شريط الأخبار

"دراسة" لمعهد بحوث الامن القومي : التدخل الدولي في الشرق الاوسط*

05:03 - 28 تشرين أول / نوفمبر 2009

 التدخل الدولي في الشرق الاوسط*

* معهد بحوث الامن القومي.

بقلم: روني بيرت وليمور سمحوني

        من المميزات الرئيسة للتدخل الدولي في الشرق الاوسط ان الولايات المتحدة هي الجهة الدولية الاكثر تأثيرا في المنطقة. هذا الامر صادق برغم ضعف الولايات المتحدة النسبي في النظام الدولي والحركة البطيئة للنظام الدولي نحو حراك اكثر تعددية في العلاقات، وتدخل جهات دولية اخرى في الشرق الاوسط واخفاقات الولايات المتحدة في المنطقة. يقوم تأثير الولايات المتحدة على وزنها السياسي والاقتصادي والعسكري، وعلى تصميمها على الدوام على التدخل وعلى ان تقود مسيرات وعلى حاجة دول المنطقة اليها. ان سائر الجهات الدولية في الاكثر تدير سياستها في الشرق الاوسط بحسب سياسة الولايات المتحدة او بالنظر اليها.

        تطمح اوروبا في مقابلتها، وتنجح احيانا، الى ان تكون جهة مؤثرة، وان تكن القدرة على تحقيق هذا الطموح محدودة جدا لان اوروبا ليست جهة موحدة في مجال السياسة الخارجية والدفاع. يصعب اخراج القدرة الكامنة على عمل مبلور للاتحاد الاوروبي في المجالات الداخلية (الاقتصاد والمواطنة والاجتماع والقضاء) في الساحة الدولية. يوجد منافسة وتوتر بين جهات وذوي مناصب مختلفة في المجال الدبلوماسي؛ ولا توجد مثابرة على قيادة مسيرات بسبب تداول رئاسة الاتحاد الاوروبي في كل نصف سنة؛ والحاجة الى اجماع مقيد جدا؛ وفوق كل ذلك – يوجد خلاف في ترتيب الاوليات بين "الكبيرات" والاخر، وبين الشرق والغرب، وبين "الجاذبات الى المركز" والمائلات الى الاستقلال. من اجل يقوم الموقف الموحد في الاكثر على قاسم مشترك معتدل ضعيف نسبيا فقط (مثل السياسة نحو روسيا) او المعارضة السلبية (مثل الرد على غزو الولايات المتحدة للعراق). في مقابلة ذلك، ينجح زعماء نشطاء – ناجعون للدول الاوروبية الكبيرة في ان يؤثروا بيقين، بفضل شخصياتهم احيانا، وبقيادة الاتحاد كله احيانا: وأمثلة ذلك توني بلير في الماضي ونيكولا ساركوزي اليوم. وفي الشرق الاوسط تؤيد اوروبا على نحو عام اهداف الولايات المتحدة السياسية مع محاولة دائمة لـ "تلطيف" او "احكام" سبل العمل؛ وان تكون اثينا ازاء روما الامريكية.

        في مقابلة ذلك تقيم روسيا اعادة بناء مكانتها – بمنزلة قوة عظمى – على التأليب على الولايات المتحدة، التي تراها تهديدا وتراها معنية باضعاف روسيا. في قضايا قليلة مهمة لمصلحة روسيا القومية، مثل الرقابة على المواد الذرية او السلاح الذري، او محاربة الارهاب الاسلامي، تتعاون موسكو مع واشنطن، لكن الاتجاه العام هو الى نعش العظمة الروسية مع محاولة احباط سياسة الولايات المتحدة (في اوروبا الشرقية)، وعرض بديل محايد من الرؤية الغربية العقائدية (في آسيا وافريقيا) او مضايقة الامريكيين (في امريكا اللاتينية). من المهم لروسيا في الوقت نفسه اظهار مشاركة مسؤولة في كل مسيرة سياسية وفي جهود دولية بناءة. في هذا الاطار تحاول روسيا العودة لتصبح جهة مؤثرة في الشرق الاوسط. ليست المنطقة مهمة جدا في نظرها بفضل مصادر الطاقة، بل لانه تحدث فيها عمليات جغرافية سياسية عظيمة الاهمية وبسبب تأثيرها في السكان المسلمين داخل روسيا. ان استراتيجية روسيا هي تنمية العلاقات ايضا – وخاصة – بجهات في المنطقة حاربتها ادارة بوش، لكي تصبح اللاعبة الدولية الوحيدة ذات العلاقات لجميع الجهات الاقليمية. على هذا النحو تشجع موسكو المحور المتطرف المعادي للغرب، وتحاول في الوقت نفسه ان تبني لنفسها مكانة عاقد الجسور.

        تثور الصين ايضا على "هيمنة القطب الواحد"، لكنها تنصرف عن التأليب. فالمبدأ الذي يوجه سياسة الصين الخارجية هو "التطور السلمي": أي ادارة قوتها المتعاظمة (بخلاف اكثر الدول الصاعدة في التاريخ) مع اسكات مخاوف جارات او قوى عظمى ولا سيما الولايات المتحدة. للصين مواقف صارمة من كل ما يتصل بها مباشرة: تايوان والتبت والضغوط لزيادة الديمقراطية. لبكين اهتمام مباشر ايضا بقضايا قريبة من جهة جغرافية: شبه الجزيرة الكورية، ودول وسط آسيا واليابان، والصين تنفق كثيرا على تطوير علاقات من أجل وصول الى مصادر الطاقة والمواد الخام. الى ذلك يمتنع الصينيون عن اتخاذ موقف، ويعارضون التدخل الدولي في الشؤون الداخلية لدول مشكلة (بورما والسودان وزيمبابوي) ويحاولون اظهار مشاركة في الاجماع الدولي. يعبر عن هذه السياسة في الشرق الاوسط ايضا، ولهذا لا يوجد توتر بينها وبين الولايات المتحدة في المنطقة. ومن الامثلة الجيدة من الماضي غير البعيد موقف الصين من غزو الولايات المتحدة للعراق: فقد عارضت الصين ذلك لكنها تركت القيادة لفرنسا وروسيا، ولذلك لم تتضرر علاقتها بالولايات المتحدة. ان الصين تزيد في المدة الاخيرة حقا حضورها في الشرق الاوسط (بواسطة مفوضيات اقتصادية، ومبعوث اقليمي خاص، ومراقبين في لبنان)، لكن الحديث في هذه المرحلة عن وهم أكثر من الحديث عن نية تدخل فعال.

