتها المملوكية التي استمرت منذ عام 1260، وظلت لها بقايا في بعض أنحاء مصر إلى مطالع القرن التاسع عشر. واعتبر العثمانيون أن الصفويين ما أوفوا بوعدهم بعدم التدخل غرب الفرات، فتابعوا ضغوطهم عليهم حتى أواسط القرن السابع عشر، حيث أبعدوهم بالتدريج عن نواحي العراق الحالي: الموصل فالبصرة فبغداد، واستقرت الحدود بين الدولتين لهذه الجهة عند هضاب الأهواز في ما وراء شط العرب. وهكذا فإن الحدود التي أدت إليها وقعة مرج دابق (1516)، ظلت دون تعديل تقريبا حتى اتفاقية «سايكس ـ بيكو» بين البريطانيين والفرنسيين عام 1917.

جاءت الاتفاقية بين سايكس (المندوب البريطاني) وبيكو (الفرنسي) لتصفية وتقاسُم ممتلكات السلطنة العثمانية خارج تركيا بعد أن خسرت الحرب العالمية الأولى التي خاضتها إلى جانب ألمانيا والنمسا، في مواجهة بريطانيا وفرنسا ثم الولايات المتحدة. والمعروف أنه في حين اتجه الفرنسيون للمطالبة بضم ولاية الموصل إلى سورية التي استولوا عليها بمقتضى الاتفاقية السالفة الذكر، وأعطوا تركيا مقاطعة إسكندرون، فإن البريطانيين اتجهوا لتوحيد الولايات الثلاث (الموصل والبصرة وبغداد)، وتوّجوا على «العراق» فيصل الأول ابن الحسين الذي طرده الفرنسيون من سورية. وقد راعوا في ذلك اعتبارين اثنين: إيجاد كيان حاجز وواق بين إيران وتركيا، وعدم تمكين الأكراد من إقامة كيان موحد سوف ُثير اضطرابات كثيرة ومتاعب لإيران وتركيا وللاستقرار على التخوم الممتدة باتجاه روسيا والقوقاز والمناطق الكردية والأرمينية هناك. وهكذا ظلت آثار مرج دابق حية في الذاكرة والشكل، إذ ظلت إيران بعيدة عن الفُرات، كما أن العراق ظل كما كان دولة تخوم أو ولايات طرفية، تعتمد في استقرارها ووحدتها على الحكمة في السياسات الداخلية، وحسن العلاقة بالدولتين الإسلاميتين المجاورتين: تركيا وإيران. أما الاختلال الأبرز الذي ظهر نتيجة اتفاقية «سايكس ـ بيكو» فيتعلق بتقسيم بلاد الشام إلى أربعة كيانات هي سورية ولبنان والأردن وفلسطين، ثم جاء وعد بلفور ـ الذي جرى إنجازه بين المنظمة الصهيونية العالمية وبريطانيا على حِدَة وبمعزل عن فرنسا ـ ليعطي الصهاينة وطنا قوميا في فلسطين، فيفصل بذلك مصر عن الشام بكيان استيطاني، يصعب معه قيام دولة عربية كبرى في بلاد الشام، تستطيع التصدي للمشروع الصهيوني، وتوازي أو تقارن الجوار الإسلامي التركي والإيراني.

