شريط الأخبار

لا ثمن للكذب .. معاريف

01:00 - 01 تشرين أول / ديسمبر 2009

بقلم: عوفر شيلح

جلبة عظيمة في المانيا: ان الكشف الصحفي لصحيفة "بيلد"، التي كشفت عن قضية متشعبة للطمس على الحقائق والكذب حول القصف في افغانستان، افضى الى استقالة رئيس الاركان الالماني شنايدر هان ووزير العمل، (الذي كان وزير الدفاع في الماضي) يونغ. بعد ان قصفت قوات حلف شمال الاطلسي بطلب من المانيا، حاويتي وقود اختطفتهما طالبان، وهي عملية قتل فيها نحو بسبعين من رجال طالبان لكن قتل فيها ايضا نحو من ثلاثين مواطنا وفيهم اطفال، زعم رئيس الاركان والوزير انه لم يقتل اي مواطن نتيجة القصف. كشفت صحيفة "بيلد" عن الاكذوبة، ودفع قائد الجيش والمستوى المسؤول عنه الثمن.

مطلوب اليكم ان تتخيلوا ماذا كان يحدث عندنا في حالة مشابهة. قبل كل شيء، بالقرار: فان احدا ما يأمر باطلاق القنابل، على رغم ان الوسائل التي يملكها حلف شمال الاطلسي والجيش الاسرائيلي ايضا تمكن من ملاحظة وجود المدنيين وتخمين ان جزءا منهم سيصاب ايضا. يحاولون في الجيش الاسرائيلي اتمام مسار منظم يفضي الى قرار ذكي في حالة كهذه. وعلى نحو لا يقل عن ذلك يعتمدون عندنا، بقدر كبير من الحق على القائد الميداني. في حالات غير قليلة كان قادة البنية الجوية هم الذين قرروا آخر الامر عدم اطلاق الصاروخ.

في مقابلة ذلك وجد غير قليل من القرارات تقرر فيها ببرود اعصاب ان يقتل مدنيون. مثلا بقرار اغتيال صلاح شحادة مع العلم بأن ابناء عائلته موجودون في المبنى. لم يكن من الممكن في  افغانستان اتمام مسار طويل فقد كان الوقت ضيقا؛ وتكثر في تاريخ الجيش الاسرائيلي الحالات التي كانت فيها الاصبع على الزناد في حالات كهذه خفيفة هوجاء.

وفي الاساس، كما في الحالة الالمانية تماما، يوجد عندنا فصام أخذ يزداد بين الفعل والنتيجة. فالقتال الجوي الحديث يتم في جزئه الذي أخذ يزداد على يد مستعملين لطائرات بلا طيارين، او بواسطة اطلاق سلاح موجه الى نقطة ما يحددها 12 رقما في الحاسوب. لا يرى الطيار في الحقيقة فمن يرى موجود بعيدا. وهكذا قتل مئات من المواطنين الفلسطينيين في عملية "الرصاص المصبوب".

أكان رئيس هيئة الاركان في الجيش الاسرائيلي يكذب كما كذب شنايدر هان؟ يبين التاريخ على الاقل ان لا. سارع أمنون ليبكين – شاحك الى تحمل المسؤولية عن اطلاق النار على كفر قانا في عملية "عناقيد الغضب". وفي حرب لبنان الثانية اقيم حفل صحفي بعد ساعات من القصف الذي قتل مدنيين في نفس المكان. عندما صدرت عن دان حالوتس مقالة غير صحيحة في توجيه مغلق عن اطلاق النار على سيارة اسعاف في النصيرات، بقصد اخفاء وسائل قتال سرية لا كأكذوبة مقصودة، رأت متحدثة الجيش الاسرائيلي روت يارون ذلك أزمة ثقة حقيقية. لا يعني ذلك ان الجيش يقول الحقيقة دائما، لكن سجله في شؤون كهذه ولا سيما في السنين الاخيرة، يدل على اننا كنا نسمع صيغة اقرب الى الحقيقة.

ليس هذا بالضرورة بسبب الاخلاق. أشك في ان يشعر احد عندنا بالحاجة الى الكذب، واشك اكثر في انه كان يدفع ثمنا ما عن اكذوبة كشف النقاب عنها. تلقى الجمهور الاسرائيلي نتائج كفر قانا، واغتيال شحادة او "الرصاص المصبوب" بهز الكتفين. فالطرف الثاني اقسى دائما، ويطلق النار على المواطنين عمدا، ويختبىء بين السكان المدنيين. كففنا منذ زمن عن ان نحكم على انفسنا بحسب سلم قيم، ننظر اليه على انه مطلب عالم متلون معاد. لو وجدت اكذوبة لما ثار احد. كما لم يثر احد لسرعة اغلاق الجيش الاسرائيلي التحقيق في الاعمال الشاذة في عملية "الرصاص المصبوب" – وتحطم اسرائيل اليوم رأسها لاثار تقرير غولدستون الخطيرة. كانت اكذوبة الجيش في تصور الذات على انها ضحية وتباكي المجتمع ترى حماية عادلة للذات من انتقاد العالم المعادي للسامية. تعال الينا، يستطيع رئيس الاركان اشكنازي ان يقول لصديقه شنايدر هان: فعندنا لن تضطر الى الكذب، واذا كذبت فلن يطلب احد منك الانصراف.

انشر عبر