        النموذج المعتاد هو كالاتي: تقود الولايات المتحدة النشاط السياسي الدولي في الشرق الاوسط؛ فاوروبا تؤيد (افغانستان) او تحث (خريطة الطريق، والتفاوض مع ايران)؛ وروسيا تترجح (اتصالات محدودة بحماس) او تعارض (عقوبات على ايران). اذا استثنينا حالات تقرر فيها الولايات المتحدة عملا عسكريا مستقلا، فان الجهات الدولية تستطيع ان تباطىء، وان تميل وفي احيان بعيدة ان تقف الولايات المتحدة. في مقابلة ذلك، قدرتها على العمل المستقل محدودة جدا، ويكاد يكون من غير الممكن في الحقيقة فعل شيء في المنطقة من غيرها. هذا التمييز يفسر عدم وفاء سياسة بوش في الشرق  الاوسط بأهدافها في قضايا كان التعاون والتأييد الدوليان فيها حاسمين من اجل النجاح، كما في قضية ايران.

        فيما يتعلق بالقضايا الملحة في الشرق الاوسط، بعد سبع سنين من اسقاط نظام حكم طالبان، اصبحت افغانستان – اكثر مما كانت دائما – في وضع قابل للانقلاب، والقاعدة ما زالت تتمتع بملاذ، وامتد القتال الى باكستان. فشلت السياسة نحو ايران: فطهران مستمرة بجد على البرنامج الذري، وفشلت جهود الدبلوماسية والعقوبات. في العراق، النجاح العسكري لاستراتيجية التعزيز شعاع ضوء، لكن بحسب ما يقول متحدثو الادارة فان الوضع "هش قابل للانعكاس". فشلت مسيرة انابوليس بين اسرائيل والفلسطينيين من جهة الجدول الزمني (اتفاق رف حتى نهاية 2008)، ولا توجد فكرة مقبولة عند جميع الاطراف المشاركة كيف يتغلب على عقبة حماس. فشلت مقاطعة الولايات المتحدة لسورية هي ايضا لان اسرائيل فضلا عن فرنسا تجاهلتاها، وفي لبنان اضطرت الولايات المتحدة الى ان تؤيد ضم حزب الله الى الحكومة على انه ذو حق في قرار نقض. وفوق كل ذلك، وربما من وجهة نظر الرئيس جورج بوش، ازيلت رؤيا الديمقراطية، التي عرفت في 2002 – 2003 على انها جوهر السياسة الامريكية، عن جدول العمل قبل ثلاث سنين. في جميع القضايا المهمة، وهذا صحيح حتى نهاية 2008 الحديث عن عدم نجاح في احراز الاهداف (افغانستان، العراق، ومسيرة انابوليس)، وعن طريق مسدود (سورية) او اخفاق (لبنان وايران).

        ينوي الرئيس براك اوباما تغيير هذا الوضع، بتفضيل محادثة الاعداء خاصة والاصغاء او التعاون المتعدد الاطراف على توجه بوش الذي انحصر بقدر كبير في الاعتماد على الذات. هذا التغيير، الذي سيعبر عنه بمواجهة الولايات المتحدة للقضايا الملحة في الشرق الاوسط، سيؤثر ايضا في جملة التدخل الدولي في المنطقة. فيما يأتي من المقالة ستحلل سياسة الولايات المتحدة المتعلقة بالقضايا الرئيسة الملحة في الشرق الاوسط، مع توكيد الانتقال من سياسة ادارة بوش الى سياسة ادارة اوباما.

        افغانستان – باكستان

        في ايلول 2008 اعلن رئيس القوات المشتركة الادميرال مايكل مولن قائلا: "لست مقتنعا اننا ننتصر في افغانستان". هذه المقالة تعريف لا مبالغة فيه للميراث الذي تلقته ادارة اوباما عن سابقتها. كانت سنة 2008 من جهة الوضع الامني أسوأ سنة للولايات المتحدة منذ اسقطت نظام طالبان في 2001. تسيطر طالبان اليوم على اكثر من نصف الدولة (خارج المدن)، ولا سيما في الجنوب والشرق، اما سائر اجزاء الدولة فيسيطر عليها في واقع الامر "اسياد حرب" محليون، وعلى ذلك فان الادارة المركزية قادرة على فرض سلطتها في واقع الامر على العاصمة كابول فقط. يفسر هذا الوضع محاولة الرئيس كرزاي في النصف الثاني من 2008 اجتذاب طالبان – او جهات معتدلة نسبيا داخلها – الى تفاوض في تسوية: حصانة ومناصب في الادارة عوض وقف الارهاب، وقطع الصلة للقاعدة ومعلومات عن ارهابيين. ربما تشهد هذه المحاولة، وموافقة الامريكيين الصامتة على هذا العمل ورفض طالبان، اكثر من كل شيء على ميزان القوى وعلى الاتجاه العام.

