شريط الأخبار

دراسة : الازمة الاقتصادية العالمية وتأثيراتها في دول المنطقة وفي اسرائيل*

11:24 - 29 تشرين أول / نوفمبر 2009

دراسة : الازمة الاقتصادية العالمية وتأثيراتها في دول المنطقة وفي اسرائيل*

 

بقلم: شموئيل ايفن، ونتسان فيلدمان

* معهد  بحوث الامن القومي

        العالم في ذروة ازمة اقتصادية عميقة – وهي اول ازمة في عصر المعلومات. يوجد لازمات اقتصادية من هذا النوع عنصران: ازمة مالية وازمة اقتصادية حقيقية تنشأ على اثرها. تنبع الازمة المالية من اخفاق اداء الجهاز المالي. يعبر عنها بخسائر مالية عظيمة، وانهيار مؤسسات مالية، وفقدان الثقة بهذا الجهاز، ومدد مالي منخفض (تباطؤ تدفق المال). يفضي نقص الاكسجين المالي اكثر فاكثر بشركات الى الغاء مشروعات واقالة عمال. في الآن نفسه يفضي المس بتوفيرات الجمهور في السوق المالية وانخفاض الامن الاعمالي بالجمهور الى مضاءلة شراء المنتوجات والخدمات. وهكذا تنشأ ازمة اقتصادية واقعية يعبر عنها انخفاض حاد للاستهلاك، وانخفاض الانتاج، وزيادة افلاس الاعمال، ومضاءلة ايرادات الدولة من الضرائب، وارتفاع حاد للبطالة وازدياد للفقر وغير ذلك.

        تؤثر ازمات بقوة كهذه في قدرة الدول على تحقيق أهدافها الوطنية في شتى المجالات وقد تمس بقدرتها على الاداء بل قد تكون خطرا على استقرارها الداخلي. تعتبر الازمة الحالية، من الوجهة المالية على الاقل الاشد خطرا منذ سنة 1929. آنذاك افضت الازمة المالية الى "الكساد الكبير" – وهو اعمق ازمة اقتصادية في التاريخ الحديث، انتهت فقط مع الحرب العالمية الثانية. ساعدت التأثيرات الاجتماعية والسياسية لـ "الكساد الكبير" في صعود نظم حكم فاشية وعلى رأسها النازي في المانيا، وفي توسع تأييد الشيوعية. اليوم وبخلاف الماضي، يعمل قادة الدول ذات الاقتصادات الكبيرة (مجموعة العشرين) بقوة كبيرة وبتنسيق لوقف التدهور الاقتصادي، ولا ينتظرون الى ان تتم قوى السوق الحرة عملها.

        تصف هذه المقالة باختصار الازمة الاقتصادية العالمية وتأثيراتها في بيئة اسرائيل الاستراتيجية.

        الازمة الاقتصادية في العالم

        على اثر الازمة المالية التي بدأت في 2007، انزلق في النصف الثاني من 2008 الاقتصادي الامريكي، ومعه ايضا اقتصاد كتلة الاتحاد الاوروبي واليابان الى ركود رسمي (الركود الرسمي هو وضع يسجل فيه نمو سلبي في ربعين متواليين). مثلا منذ بدء سنة 2008 الى نيسان 2009 ارتفعت نسبة البطالة في الولايات المتحدة من 4.9 في المائة الى 8.9 في المائة من القوة العاملة. وفي ايار 2009 بلغ عدد مستحقي رسوم البطالة ذروة 6.66 مليون. في آذار 2009 سجل في الولايات المتحدة 130.831 افلاسا – اي بزيادة 46 في المائة قياسا بآذار 2008 – وبزيادة 81 في المائة قياسا بآذار  2007. منذ 2009 حتى منتصف نيسان 2009 اغلق في الولايات المتحدة 25 مصرفا، قياسا بـ 25 مصرفا اغلقت في سنة 2008 كلها و 3 مصارف اغلقت في سنة 2007. في الربع الاول من 2009 انخفض الانتاج في الولايات المتحدة بنسبة 1.6 في المائة (قياسا بالربع السابق).