ولذا فإن المشروع العربي (الذي ازدهر منذ أربعينات القرن العشرين) كان الرد الملائم على التقسيم الاستعماري، لأن جوهره كان الدعوة إلى الوحدة العربية، والعمل على تحرير فلسطين. وقد بلغ ذلك المشروع إحدى ذُراه بتقدم مصر بعد ثورة يوليو (تموز) عام 1952 لقيادته، وبتحقيق الوحدة بين مصر وسورية عام 1958. بيد أن الحرب الباردة التي نشبت بين الجبارين في مطلع الخمسينات من القرن الماضي وامتدت إلى منطقتنا في صورة اصطفافات جهوية وإقليمية حادة، وشاركت فيها جهات عربية بوعي أو بدون وعي، كما حالت دون توحيد الجهد لتحرير فلسطين، حالت أيضا دون استمرار الوحدة وحدث الانفصال بين سورية ومصر عام 1961. وانكفأت مصر تلعق جراحها معلنة عدم تخليها عن المشروع، لكنها توبعت إلى داخل حدودها الإقليمية ـ شأن ما حصل عام 1956 ـ فكانت هزيمة عام 1967، التي أخرجتها من قيادة المشروع العربي رغم حرب عام 1973. أما ما جرى بعد انكفاء مصر وحتى عام 2001 فقد تجاوز مرج دابق و«سايكس ـ بيكو» وحتى حقبة الاحتلال الصليبي والمغولي لبلاد الشام! إذ تصارع كل من العراق وسورية على قيادة المشروع العربي. لكن الصراع كان في الحقيقة على تقاسم التركة المصرية، وعلى مشروعية كل من النظامين، وعلى كفاءته في مشاركة أحد طرفي الحرب الباردة أو كليهما في الغنائم ومناطق النفوذ. فعندما تقدمت مصر لقيادة المشروع العربي ساعدت الثورة الجزائرية في الانتصار على المستعمرين الفرنسيين، وساعدت تونس في بنزرت ضد الفرنسيين أيضا، وساعدت اليمن شمالا وجنوبا على التحرر والاستقلال والتقدم، وشاركت في تحرير المستعمرات في آسيا وإفريقيا، كما شاركت في إنشاء جبهة عدم الانحياز، وإقامة منظمة التحرير الفلسطينية. أما العراق في حقبته القومية (1968 ـ 2003) فقد نظم اغتيالات وانقسامات في أوساط الفلسطينيين وغيرهم من العرب، كما اصطنع انقلابات في عدة دول عربية، ثم خاض حربا ضد إيران استنزفت البلدين والشعبين، وخاض حربا أخرى للاستيلاء على الكويت. وما انتهى الحصار المضروب عليه إلا باحتلال أميركي للبلاد، والقبض على صدام حسين وإعدامه. وأما سورية فما أنجزت بعد حرب عام 1973 غير الاستيلاء على لبنان، ونشر الانقسام في أوساط الفلسطينيين.

إن هذا الانهماك الاستنزافي والانتحاري في الصراعات الداخلية من جانب أكثر الأنظمة العربية بعد الانكفاء المصري، ما كان بسبب الوقوع في أسر السياسات الدولية وحب السلطة وحسب، بل بسبب الوعي الخاص والقاصر أيضا. فسورية لا تستطيع أن تمتلك دورا، بل أقصى ما تستطيعه التكيف مع وظيفة أو وظائف. ولا بد من توافر وعي عالٍ يحول دون استخدام تلك الوظيفة في مواجهة الأمة ومصالحها. أما العراق فرغم قدراته البترولية يبقى دولة تخوم، وذات بنية داخلية هشة. وهو لذلك لا يتحمل سياسات استبدادية داخلية، كما لا يتحمل بالطبع حروبا على القريب والبعيد. لكن الذي لا يمكن تصوره في حالته أن يقود المشروع الوحدوي العربي أيا كانت النيات والطموحات.

على أن هذا التردي الهائل الذي وصل إليه العرب في التسعينات من القرن الماضي بعد حرب « تحرير الكويت»، ووصول مدريد إلى طريق مسدود، تجاوز قاعَه إلى اللا قاع بعد ظهور تصميم إدارة بوش الابن على مشارف ولايته الأولى، على غزو العراق قبل أفغانستان أو بعدها. ولست أدري إن كان ضمن أهداف الغزو الأميركي للعراق الإسقاط العملي لـ«سايكس ـ بيكو» أو أن الذي حصل كان من ضمن التداعيات غير المحسوبة. وعلى أي حال فإن الوضع الآن، بل منذ عام 2003/ 2004 أن إيران عادت إلى حقبة ما قبل مرج دابق، بتحول العراق مرة أخرى إلى منطقة نفوذ لها، واندفاعها باتجاه غرب الفرات، والخليج واليمن. وكان الملك الأردني عبد الله الثاني قد تحدث عام 2005 عن الهلال الإيراني الذي تجاوز الفرات إلى المتوسط. ثم عاد في مقابلة له أخيرا للقول إن الغزو الأميركي للعراق أحدث تحولا استراتيجيا لصالح إيران. على أن الوضع الحالي لعرب المشرق والخليج لا ينبغي معه التأمل في التمددات الإيرانية وحسب، بل وفي وظائف التمدد التركي، وسط غياب مصر المستمر، والعجز العربي عن مواجهة التحدي الإسرائيلي.

قبل شهرين خلال زيارة قام بها رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي لطهران، تحدث الرئيس الإيراني عن «ملء الفراغ»، في حين تحدث أردوغان عن الاستقرار وصَون المصالح. وشواهد التاريخ تقول إن الأتراك والإيرانيين يُحضِر أحدهما الآخر ويتدافعان، لكنهما قد يتقاسمان أيضا. فما الأمر الذي يحدث الآن، أو أنه قد حدث في هذا «الشرق الأوسط الكبير» ما بين باكستان وأفغانستان وإسطنبول وتبريز وطهران وبغداد ودمشق؟ وأين نحن من مسارَي مرج دابق و«سايكس ـ بيكو»، ما دامت مصر لا تزال ممعنة في الغياب؟!

 

انشر عبر