        في الوقت نفسه قويت القاعدة، وطالبان وحلفاؤهما في باكستان ايضا. وهم يستغلون ذلك في صراعهم مع قوات الولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي في افغانستان. تنحصر المشكلة اساسا في الاقليم الشمالي من الباكستان، وهو منطقة قبلية شبه مستقلة، توجد فيها للحركات الاسلامية المتطرفة سلطة تقليدية اقوى من سلطة الحكومة المركزية. تم التعبير عن نجاحهم هناك باغلاق ممر خيبر الاستراتيجي امام قوافل الامداد المخصصة للقوات الغربية في افغانستان، وكذلك بصد الجيش الباكستاني، غير الخبير بمحاربة الارهاب والعصابات السرية. تعمل في الباكستان في واقع الامر ثلاثة جهود ارهابية يؤيد بعضها بعضا: نضال الحركات الاسلامية المتطرفة للحكومة؛ ومحاربة طالبان وأنصارها القوات الغربية في افغانستان وجيش باكستان الذي يساعد الولايات المتحدة؛ والعمليات لمواجهة الهند كجزء من النضال من اجل نقل اقليم كشمير الى سلطة المسلمين. من الامثلة على العلاقات المتبادلة بين القوى الثلاث الهجوم على مومباي في كانون الاول 2008. عندما أثير في الهند امكان رد عسكري على باكستان، حذرت الباكستان من أنها ستضطر الى صرف قواتها عن الجبهة الافغانية في الغرب الى الجبهة الهندية في الشرق. واقترحت طالبان الباكستانية هدنة وانضماما الى النضال الموحد للهند وكأنما كان ذلك على نحو متسق. وهكذا تتصل مشكلة طالبان وانصارها، الذي كانت محدودة الى ما قبل بضع سنين في افغانستان، بالنزاع في كشمير. هذا في واقع الامر وجه واحد "فقط" من مشكلة الباكستان. الحديث من جهة الولايات المتحدة والعالم عن دولة تمتزج فيها جميع سيناريوات الرعب: الارهاب الاسلامي ذو الرؤوس الثلاثة؛ وادارة ضعيفة مصابة بالفساد وفي أزمة اقتصادية، يستبدل بها من آن لاخر بانقلاب عسكري، ولا تسيطر تماما على جهاز الاستخبارات الذي يؤيد جزئيا النشاط الارهابي الموجه الى كشمير وافغانستان؛ وقدرة ذرية، بيعت عناصر منها في الماضي، وقد تقع لايد اقل مسؤولية اذا ضعف نظام الحكم، وقد تظهر في مواجهة العدو الذري الهندي في جولة حرب اخرى.

        زعم الديمقراطيون في الولايات المتحدة وقتا طويلا ان الوضع يتدهور تدهور خطر لان ادارة بوش تحصر عنايتها في الجبهة غير الصحيحة اي العراق. جعل الرئيس المنتخب كما وعد قضية افغانستان في أول ترتيب اولياته، مع تطبيق استراتيجية جديدة تقوم على ست لبنات. اولا، لم تعد افغانستان وحدها، بل تنضم افغانستان الى باكستان. يعبر عن هذا التوجه بتعيين الرئيس اوباما لريتشارد هولبروك في منصب مبعوث خاص الى المنطقة كلها وبمؤتمر القمة الذي عقده الرئيس اوباما مع رئيسي الدولتين في بدء آيار. ثانيا، لا يشتمل هدف الولايات المتحدة الان على ذكر الديمقراطية، بل ينحصر في "التشويش على القاعدة وحلها وهزيمتها". ثالثا، زيادة القوات الامريكية في افغانستان بـ 20 الف جندي ينضافون الى 30 الفا موجودين هناك (يوجد في افغانستان ايضا 38 الف جندي من حلف شمال الاطلسي، وترفض حليفات الولايات المتحدة الامداد او الغاء قيود عملياتية لنشاط جنودها هناك). رابعا، استثمار يزداد في الجانب المدني – الاقتصادي – الترميمي، من اجل جذب سكان الدولتين الى تأييد الحكومات لا منظمات المقاومة. خامسا، جهد لتوسيع نطاق التأييد، بواسطة مؤتمر اقليمي – دولي عقد في نيسان، دعت الولايات المتحدة اليه ايران ايضا، وجمعت في نطاقه ايضا مليارات لدعم الاقتصاد الافغاني. سادسا، تغيير الاستراتيجية والتكتيكات العسكرية، وهو تغيير يعبر عنه ايضا القرار المفاجىء في منتصف آيار 2009 على تبديل القائد الامريكي في افغانستان. تؤمل ادارة اوباما ان يفضي بث هذا الامر الى تغيير اتجاه في الجبهة الرئيسة لمحاربة الارهاب.

        توجد ثلاث صعاب رئيسة في طريق نجاح الولايات المتحدة، ومن المحقق ذلك في الامد المباشر. اولا، في الصعيد العسكري، فالمدد الامريكي لن يتم قبل الصيف، ولن يترك اثره كاملا في 2009. قوات طالبان تعلم ذلك، وعلى ذلك ينبغي ان نفترض ان تزيد شدة نضالها في هذه السنة، ومن هنا يتوقع تدهور الوضع في هذه الساحة. الى ذلك ينوي جيش الولايات المتحدة محاولة ملائمة استراتيجية الارتباط بالقبائل وبجماعات "متمردين سابقين"، طبقت في العراق بنجاح، لكنه ليس واضحا الى اي حد يمكن تطبيقها في افغانستان حيث القبائل فيها اكثر انقساما واكثر تأييدا للقاعدة. لم تجد الى الان زيادة القوات واستعمال تكتيكات قتال طورت في العراق.

        ثانيا، يبدو حتى هدف ادارة اوباما المحصور نسبيا طموحا جدا. يمكن بطبيعة الامر "التشويش" جدا على نشاط القاعدة؛ وليس واضحا كيف يمكن "حل" او "هزيمة" منظمة ارهابية وعصابة سرية في هذا الجزء من العالم.

        ثالثا، توجد شكوك جدية في ارادة الحكومتين المحليتين او قدرتهما على ادارة هذا الصراع بفاعلية. ففي افغانستان لا يظهر الرئيس كرزاي رغبة في ازالة الفساد الواسع في حكومته. وفي باكستان التي فاجأت حكومتها في شهر ايار بادارة معركة عسكرية صارمة محلية مع المتطرفين، ليس واضحا الى الان هل الحديث عن عرض لمرة واحدة ان عن بدء تغيير ذي شأن. على اية حال، تتصل الشكوك بالقدرة على احراز الهدف، وفيما يتصل بالحليفات يوجد تحفظ عملي ايضا عند مؤيدي الرئيس اوباما الديمقراطيين. أجاز الكونغرس بلا مشكلات النفقة العسكرية للحرب، لكن صدت طلبات المساعدة العسكرية والمدنية للباكستان وافغانستان. تطلب اللجان ذات الصلة من الادارة تحديد علامات طريق يقاس بحسبها سلوك الحكومتين. بل لم تتم اجازة تمويل عسكري للباكستان – عرفته وزارة الدفاع انه "عاجل" – خوف ان يخصص المال لزيادة القوة التقليدية (في مواجهة الهند) او للخطة الذرية بدل التدريبات والوسائل القتالية لمواجهة طالبان والقاعدة. على اية حال، يحذر عدد من الديمقراطيين من أنه اذا لم ير الضوء في أقصى النفق بعد سنة، فستكون حاجة الى تغيير الاتجاه والخروج من المنطقة.