        يميز كساد اقتصادي عميق ايضا دولا متقدمة اخرى. مثلا في الربع الاول من 2009 انخفض الانتاج في المانيا بنسبة 3.8 في المائة (قياسا بالربع السابق)، وفي ايطاليا بنسبة 2.4 في المائة، وفي بريطانيا بنسبة 1.9 في المائة، وفي فرنسا بنسبة 1.2 في المائة. يدل تنبؤ منظمة الدول الصناعية المتقدمة من آيار 2009 على انخفاض انتاج الدول العضوات في المنظمة في سنة 2009 بنسبة 4.3 في المائة، وعلى انخفاض بنسبة 0.1 في المائة لانتاج سنة 2010. يقدرون في المنظمة ان ينتعش اقتصاد الولايات المتحدة قبل اقتصاد اوروبا، بفضل طائفة الحوافز الاقتصادية للادارة الامريكية ولان الازمة المالية في الولايات المتحدة موجودة في مرحلة اكثر تقدما. على اثر الازمة في الكتل الاقتصادية الكبيرة طرأ سوء ملحوظ ايضا على وضع دول ناهضة في العالم وبعضها يحتاج الى مساعدة صندوق النقد الدولي.

        يمكن ان نجد وضعا اقتصاديا مختلفا في الصين فبرغم ان التباطؤ الاقتصادي قد اصابها، فانها يقدر ان تكون واحدة من الدول الكبرى القليلة التي ستتمتع هذا العام ايضا بنمو مرتفع نسبيا – 6 في المائة.

        تعتمد مواجهة دول مختلفة للازمة في الاساس على خطط اعادة بناء الاجهزة المالية وحفز النشاط في الجهاز الاقتصادي. في اجتماع الدول الصناعية العشرين في الثاني من نيسان 2009 قال رئيس حكومة بريطانيا غوردون براون ان الحصيلة العامة للحوافز الاقتصادية من قبل دول في العالم في السنتين القريبتين يتوقع ان تبلغ خمسة تريليونات دولار. وعامل مهم آخر في مواجهة الازمة هو خفض سعر المال (الفائدة). فقد خفضت المصارف المركزية الكبرى في الغرب الفائدة النقدية الى الصفر تقريبا. الحديث عن علاج عنيف في سعته لم يوجد له مثيل في التاريخ الاقتصادي. يثبت هذا العلاج عمق المشكلة والرغبة في احراز حلول سريعة قبل ان تزداد اضرار الازمة عمقا. مع ذلك تنضاف اليها ايضا تأثيرات مصاحبة خطيرة كارتفاع حاد للديون الحكومية وعجز الميزانية وخطر نشوء تضخم في المستقبل.

        مع نهاية الربع الاول من 2009 تلحظ دلائل ايجابية في الجهاز المالي مثل ارتفاعات متصلة في اسواق الاسهم في العالم كله قياسا بدرك الحضيض، وتجديد اصدارات سندات الدين، وانخفاض الفائدة بين المصارف وتحسن التقارير المالية لعدد من المصارف الكبيرة في الولايات المتحدة في الربع الاول من 2009 قياسا بتقارير الربع الاخير من 2008. تنسب هذه الاشارات من جملة ما تنسب الى تحول الاموال الكثيف الى المصارف والى الفوائد المنخفضة.

        على هذه الخلفية قال رئيس المصرف الفيدرالي للولايات المتحدة بن برناركي في 14 نيسان 2009: "توجد علامات على اعتدال السقوط الحاد للنشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، وقد يشير ذلك الى اول خطوة للاقتصاد في الطريق الى الانتعاش". وقال نظيره رئيس المصرف الاوروبي المركزي جان كلود تريشي اقوالا مشابهة في 11 آيار؛ اذ قال ان الاقتصاد العالمي اصبح "قد اجتاز نقطة التحول".

        لا يشارك عدد من الخبراء في هذا التفاؤل. ابرزهم الخبير الاقتصادي نوريال روبيني، الذي كان من القلة الذين تنبأوا بالازمة. قدر روبيني في الثامن من نيسان 2009 اننا ما زلنا لا نرى الضوء في اقصى النفق وان الازمة في وول ستريت لم تبلغ نهايتها بعد. قال في الـ 20 من نيسان: "لقد تباطأ في الحقيقة معدل تقلص النشاط الاقتصادي العالمي في الاشهر الاخيرة، لكن انخفاض النشاط مستمر، ومشكلات القطاع المالي في الولايات المتحدة ما زالت لم تكشف كاملة، وحصيلة خسائر القطاع يتوقع ان تنمو لتصبح 3.6 تريليون دولار قياسا بتريليون دولار حتى الان". قدر ان نسبة البطالة في الولايات المتحدة في سنة 2010 يتوقع ان ترتفع فوق 11 في المائة وان النمو سيكون نحوا من 0.5 في المائة فقط.

 

        معان استراتيجية

        برغم ان الازمة بدأت في الولايات المتحدة لم تتضرر مكانتها كقوة عالمية. ازاء الركود تبرز قدرة الادارة الامريكية على استعمال اجهزة قوية، وقد يكون اقتصاد الولايات المتحدة اول الاقتصادات خروجا من الازمة. في مقابلة ذلك حددت الازمة مشكلات الاتحاد الاوروبي (لا تلائم سياسة اقتصادية واحدة جميع الدول)، وأبرزت ضعف دول تعاني نظما اقتصادية ضعيفة مثل روسيا.

        ما تزال الصين تنمو في فترة الازمة الاقتصادية العالمية ايضا وهذا شيء يبرز قوتها في النظام العالمي. في الان نفسه تبرز الازمة الصلة المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة في المجال الاقتصادي. فالولايات المتحدة بالنسبة للصين مصدر مهم للتصدير والتقنيات. وهي لذلك عنصر مهم لنمو الصين، اما الصين بالنسبة للولايات المتحدة فهي مصدر لسلع رخيصة، ولاستثمارات ولتمويل الدين القومي الامريكي (الصين اكبر دائنة للولايات المتحدة وتملك سندات دين امريكية حكومية بقيمة تزيد على 740 مليار دولار). مع ذلك يوجد في الولايات المتحدة من يرون الصين ودولا ناهضة اخرى في شرق اسيا عاملا يعرض العمل والنمو في الولايات المتحدة للخطر لان الولايات المتحدة غير قادرة على منافسة قدرة انتاجها الرخيصة. تنشىء هذه الظاهرة عجزا تجاريا عظيما للولايات المتحدة ازاء الصين.

        لكن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للولايات المتحدة هدف من الطراز الاول لادارة اوباما، لكن الادارة لا تهمل الساحة الخارجية وفي ضمن ذلك اجراءاتها في الشرق الاوسط.

        برغم ضرورات الميزانية في الولايات المتحدة، فمن المعقول ان نفترض الا تتضرر المساعدة العسكرية التي تبذلها الولايات المتحدة لاسرائيل ولدول المنطقة، ومن جملة اسباب ذلك ضرورات سياستها الخارجية ورغبة الادارة في مساعدة صناعات السلاح الامريكية في هذه الفترة.

 

        الاتجاهات في قطاع النفط العالمي

        ان النفط واحد من العوامل التي تربط الشرق الاوسط بالاقتصاد العالمي لانه يوجد فيه نحو من 60 في المائة تقريبا من احتياطي النفط في العالم. في العقد الاخير حتى تموز 2008 طرأ ارتفاع متصل على اسعار النفط. فقد كان سعر النفط المتوسط لاوبيك في شهر تموز 2008، 131 دولار للبرميل – وهذا رقم قياسي في جميع الازمان بمفهوم حقيقي ايضا. كان سبب ذلك الرئيس نموا سريعا للاقتصاد العالمي افضى الى زيادة ملحوظة للطلب من قبل دول في شرقي آسيا، لكن وجدت ايضا اسباب اخرى: المضاربة على سعر النفط،  والخوف من المس بمصادر النفط في الخليج العربي اذا نشبت مواجهة بين الولايات المتحدة وايران وغير ذلك. في خلال ذلك حدث ارتفاع ملحوظ لاسعار مواد خام اخرى ولاسعار الانتاج الزراعي، وزاد ذلك التضخم في دول مختلفة في العالم.