        ولتلخيص نقول انه ينبغي افتراض ان يزداد الوضع في افغانستان وباكستان سوءا هذه السنة قبل ان يتحسن. في الصعيد العسكري، استوعبت الولايات المتحدة خطورة المشكلة وتأخذ بسلسلة من الاعمال لمواجهة اشد فاعلية، والامر ممكن في الاساس على اثر  تحسن الوضع في العراق ونية سحب قوات امريكية من هناك. وفي الصعيد السياسي، ستحتاج الولايات المتحدة الى حنكة دبلوماسية لتوازن بين استخلاص اقصى قدر من التعاون من حكومة باكستان في الصراع مع طالبان ومع الارهاب المعادي للهند، وبين الحفاظ على الحكومتين كحليفتين فعالتين. يتوقع ان تكون الجبهة المعززة في مواجهة طالبان والقاعدة هي "حرب اوباما"، وينبغي ان نفترض ان تظل قضية "باكستان وافغانستان" في رأس سلم اوليات الادارة الامريكية.

        العراق

        في 2008 بدأت الولايات المتحدة اخراج قواتها من العراق. كانت المرحلة الاولى اخراج نحو من 30 الف جندي وصلوا هناك بمنزلة "تعزيز". تم التعبير عن المرحلة التي هي أهم اتفاق احرز في نهاية العام بين الحكومتين على استمرار وجود القوات الامريكية في العراق. على حسب هذا الاتفاق، بدأ خروج  القوات الامريكية في كانون الثاني 2009؛ حتى حزيران خرجت القوات المحاربة من المدن ومن القرى؛ وحتى نهاية 2011 سيستكمل الخروج من العراق كله. كذلك ستفرض قيود على نشاط القوات، قيود تزيد في سيطرة حكومة العراق في المجال الامني وتعبر عن نعش سيادة العراق.

        يمكن هذا  العمل في الاساس بسبب التحسن الامني المستمر. فقد هبط عدد الحوادث في 2008 بـ 80 في المائة تقريبا؛ وانخفض عدد المتوسط  الشهري من القتلى العراقيين من 3.500 الى 500؛ وانخفض عدد القتلى الامريكيين في الشهر من 100 الى 20. والى ذلك يوجد تحسن ملحوظ في المجال السياسي. لكن من جهة رسمية تمت تسوية موضوع واحد فقط وهو اجراء انتخابات محلية في كانون الثاني 2009، كذلك فيما يتصل بالموضوعات التي لم تتم تسويتها رسميا في القانون، موافقة تقبلها الاطراف (توزيع السيطرة في قطاع الطاقة، وادماج اهل السنة في الجهاز العام) أو ان علاجها اجل على نحو منع اشتعال الوضع (مكانة كركوك، وتغييرات الدستور). ان النجاح في الادماج الفعال لاهل السنة في الجهاز السياسي، وتعزيز القوات الامريكية، وتطبيق استراتيجية التآلف مع القبائل  السنية لمواجهة القاعدة، والتصميم المفاجىء الذي اظهره رئيس حكومة العراق نوري المالكي على مكافحة العصابات المسلحة الشيعية؛ كل اولئك افضى الى النجاح الامريكي – العراقي في المجال الامني.

        اذا كان الامر كذلك فان ادارة اوباما قد ورثت وضعا مريحا بالنسبة اليها. التزم المرشح اوباما سحب القوات الامريكية من العراق في غضون 16 شهرا منذ توليه منصبه (حتى ربيع 2010)، لكنه تحدث في الانتخابات العامة اكثر عن اشتراط معدل الانسحاب بتوصيات الجيش وبالظروف الميدانية. صدورا عن ذلك اعلن الرئيس في شباط ان القوات ستنسحب في خلال 16 شهرا، أي في آب 2010 "ستنتهي المهمة الحربية في العراق". ولما كانت الجداول الزمنية محددة بحسب اوصاف مهمات مرنة، فانها ليست منقوشة في الصخر. من ناحية تقنية، يوجد في المدن وفي الدولة عدد كبير جدا من البنية التحتية والمعدات والجنود، ولن يكون من الممكن اخراجها على نحو منظم في خلال 16 شهرا او 18. ومن جهة العمليات، لن يكون الجيش العراقي قادرا على تحمل المهمات الامنية وحده في هذه الجداول الزمنية. اصبح واضحا الان انه سيبقى في حزيران 2009 في المدن اكثر من 10 الاف جندي امريكي، سيحول وصف عملهم من "محاربين" الى "مرشدين" او "مستشارين"، حتى لو استمروا على تنفيذ مهمتهم الاصلية.

        ان خروج الجيش من العراق في محل عال من سلم الاوليات القومية في الولايات المتحدة والسياسية لاوباما، ولا سيما بعد أن يتخذ الرئيس القرار المبدئي في شأن ايقاع الخروج، اذا استمر اتجاه التحسن الامني، وسيشغل الموضوع وزارة الدفاع جدا والبيت الابيض ووزارة الخارجية على نحو أقل. الا اذا حدث تدهور غير متوقع. سيكون الموضوع ملحا مرة اخرى في 2010 – 2011، عندما يحين وقت البحث في مسألة هل تبقى قوة امريكية في العراق بعد نهاية الخروج وماذا ستكون مهماتها وقدرها. في مقابلة ذلك، ستحتاج الادارة الى ان تعالج بكثافة الجانب الذي يحظى بانتباه قليل فقط اليوم الا وهو تأثيرات خروج جيش الولايات المتحدة في الساحة السياسية في العراق، وفي الدبلوماسية الامريكية بسبب ذلك.