        بعد الذروة في تموز 2008، وعلى اثر انخفاض طلب النفط وتوقعات نمو سلبي للاقتصاد العالمي، تحول الاتجاه. في كانون الاول 2008 انخفض سعر النفط لاوبك الى 38.6 دولار للبرميل (بمعدل شهري).

        على حسب تنبؤ نشرته في 14 ايار 2009 سلطة الطاقة الدولية (آي إي ايه)، سيقف الطلب العالمي للنفط في سنة 2009 على 83.2 مليون برميل كل يوم في المتوسط، اي اقل بـ 3 في المائة مما كان في 2008. في هذا التاريخ وقف سعر النفط على نحو من 58 دولارا للبرميل. يتوقع ان يعاود سعر النفط الارتفاع عندما ينتعش الاقتصادي العالمي، لكنه ما تزال توجد شركات استقر رأيها على تأخير او الغاء مشروعات للتنقيب عن حقول نفط ولتحسين الانتاج.

 

        معان استراتيجية

        الاهتزازات الشديدة لاسعار النفط تزيد في اهمية تطوير أبدال طاقة من النفط – لاعتبارات اقتصادية ولاسباب سياسية، ولا سيما ان اكثر احتياطي النفط في العالم موجود في مناطق غير مستقرة او في يد حكام يواجهون الغرب. وعلى ذلك يحسن ان تنفق مستهلكات النفط ومنها اسرائيل في تطوير ابدال من النفط، برغم ان انخفاض الاسعار الحالي يضاءل الجدوى الاقتصادية من ذلك.

        انخفاض سعر النفط يضائل الجدوى الاقتصادية من اقامة بنى تحتية للطاقة الذرية ويضعف ايضا مزاعم الدول التي تريد تطوير قدرات ذرية وعلى رأسها ايران.

        لا يقلل انخفاض سعر النفط من اهمية الخليج العربي كمصدر الطاقة الرئيس في العالم لان فيه اكثر احتياطي النفط المبرهن عليه في العالم. وعلى ذلك سيصعب على الولايات المتحدة ان تنسحب تماما من العراق بغير حلول تضمن استقرار المنطقة.

 

        تأثير الازمة في اقتصادات دول عربية وايران

        السعودية وامارات الخليج – تضررت بالازمة في مجالين: انخفاض الايرادات من تصدير النفط؛ وانخفاض قيمة الممتلكات المستثمرة في الخارج. على حسب تقديرات صندوق النقد الدولي سيكون نمو اقتصاداتها في 2009 حوالي 1.5 في المائة. بحسب هذه التقديرات، لن يكون متوسط سعر برميل النفط اقل من 50 دولارا لكن حتى لو كان السعر اقل فان هذه الدول تملك ادوات لتعديل تأثير انخفاض معدل النمو. زاد الارتفاع الذي طرأ على اسعار النفط حتى النصف الثاني من 2008 ارباحها من تصدير النفط والتي وقفت على نحو من 2.2 تريليون دولار منذ 2003. الفائض المالي الذي سجل في السنوات الخمس الاخيرة في الحساب الجاري لهذه الدول يزيد على 900 مليار دولار. خصخصت مبالغ كبيرة من هذه الفوائض لشراء ممتلكات مختلفة في انحاء العالم ولمضاءلة ديون الحكومات. نفذ هذا النشاط في اكثره صناديق مالية حكومية. ولما كانت هذه الصناديق لا تدار بشفافية فانه يمكن ان نقدر فقط ما هو مقدار المال الذي تملكه وما هو الضرر الذي اصابها في الاشهر الاخيرة. على حسب اكثر التقديرات اعتدالا، كان مقدار الممتلكات الاجنبية لهذه الدول في نهاية 2008 نحوا من 1.2 تريليون دولار. يقدر التأكل المخمن للقيمة العامة الذي تعرضت له املاكها منذ ايلول 2008 بـ 15 الى 25 في المائة، لكن برغم التأكل الذي طرأ على قيمة الممتلكات الاجنبية، فان المال الموجود في هذه الصناديق يساعد دول الخليج على ان تخطو خطوات استقرارية، وفي بدء 2009 أمرت الحكومات عددا من الصناديق بتحويل مال الى سوق الاسهم المحلية والى المصارف المركزية. كل اولئك يمكن السعودية ودول الخليج من مجال مناورة ملحوظ.