        ان تقليل القوات الامريكية سيقلل تأثير الولايات المتحدة في الساحة العراقية الداخلية. برهنت حكومة العراق في المفاوضة في الاتفاق على قدرة ثبات في الولايات المتحدة، وفرضت على ادارة بوش تنازلات ذات شأن (ولا سيما فيما يتصل بقيود نشاط الولايات المتحدة). الى الان كان تأثير الولايات المتحدة ذرائعيا جدا بانشاء تعاون "هش قابل للانعكاس" بين الفصائل الثلاث في العراق واقامته. بغير هذا التأثير قد يغرى الشيعة بالعمل العنيف، ويقطع اهل السنة للشعور بالمطاردة (الصادقة او غير الصادقة) او ان يبالغ الاكراد في مطامحهم. هذا الخطر قائم، برغم ان صورة جازة الاتفاق مع الولايات المتحدة تشجع على تفاؤل حذر: فبدل قرارات من جانب واحد وخطوات عنيفة، تم علاج القضية بمسارات سياسية – قانونية – تشريعية ما كانت لتخجل أي نظام ديمقراطي – ائتلافي. احسنت الاكثرية الشيعية الصنع إذ سمعت بتوجيه آية الله السيستاني ان يجاز الاتفاق باكثرية دستورية فقط. اذا كانت هذه علامة على ما يأتي، فقد يكون العراق بعد خمس سنين، كما يؤمل الرئيس جورج بوش، ديمقراطية تؤدي عملها على نحو مقارب. على أية حال، ستحتاج الادارة السنة القريبة او السنتين الى دبلوماسية محكمة توازن بين الفصائل الثلاث وبين تأثيرات الجارات ومصالحها. ستضطر الولايات المتحدة للضغط على الاكثرية الشيعية لحماية الاقلية السنية، وهذا كاف ليمنع نشوءا من جديد لمركز ارهاب سني ولطمأنة جارات العراق السنيات، لكن لا الى درجة فتح الباب لزيادة تأثير ايران في بغداد. على نحو مشابه ستحتاج الولايات المتحدة الى ان تؤيد بالقدر المطلوب فقط مطامح الاكراد الى حكم ذاتي والى توسيع اقليمهم، كي لا تثير خطوات رد فعل داخل العراق ومن قبل جاراته.

        وفي لختام سيبدو أن خروج جيش الولايات المتحدة من العراق سيتقدم بحذر ولن يلقى صعوبات امنية. ستضطر الولايات المتحدة الى بذل جهد كبير للاستيقان من أن الاجراء لن يجر فوضى داخل العراق او ربما فوضى اقليمية، تقتضي وقفه أو تبرهن على خطئه من الاساس.

        ايران

        كانت سنة 2008 سنة جمود من جهة الجهود لوقف برنامج ايران الذري: فاوروبا والولايات المتحدة لم تستمرا على اعلان ان القدرة العسكرية الايرانية غير مقبولة، وظلتا تقترحان تفاوضا اذا وافقت ايران على تعليق (لا وقف) برنامج تخصيب اليورانيوم؛ وظلت ايران تعلن أنها لن تتخلى ابدا من حقها في قدرة ذرية مستقلة وانها لن تعلق البرنامج لذلك؛ وظلت الولايات المتحدة واسرائيل تعلنان ان الخيار العسكري على المائدة؛ وظلت ايران تزعم انها لا تخاف ذلك؛ بل ان مجلس الامن لم يعقد لبحث قرار عقوبات رابعة منذ القرار الضعيف الذي تم تبنيه في اذار 2008؛ عندما حاولت الولايات المتحدة تقديم مسار مهم في العقوبات خارج نطاق الامم المتحدة لم تستجب اوروبا؛ وظلت اتصالات الاتحاد الاوروبي ومحمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في ايران لا تؤتي ثمرا. في مقابلة ذلك لم يجمد برنامج ايران الذري.

        فشلت استراتيجية العصا (العقوبات) والجزرة (طائفة الحوافز) للولايات المتحدة. لم تخف طهران عصا الهجوم العسكري؛ وكانت الرسالة التي ارسلتها الادارتان في السنة الاخيرة هي ان "حربا اخرى في الشرق الاوسط آخر أمر تحتاجه الولايات المتحدة"، وأن "الحرب مع ايران ستكون كارثة"؛ اما العصا الثانية فلم تكن مؤلمة على نحو كاف: فالعقوبات الضعيفة التي تم الاتفاق عليها لا تجبي من ايران ثمنا يجعلها تغير سياستها؛ وروسيا والصين تعارضان زيادة شدة العقوبات؛ واوروبا غير مستعدة لمضاءلة العلاقات الاقتصادية بايران اكثر ما تقتضيه قرارات مجلس الامن. اما الولايات المتحدة فوقفتها الجماعة الدولية.

        اتفق المرشح اوباما مع الرئيس بوش على ما يتعلق بمنع ايران قدرة ذرية عسكرية، كهدف، على ما يتعلق بتفضيل الدبلوماسية وسيلة لاحراز هذا الهدف، برغم أنه كان شديدا انتقاده اخفاق بوش الذي نسبه الى واجب مقاطعة ايران: في البدء اشترط أي تفاوض لوقف برنامج التخصيب؛ بعد ذلك ايد جهد الدول الاوروبية الثلاث تأييدا كبيرا؛ وفي 2008 فقط وافق على لقاءات في مستوى متوسط وفي اطارات متعددة الاطراف فقط. وعد اوباما بالمبادرة الى محادثات ثنائية مباشرة مع طهران، مؤملا ان يفضي ذلك الى حل دبلوماسي مباشرة، وكتسويغ بفرض عقوبات مؤلمة او حتى اجراء عسكري اذا فشل التحادث. وعد وما زال يطبق في هذه الاثناء.

        قررت الادارة كجزء من صياغة سياستها الجديدة على نحو مبكر جدا كما يبدو الا تخطو خطوات ذات شأن حتى الانتخابات في ايران في حزيران 2009، ربما كي لا تجعل الرئيس احمدي نجاد يحظى بانجاز دعائي. في هذه الاثناء تبث واشنطن توجها لينا لتغيير الجو. يغيب عن تناول الرئيس الخطر الذري المقالة الدائمة: "جميع الخيارات على المائدة". فقد ارسل الرئيس تهنئة خاصة للشعب الايراني في السنة الجديدة، ودعا فيها الى "بدء جديد بالعلاقات" يقول على "الاحترام المتبادل"، واستعمل لاول مرة تعبير "الجمهورية الاسلامية الايرانية"، وكان ذلك تلميحا الى عدم نية تغيير النظام في طهران.