        يتصل شكل اختيار دول الخليج للاستعانة بممتلكاتها ايضا بمبلغ طموحها الى ان تزيد من تأثير ثروتها لتقديم مصالح سياسية. في حالات كثيرة في الماضي استقبل بارتياب شراء اسهم لشركات في دول الغرب على يد دول النفط العربية، لئلا يكون موطىء القدم في مؤسسات مالية وشركات كبيرة اداة ضغط لاحراز اهداف سياسية من قبلها. يبدو اليوم ان ظمأ النظام المالي العالمي الى السيولة يزيد في مبلغ جاذبية المال الموجود في الصناديق المالية لدول الخليج، والحاجة الى الاعتماد تطمس على الدعوات المحتجة على الظاهرة. تم الحصول على شهادة على ذلك زمن الزيارة الاخيرة لرئيس حكومة بريطانيا غوردون براون للخليج؛ فقد دعا الصناديق المالية الى توسيع نشاطها في الاسواق البريطانية. والى ذلك تحث جهات في صندوق النقد الدولي وفي البنك الدولي في الاشهر الاخيرة حكومات الخليج على ان تقرن نفسها بجهود تخليص النظام المالي الدولي لتحويل مال من الصناديق وبزيادة نصيبها من احتياطي صندوق النقد الدولي.

        لا تسارع حكومات الخليج التي نفذت في سنة 2008 عددا من الاستثمارات في مصارف كبيرة في الولايات المتحدة وفي شركات كبيرة اخرى، الى تحويل مال كثير الان لشراء استراتيجي ومن جملة اسباب ذلك الاخطار الاقتصادية التي تشتمل عليها هذه الاستثمارات. ان انخفاض اسعار النفط والخسائر التي تجمعت عندها بسبب الازمة المالية زادت هي ايضا الحاجة الى تدبير الاخطار عندها ايضا. مع ذلك لم تنقطع شهوة حكومات الخليج الاستثمار في دول الغرب. فمثلا في آذار 2009 اشترى صندوق آبار، وهو واحد من صناديق الاستثمار في ابو ظبي، 9.1 في المائة من اسهم شركة السيارات الالمانية الضخمة دايملر. هذه المشتريات الى جانب تصريحات مختلفة عن مديري عدد من الصناديق الكبيرة، تثير امكان ان تستغل الصناديق الفرص الكامنة في الازمة لتشتري باسعار رخيصة اجزاء من شركات اخرى في الغرب.

        تؤثر اهتزازات الايرادات وثروة دول النفط تأثيرا غير مباشر في دول لا نفط عندها في الشرق الاوسط (مثل الاردن ولبنان)، ومنتجات نفط اصغر ( مصر وسورية)، تعتمد على تحويل اموال العاملين في دول الخليج الى اوطانهم، وعلى الاتجار بين الدول وتمويل المشروعات. تضائل الازمة الاقتصادية بقدر ما اسهام دول النفط في اقتصاد الدول الاخرى.

ايران - متعلقة على قدر كبير بوضع سوق الطاقة العالمية. تصدر ايران نحوا من مليوني ونصف المليون برميل نفط كل يوم، والايرادات من تصدير النفط هي نحو من 80 في المائة من جملة تصديرها. ان المد في قطاع الطاقة العالمي مكن اقتصاد ايران من ان ينمو في السنين الخمس الاخيرة بمعدل سنوي متوسط يزيد على 5 في المائة، لكن برغم ذلك لم يتحقق وعد احمدي نجاد بتوزيع ارباح النفط على مواطني الدولة كلهم. فما تزال نسبة البطالة عالية (12.5 في المائة بحسب معطيات رسمية)، وبلغ معدل التضخم في منتصف سنة 2008 اكثر من 25 في المائة. اذا استثنينا ارتفاعات اسعار المنتوجات في الاقتصاد العالمي، يمكن ان ننسب جزءا من التضخم في ايران للسياسة النقدية (فائدة اخفض جدا من التضخم) والى العقوبات الدولية. ان المعركة المالية التي تقودها الولايات المتحدة تضائل قدرة الجهات المالية الايرانية على تنفيذ تحويل اموال دولية، وتسهم في ارتفاع الاسعار لانها تزيد تكاليف استيراد الدولة. لانخفاض اسعار السلع في العالم تأثير عكسي في ايران. فمن جهة يسهم انخفاض الاسعار في الاقتصاد العالمي اسهاما مباشرا في انخفاض اسعار استيراد الغذاء والمواد الخام الى ايران، ومن جهة اخرى يقتضي انخفاض الايرادات من النفط من الحكومة ان تضائل جدا الدعم الواسع الذي تمنحه. ان احمدي نجاد الذي صرح في تشرين الثاني على ان ايران ستظل في نمو حتى لو اصبح سعر برميل النفط 5 دولارات فقط، اعترف بعد ذلك بأن انخفاض اسعار النفط سيقتضي مضاءلة حادة لنظام الدعم وسيفضي الى ارتفاع الضرائب.

ان انخفاض اسعار النفط يصعب الامر على اقتصاد ايران، لكنها ما تزال تمتلك احتياطيات من العمولات الاجنبية تمنحها امكان ان تضائل تأثير الضغط الدولي. كانت الحصيلة العامة من احتياطي العمولات الاجنبية عند ايران في بدء 2009 ، 96 مليار دولار. يستطيع هذا المبلغ ان يكفي الاستيراد الايراني زمنا طويلا، حتى بغير ايرادات من التصدير البتة (قدر الاستيراد الى ايران في 2008، بـ 76 مليار دولار). مع ذلك فان خسارة الايرادات التي تنبع من عقوبات اقتصادية، بسبب الازمة الاقتصادية مؤلمة جدا.

مصر والاردن – غيرت الازمة العالمية تحديات اقتصاد مصر والاردن. في منتصف 2008 كان التضخم هو التهديد الرئيس لاستقرارهما الاقتصادي، اما في منتصف 2009 فاصبح اكبر تحد لهما يكمن في محاولات وقف انخفاض معدل النمو. للازمة تأثيرات متعاكسة. فمن جهة يتوقع ان يعتدل التضخم السريع بسبب انخفاض اسعار السلع والعقارات، ومن جهة اخرى انخفاض الاستثمارات والنشاط الاقتصادي يتوقع ان يمس بالنمو وان يزيد نسب البطالة. ليس مستوى التداخل بين النظام المالي في مصر والاردن والنظام المالي العالمي كبيرا، وعلى ذلك من المعقول افتراض الا تكون المصارف المحلية معرضة لـ "ممتلكات مسمومة".

سورية – للازمة المالية تأثير محدود في الجهاز المالي السوري لانه صغير ومركزي. في سنة 2008 نما الاقتصاد السوري بمعدل سريع نسبيا بلغ 5 في المائة تقريبا. لكن النمو يتوقع ان يكون هذه السنة اقل كثيرا. المشكلة الرئيسة للاقتصاد السوري لا تتصل بالازمة العالمية خاصة بل هي كامنة في تضاؤل احتياطي النفط وانخفاض انتاج النفط وتصديره.