        في المجال الدبلوماسي ايضا تم اتخاذ عدة خطوات. ففي شهر اذار دعيت ايران الى مؤتمر اقليمي – دولي بموضوع افغانستان التقى فيه ممثلو الدولتين وجها لوجه؛ وسمح لدبلوماسيين امريكيين في انحاء العالم بالحديث الى ممثلين ايرانيين بغير موافقة سابقة من وزارة الخارجية؛ وفي نيسان اعلنت الولايات المتحدة انها ستنضم على نحو دائم الى مجموعة القوى العظمى التي تجري تفاوضات مع ايران (ارسلت ادارة بوش ممثلا مرة واحدة فقط، وفي مستوى ادنى من سائر الممثلين). تبين جميع الاشارات، وفي ضمنها تلك التي تأتي من طهران انه سيبدأ بعد الانتخابات حوار مباشر مهم بين الدولتين.

        لن يكفي تجديد الدعوة الى محادثة مباشرة. فالادارة ستحتاج الى ان تسكب فيها مضمونا جديدا ما، لان ايران قد رفضت عددا من رزم الحوافز التي اقترحتها عليها اوروبا والولايات المتحدة. أثيرت في هذا الاتجاه عدة اقتراحات وافكار، سوى الحوافز الاقتصادية المعروفة مثل وقف الجهود الموجهة بتغيير نظام الحكم في ايران؛ والاعتراف بمكانة ايران كلاعبة رئيسة في المنطقة؛ ومنح ايران ضمانات أمن امريكية؛ واقتراح عوض عن ايران يسوغ التخلي من الامن ومن المجد الذي تمنحه القدرة الذرية؛ او الموافقة على تخصيب اليورانيوم داخل ايران مع الاكتفاء برقابة وثيقة تمنع التحول الى برنامج عسكري. يبدو أن الامل، معقود على أنه اذا اقترحت الولايات المتحدة مباشرة اقتراحا معلنا مفصلا، وعلى خلفية الانخفاض الشديد في سعر النفط الذي يضعف ايران، فانه يوجد احتمال تستجيب طهران لذلك بجدية.

        ستتقرر الطاقة الكامنة في المحادثات المباشرة بين الولايات المتحدة وايران بحسب عدة نقط رئيسة. اولا، من اجل بدء التفاوض أصلا ينبغي التغلب على عقبة الاشتراط، لان ايران ترفض طلب ان تعلق – ولو مؤقتا – برنامج التخصيب كشرط للتحادث. اذا كان قصد اوباما التحادث غير المشروط، فسيكون ذلك انجازا مهما لايران يقوض القاسم المشترك مع جزء من اوروبا على الاقل (قد يكون رئيس فرنسا ساركوزي قد قصد ذلك عندما عرف اوباما انه "صبياني بلا مضمون"). وقد تقترح الولايات المتحدة تعليقا جزئيا او خطوات مثل الامتناع عن زيادة الات الطرد المركزي. ثانيا، اصبح واضحا الان ان الادارة لا تنوي ان تقدم في الوقت نفسه التفاوض وجهد العقوبات لان هذا الثاني سيكون مناقضا بالنية الخيرة الكامنة الاول. في مقابلة ذلك تصعب افتراض ان توافق ايران على زيادة مرونتها بلا قدرة فرض تحلق فوق التفاوض.، وبخاصة حينما يتبين أن روسيا والصين ستمتنعان من الموافقة على عقوبات مؤلمة من مجلس الامن، وذلك محقق في جدول زمني معقول وثالثا، الساعة التكنولوجية تتكتك، ولا سيما من جهة اسرائيل. امتنع الرئيس اوباما وسيمتنع عن تحديد اجل مسمى لنهاية التفاوض. ولكنه في ختام لقائه رئيس حكومة اسرائيل قال انه سيكون ممكنا حتى نهاية 2009 تقدير أين تقف الامور. يصعب ان نصدق ان يحدث هذا. وطهران برهنت على خبرتها بمد الوقت، وبرهن الغرب على صبره الذي لا ينفد. ينبغي أن نفترض انه في كل نقطة زمنية وفي ضمن ذلك نهاية 2009، ستعرف ايران كيف تعرض موقفا يمنع انهاء التفاوض، ومن المحقق انها ستمنع انضمام روسيا والصين الى قرار جديد على العقوبات. وفي النهاية، توجد اشارات الى ان هدف الادارة الجديدة اشد تواضعا من سابقتها. فقد تحدث الرئيس بوش عن منع تخصيب اليورانيوم، اما الرئيس اوباما فيتحدث فقط عن منع تطوير السلاح. اذا كانت توجد اشياء خفية، فقد تكون الولايات المتحدة مستعدة للمصالحة على ان تصبح ايران "دولة على شفا" أي ذات قدرة تقرب من تطوير سلاح تعوقه في ظاهر الامر رقابة دولية. يشك في أن توافق اسرائيل على ذلك. قد تكون الادارة بسبب هذه المخاوف قد أرسلت بدورة محادثات مع حليفاتها العربيات دينس روس ثم وزير الدفاع. ستقرر هذه النقط الاربع وهي – اشتراط البدء، والقدرة على التهديد بالعقوبات، وادارة جدول زمني وتحديد الهدف – المخطط الامريكي ازاء ايران. وفي الختام، سيكون برنامج ايران الذري في النصف الثاني من 2009 مركز الجهد الامريكي الدبلوماسي الرئيس. لن يصرف الجهد الى ايران فقط بل الى الجماعة الدولية، وسيكون امتحانا حاسما لمبلغ فاعلية توجه المحادثات وتعددية الاطراف الذي تؤيده الادارة الجديدة. ولما كانت الولايات المتحدة تقدر ان تستغرق ايران سنتين او ثلاثا في تحقيق قدرة ذرية عسكرية، فانه ينبغي أن نفترض الا تتناول الادارة الخيار العسكري في السنة القريبة وان تستمر على ارسال رسالة ضبط في هذا الموضوع الى اسرائيل.

        النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني

        كانت سنة 2008 بالنسبة للولايات المتحدة والمجموعة الدولية سنة غير ناجحة؛ بل ان الحديث  عن اخفاق في واقع الامر من جهة الوفاء بالجدول الزمني لمسيرة انابوليس – اتفاق رف حتى نهاية السنة. فأولا، لم تغلغل زيارتان للرئيس بوش وست زيارات لوزيرة الخارجية كونداليزا رايس عند اطراف التفاوض شعورا بتعجل قضية المسار الذي يتناول التسوية الدائمة. وثانيا، الوضع افضل قليلا في مسألة المسار الذي يتعلق بتطبيق المرحلة الاولى من خريطة الطريق. اسرائيل لم تخلِ البؤر الاستيطانية غير القانونية ولم تجمد البناء في المستوطنات، برغم زيادة ما للغة انتقاد الولايات المتحدة في الموضوع. ومن جهة المجموعة الدولية، ولا سيما مبعوث الرباعية الى الشرق الاوسط طوني بلير، اسرائيل بعيدة من العمل الكافي في تحسين نسيج الحياة الفلسطينية، ولا سيما في كل ما يتصل بازالة الحواجز وتعجيل النمو الاقتصادي. في مقابلة ذلك لم تفعل السلطة الفلسطينية ما يكفي في الاصلاحات الحكومة – الادارية وتوحيد اجهزة الامن. برغم تقدم في هذا المجال، ما تزال السلطة بعيدة من اظهار التزام تام لمكافحة الارهاب. تم تحسن قد يبدو ذا شأن في مجال الامن الداخلي. على شاكلة وحدات شرطة فلسطينية تحملت بنجاح المسؤولية في جنين والخليل. الحديث عن ثمرات جهود الجنرال الامريكي دايتون، الذي يعمل في بناء قوات الامن الفلسطينية، والذي يقدر انه ستمر سنين الى ان تستطيع قدرة الفلسطينيين في هذا المجال تهيئة تسوية دائمة. وثالثا، لا توجد فكرة عند جميع الجهات المشاركة قابلة للتحقق في كيفية التغلب على عقبة حماس. تمسكت المجموعة الدولية بموقف الرباعية منذ ربيع 2006 وهو ان حماس ستعرف انها "مهيأة للمحادثة" بعد أن تعترف باسرائيل وتتحلل من الارهاب وتحترم الاتفاقات التي وقعت فقط. ما تزال المنظمة تحرص على منع اطلاق النار على اسرائيل منذ عملية "الرصاص المصبوب"، وربما على قدر اكبر منذ زادت مصر نشاطها بعد تبين خلايا لحزب الله تؤيد حماس في شبه جزيرة سيناء.

        لا يقوم النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني في رأس سلم الاوليات الدولي للادارة الجديدة. تسبقه موضوعات مثل الازمة الاقتصادية، وافغانستان – باكستان، وايران والعلاقات بروسيا. برغم ذلك يحظى الموضوع كما وعد بعلاج "نشيط عنيف" كما قال الرئيس في ثاني ايام ولايته، عندما عين جورج ميتشيل مبعوثا خاصا الى المنطقة. يرى اوباما النزاع "جرحا مفتوحا" يسمم سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، ولهذا يشوش على تجنيد تأييد لسياسة الولايات المتحدة عند حكومات عربية (ولا سيما فيما يتصل بايران)، تضغط على واشنطن لبذل جهد اكبر في النزاع. لا شك أن ادراك أن هذا النزاع هو المشكلة المركزية في الشرق الاوسط اقوى عند الادارة الجديدة مما كان عند سابقتها.

        توجد متابعة للخط المتزن (الشاذ في النظام السياسي الامريكي) الذي اظهره اوباما كمرشح في القضية الفلسطينية، بالرسائل التي بثتها الادارة في فترة انتظار الانتخابات واقامة الحكومة في اسرائيل وفي الموقف الذي تم اتخاذه في اول لقاء للرئيس مع رئيس الحكومة. ينبغي أن نفترض ان هوية نتنياهو السياسية – العقائدية، ولا سيما امتناعه عن تبني صيغة "دولتين للشعبين"، قوت وسهلت ميل اوباما الى اظهار بعد نسبي عن اسرائيل. لكن اوباما كما يبدو ملتزم، كما هي العادة وجود اسرائيل وأمنها وازدهارها، لكنه في التلخيص المغطى اعلاميا للقاء بين الشخصين برزت على نحو خاص الاقوال المعتادة التي لم تقل: فلم تذكر "صداقة او حلف وثيق طويل يقوم على قيم ومصالح مشتركة"، ولم يقل ان رئيس حكومة اسرائيل صديق او شريك في جهد احراز السلام. كان الموضوع الذي جعله الرئيس في المركز على نحو واضح هو الحاجة الى تجميد المستوطنات، والتزام اسرائيل الذي أكده مرة بعد اخرى مسؤولو الادارة الكبار، بلا ذكر تقريبا – وليس بيقين موازيا في قوته – لالتزام فلسطيني. يلائم هذا التوجه تقارير وسائل الاعلام الاسرائيلية عن أن الادارة لم تشمل اسرائيل ولم تشركها ولم تبلغها عندما ارسلت الى الشرق الاوسط اشخاصا كبارا للمشاورة في موضوع ايران. تشهد العلامات على أن اسرائيل لم تعد تتمتع بمكانة خاصة عند الادارة الامريكية، من جهة المشاورة السابقة والاعتبار او الصبر السياسي.

        بعد لقاء الرئيس اوباما للرئيسين عباس ومبارك، خطب في القاهرة خطبة مركزية موجهة الى العالم الاسلامي. قد تنشر ادارته بعد ذلك خطة سياسية مفصلة لعلاج النزاع الاسرائيلي – العربي. بالاعتماد على افكار اثيرت الى الان وعلى سجل المبعوث ميتشيل، يمكن ان نقدر ان هذه الخطة ستشتمل على ثلاثة مبادىء. اولا، التمسك بمخطط المرحلة الاولى من خريطة الطريق، كمسار لخطوات تبني الثقة. الى جانب المطالب المعتادة من الفلسطينيين (الاصلاحات ومكافحة الارهاب)، سيلقى واجب البرهان الرئيس على اسرائيل، وسيطلب منها ان تخلي البؤر الاستيطانية وان تجمد البناء في المستوطنات، وان تقلل كثيرا عدد الحواجز في الضفة الغربية وتفتح المعابر الى قطاع غزة. سينضاف الى هذا لمخطط هذه المرة جدول زمني لتنفيذ مفصل او جهاز رقابة ورد. بخلاف خريطة الطريق الاصلية، وعلى حسب مسيرة انابوليس، ينبغي الا نفترض ان تحقيق هذه الخطوات سيعرف على أنه شرط لتجديد التفاوض في الاتفاق الدائم. ثانيا، توسيع المسيرة السياسية في دائرة اقليمية، بتبنٍ شبه تام (ما عدا قضية اللاجئين) لمبادرة السلام العربية، ودعوة الدول العربية الى تطبيق خطوات تطبيع مع اسرائيل في اثناء المسيرة لا في نهايتها فقط، والتعبير عن استعداد لمشاركة ما من الولايات المتحدة في المفاوضة بين اسرائيل وسورية. نقطة المشاركة الاقليمية هذه مهمة للولايات المتحدة، كجزء من بناء تحالف اقليمي ازاء ايران، ومن أجل تشجيع المرونة والتنازل من قبل اسرائيل. ثالثا، يوجد توكيد ذو شأن لنعش الاقتصاد والادارة وقوات الامن الفلسطينية، مع قبول توكيد رئيس حكومة اسرائيل لـ "بناء الدولة الفلسطينية من أسفل الى أعلى". ينبغي أن نفترض ان تكون الادارة معنية بان تشمل مسارا ذا شأن ايضا يتصل بغزة، لكن هذا مشروط بقدرة حماس والسلطة الفلسطينية على التوصل الى تسوية العلاقات بينهما على نحو ما.

        سيقبل الفلسطينيون والعرب الذين سيشترطون كل خطوة منهم بتحقيق التزامات اسرائيل ولا سيما ما يتصل بالمستوطنات، خطة امريكية كهذه او مشابهة لها بالمباركة. لن تريد حكومة نتنياهو ولن تستطيع ان تجمد بناء اسرائيل في الضفة الغربية تجميدا مطلقا. سيحدد مستقبل المسيرة السياسية على قدر كبير بحسب موقف نتنياهو واوباما من هذه القضية. سيضطر رئيس حكومة اسرائيل الى أن يقرر أيفضل اجراء تفاوض طويل مرهق ينتهي الى التزام لا ينوى الوفاء به او رفض طلب التجميد التام رفضا باتا. وسيضطر رئيس الولايات المتحدة ان يقرر أهذه القضية هي مفتاح التقدم سواء في ذاتها او في كونها رمزا لتصميمه ازاء اسرائيل واستجابته لما يصدر عن العالم العربي والاسلامي. ان التأييد الطويل لاصدقاء اسرائيل في الكونغرس لموقف الادارة من هذه القضية زمن زيارة نتنياهو لواشنطن وكذلك الرد المناصر لاناس الايبك على اقوال نائب الرئيس جو بايدن في الموضوع، تشهد بانه لن تكون للرئيس مشكلة سياسية داخلية اذا قرر التصميم على تجميد المستوطنات.

        ازاء الطرف الثاني، لن تكون المشكلة خلافا مع الفلسطينيين بل مواجهة فلسطينية داخلية. تناول اوباما في الماضي الحاجة الحيوية الى حل هذا النزاع كي يصبح لاسرائيل شريك في التفاوض. ومع اعتبار ميله الاساسي الى محادثة الاعداء قد يكون في ذلك رمز الى تفضيل حكومة وحدة فلسطينية (بخلاف موقف بوش واسرائيل). كذلك المح ميتشيل الى ذلك لكن الامر متعلق في الاساس بموقف حماس وفتح، وليست صيغة رؤية حماس لاسرائيل هي العقبة الرئيسة امام احراز تسوية بينهما. والى ذلك كل محاولة من الولايات المتحدة لجعل المواقف مرنة في هذا المجال سترفضها اسرائيل، وقد تساعدها في مواجهة الادارة. وفي التلخيص، تواجه الولايات المتحدة مسيرة دبلوماسية لا يستطيع الطرف الفلسطيني خاصة فيها التقدم، والطرف الاسرائيلي لا يريد في الاساس فعل ذلك. ليس واضحا ازاء الفلسطينيين من سيمكن التحدث معه قبيل كانون الثاني 2010 وهو موعد الانتخابات في السلطة، وبعد ذلك. وازاء الاسرائيليين، يوجد خطر نشوء علاقات كمثل نموذج كلينتون – نتنياهو بل بوش – شمير. يكمن في المستقبل جهد حثيث لا نظير له من الولايات المتحدة؛ ويصعب ان نكون متفائلين بالنسبة للنتائج.

        سورية

        فشلت سياسة مقاطعة الولايات المتحدة لسورية في 2008، بعد أن بدأت اسرائيل معها تفاوضا غير مباشر واخرجتها فرنسا من العزلة الدويلة. نبعت سياسة المقاطعة من مزاعم الولايات المتحدة الكثيرة الموجهة الى دمشق: تأييد قتال المتمردين في العراق؛ ومساعدة الارهاب الجهادي؛ والتدخل السلبي في شؤون لبنان (تأييد حزب الله، والمشاركة شبه المحققة في مقتل الحريري واشخاص آخرين، وتعويق متصل لانتخاب الرئيس الجديد)؛ واستضافة حماس ومنظمات رفض فلسطينية اخرى؛ ومحاولة تطوير برنامج ذري سري؛ وتنسيق وثيق مع ايران. في الحقيقة اظهرت سورية جهدا ما في سد الحدود مع العراق امام المتسللين، وشارك مندوبوها في اللقاءات الاقليمية في الموضوع، لكن كان الحديث بالنسبة لادارة بوش عن القليل جدا. شهد بذلك عدم استمرار الاتصال الرفيع المستوى بين الدولتين (تم لقاء واحد بين وزير خارجية سورية ودافيد وولش الامريكي)؛ ومهاجمة الولايات المتحدة لشرق سورية في تشرين الاول 2008 (التي لم تكن الاولى كما يبدو)؛ وامتناع الولايات المتحدة من تأييد التفاوض بين اسرائيل وسورية، برغم توجهات رئيس سورية بشار الاسد المعلنة؛ واستمرار العقوبات من قبل الولايات المتحدة على سورية لتعريفها بانها دولة تؤيد الارهاب. كما قلنا فشلت هذه السياسة: فسورية لم تلائم سياستها مع توقعات الامريكيين وبرغم ذلك

انشر عبر