في سنة 1996 كان معدل الانتاج 600 الف برميل كل يوم اما اليوم فهو اقل من 380 الف برميل ويتوقع ان يقل بعد. اذا فكرنا في المدفوعات الى شركات النفط الاجنبية، فيمكن ان نزعم ان سورية قد اصبحت حتى في 2007 مستوردة نفط خالصة. سيزيد تضاؤل احتياطي النفط عجز الحساب الجاري في ميزان المدفوعات وتعلق سورية بمصادر مال خارجية. في هذه المرحلة تأثير انخفاض اسعار النفط في سورية سلبي لكنه محدود. انه ما استمر الركود الاقتصادي في العالم فستظل سورية تتمتع بانخفاض اسعار المواد الخام والمنتوجات المستوردة.

لبنان – بخلاف الاقتصادي السوري، يوجد في لبنان اقتصاد مفتوح له علاقات متشعبة بالخارج. هذه الحقيقة تزيد التعرض السلبي للبنان لازمة الاقتصاد العالمي في مجالات المصارف، والاستثمارات الاجنبية، واعادة جدولة الدين الوطني والسياحة كذلك التي هي مصدر دخل مهم. سيكون نمو اقتصاد لبنان في سنة 2009 أقل كثيرا من النمو السريع الذي ميزه في السنوات الاخيرة (8 في المائة في 2008 و 7.5 في المائة في 2007). ينبغي ان نذكر ان لبنان عانى في سنة 2006 جمودا اقتصاديا بسبب حرب لبنان الثانية. مع ذلك، انخفاض سعر النفط ومنتوجات مستوردة اخرى يساهم في الاقتصاد ويبدو ان لبنان يصمد جيدا في الازمة.

السلطة الفلسطينية – منذ سيطرة حماس على القطاع تعمل اسرائيل والجماعة الدولية مع الاقتصاد الفلسطيني في جهدين متعارضين: فمن جهة تعزيز معسكر ابي مازن ويعبر عن ذلك بتحويل اموال من الجماعة الدولية الى هذا المعسكر، وبمضاءلة عدد حواجز الطرق ومنح اسرائيل العمال الفلسطينيين من الضفة عملا؛ ومن الجهة الاخرى مع حماس في قطاع غزة، تستعمل اسرائيل ومصر حصارا اقتصاديا، ولا تحول الجماعة الدولية الى حماس اموالا. وبسبب ذلك توسع الفرق بين الوضع الاقتصادي في الضفة والوضع الاقتصادي في غزة.

منذ نشبت انتفاضة الاقصى ووضع الاقتصاد الفلسطيني الاساسي صعب، وتساهم الازمة الاقتصادية الحالية بنصيبها هي ايضا. لكن انخفاض اسعار الغذاء والوقود مجد على الاقتصاد الفلسطيني، لكن يتوقع من الجهة الثانية تأثير سلبي للوضع الاقتصادي في الخليج العربي والاردن واسرائيل في الاقتصاد الفلسطيني. يقال ذلك على نحو خاص عما يتعلق بايرادات العمال الفلسطينيين في هذه الاقتصادات. والى ذلك قد تصعب الازمة الاقتصادية في العالم على جهات معونة الوفاء بالتزاماتها. قدر مقدار المساعدة في سنة 2008 بـ 1.5 مليار دولار وهو مبلغ كبير قياسا للانتاج الوطني الخام الفلسطيني الذي يقدر بـ 5 مليارات دولار فقط، ويشهد على تعلق الفلسطينيين بالمساعدة الخارجية. بحسب تقديرات البنك الدولي، تمنع المساعدة الخارجية تدهور اكثر سكان قطاع غزة الى فقر عميق (صعوبة الحصول على سلة المنتوجات الاساسية).

 

تأثير الازمة في الاقتصاد الاسرائيلي

الاقتصاد الاسرائيلي مصروف الى التصدير وشديد التعلق بالاقتصاد العالمي. بعد خمس سنين من النمو السريع طرأ في النصف الثاني من 2008 تباطؤ حاد للاقتصاد الاسرائيلي. كان معدل النمو في سنة 2008 كلها 4 في المائة لكن الاقتصاد في الربع الاخير من 2008 دفع الى جمود، قياسا بنمو بلغ 5.4 في المائة في 2007 و 5.2 في المائة في 2006.

وقف الانتاج المحلي الخام في سنة 2008 على 714 مليار شيكل. تنبؤ بنك اسرائيل بنمو الانتاج في سنة 2009 هو –0.2 في المائة قياسا بـ 2.8 في المائة في سنة 2008. ينبع التباطؤ قبل كل شيء من وضع الاقتصاد العالمي، لكن توجد ايضا عوامل اخرى مثل عدم وجود تغييرات بنيوية ودوافع نمو اخرى تؤيد استمرار النمو السريع. يبدو ان النمو في 2009 حتى بغير الازمة الحالية كان سيبلغ 3.5 في المائة تقريبا (بحسب تنبؤ النمو في الاقتصاد الاسرائيلي لسنة 2009 كما عرض في مسودة ميزانية اعدت في منتصف 2008). تنبؤ بنك اسرائيل هو ان ينمو الاقتصاد في 2010 بـ 1 في المائة فقط.

 

المعاني بالنسبة لاسرائيل

يظهر الاقتصاد الاسرائيلي حتى الان استقرارا كبيرا نسبيا، ولا يلحظ خطرا على استقرار الجهاز المالي في اسرائيل. سيتأثر وضع اسرائيل الاقتصادي في  الاساس بوضع الاقتصاد العالمي، ويجب عليها حتى انقضاء الازمة في العالم ان تحصر عنايتها في مضاءلة الاضرار وصد تأثيراتها فيها.

على اسرائيل ان تحافظ على صناعات الانطلاق قدما وان تستمر على تطوير الثروة البشرية التكنولوجية، التي هي كنزها الاقتصادي والاستراتيجي، وان تطور كذلك صناعات طاقة متجددة لان اسعار الطاقة قد ترتفع مرة اخرى.

ان ضرورات الامن وجهود النمو لا تمكن من خفض كبير للعبء الامني.

 

الخلاصة

يوجد العالم الان في عمق مسارات اقتصادية، يصعب التنبؤ بتطورها وكذلك بتأثيراتها الاجتماعية والسياسية. حتى لو كان ذروة الازمة المالية الحالية قد مرت فمن المشكوك فيه ان تكون قد انقضت ذروة الازمة الاقتصادية الواقعية، بحيث ان مقاييس مختلفة كالبطالة قد تزداد سوءا مرة اخرى.

سيتأثر وضع اسرائيل الاقتصادي في الاساس بوضع الاقتصاد العالمي. ان نهاية الازمة الاقتصادية في العالم مشروطة بعدة عوامل على رأسها نجاح ادارة اوباما. ينبع ذلك من السياق المنطقي الآتي وهو ان خلاص الاقتصاد العالمي مشروط في الاساس بخلاص الاقتصاد الامريكي؛ وخلاص الاقتصاد الامريكي مشروط بالاساس بعودة ثقة الجمهور الامريكي بالاجهزة الاقتصادية؛ وعودة ثقة الجمهور الامريكي بالاقتصاد مشروطة في الاساس بزعامة الرئيس اوباما وفريقه الفني. يظهر الرئيس اوباما في هذه المرحلة تصميما وقدرة على اتخاذ قرارات صعبة سريعا. ويوحي في الاشهر الاخيرة بتفاؤل حذر. لقد عرف وضع الاقتصاد في خطبة خطبها في 14 نيسان 2009 كالآتي: "لا شك في ان الزمن ما يزال شديدا ولم نخرج حتى الان على اية حال من الغابة، لكن من المكان الذي نقف فيه، هذه اول مرة بدأنا فيها نرى تباشير الامل".

انشر عبر