شريط الأخبار

"المصالحة" انتهت إلى الفشل و"حماس" أسقطت الورقة المصرية .. صالح القلاب

12:31 - 26 تشرين أول / نوفمبر 2009

بقلم: صالح القلاب

بالإمكان القول، وبكل راحة ضمير، إن المصالحة بين حركة فتح وحركة حماس وبالتالي بين منظمة التحرير والسلطة وبين حركة المقاومة الإسلامية قد انتهت إلى الفشل الذريع، وإنها غدت صفحة مطوية، وإن التمسك بها إنْ من قبل هذا الطرف أو من قبل الطرف الآخر هو إما مجرد مزايدات من أجل استقطاب عطف الشعب الفلسطيني واستدراج تأييده، وإما مداهنة لمصر وتجنب إغضابها، وبخاصة أن مصير إمارة غزة الإسلامية إنْ على المدى الأقرب وإن على مدى الأبعد هو رهن الإرادة المصرية.

عندما يقول وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط في حديثه الأخير لفضائية «العربية» إن نجاح المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية متوقف على إدراك حماس أنها تُستخدم كورقة للمساومة من قبل دولة إقليمية غير عربية، المقصود هنا هو إيران، فإن هذا يعني أن كل المحاولات التي بذلت من أجل إنجاز هذه المصالحة قد فشلت، وأن هذا الأمر غدا صفحة مطوية، وأنه لا بد من توفير الجهود التي تبذل في هذا الاتجاه لدعم الخطة التنموية الواعدة التي يواصل تنفيذها رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض في الضفة الغربية، لتكون الأرضية الصلبة لإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة.

لا يوجد أي أفق لهذه المصالحة، فحماس قد أنشأها التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وبإسناد إيراني بدءا بمنتصف تسعينات القرن الماضي، لترث الحالة الفلسطينية كلها ولتجبَّ ما قبلها، حركة فتح ومنظمة التحرير وباقي الفصائل، التي يرتبط بقاء معظمها بالوظيفة «الديكورية»، ولهذا فإن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) بقي يحاور هذه الحركة لنحو خمسة عشر عاما لإلحاقها بالمسيرة الوحدوية، ولكن دون أي نتيجة، وقد باءت كل هذه المحاولات بالفشل مع أنه عرض عليها ما نسبته أربعين في المائة من أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني. والمشكلة هنا أن التقارب بين التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وبين الجمهورية الخمينية قد أدخل إيران، بكل تطلعاتها في أن تكون الرقم الرئيسي في معادلة هذا الإقليم السياسية، على الخط حيث أصبحت حماس، مثل حزب الله اللبناني ومثل بعض التنظيمات المذهبية في العراق ومثل الحركة الحوثية الناشئة، ورقة إيرانية في هذه المنطقة تستخدمها طهران في التعاطي مع الولايات المتحدة والغرب كله، كما تستخدمها لفرض نفسها فرضا على مستجدات القضية الفلسطينية.

إن هذه الأمور غدت معروفة ومؤكدة، وذلك إلى حد أن إيران لا تجد ضيرًا في عدم إنكارها والتنصل منها، ولهذا فإنه عندما يقول وزير الخارجية المصري ما قاله وهو يؤبن المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية فإنه يضع إصبعه على الجرح، إذ إن هذه المصالحة من غير الممكن أن تضع أقدامها على بداية طريق النجاح ما لم تدرك حماس أنها غدت ورقة يستخدمها الإيرانيون في معركة إثبات وجودهم كرقم رئيسي في معادلة هذه المنطقة، وما لم تعد إلى رشدها وتدرك أن انحيازها المفرط إلى ما تسميه «فسطاط الممانعة والمقاومة» يشكل عبئا على قضية فلسطين، بل إنه مدمر لهذه القضية. في تعميم سري أصدرته في السادس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي تحت عنوان «تقدير الموقف السياسي» وحددت فيه «الموقف النهائي للحركة بشأن الورقة المصرية للمصالحة» قالت حماس: إنه يتوجب علينا وعلى كل القوى الفلسطينية أن نسعى للتوافق على استراتيجية وطنية جديدة تقوم على قاعدة المقاومة ودعم صمود شعبنا ووحدة قواه السياسية على أساس ذلك كبديل عن الاستمرار في نهج المفاوضات العبثية التي وصلت عمليا، وبشكل واضح هذه المرة، إلى طريق مسدود.

والغريب أن حماس بعد هذه الدعوة، التي طالبت فيها بالتوافق على استراتيجية وطنية «جديدة تقوم على قاعدة المقاومة»، بأيام قليلة قد بادرت إلى تعزيز الهدنة الطويلة التي كانت قد توصلت إليها بالتناغم مع إسرائيل بعد الحرب الأخيرة على غزة بأن أعلنت وقف إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية الجنوبية والتأكيد على لسان وزير داخلية دولتها الغزّية، فتحي حماد، أنها لجأت إلى هذا الإجراء بالاتفاق مع باقي الفصائل الفلسطينية.

إن هذه الحقيقة باتت واضحة كل الوضوح، وإن ما يؤكد أن هدف حماس هو وراثة الحالة الفلسطينية كلها، حتى بما في ذلك عملية السلام، وأنها تتعامل مع محاولات المصالحة التي تقوم بها مصر كمناورة وكإجراءات تكتيكية، إن هذا التعميم السري، الذي تضمن اعترافا بأن موقف الحركة بات يبدو مضطربا، وأن تصريحات رموزها غدت متعارضة تجاه «الورقة المصرية»، وأن صفحتها الداخلية غدت مكشوفة للآخرين، قد جاء فيه: «إن المصالحة على الطريقة التي تطلبها مصر ويشترطها عباس مهما أجريت عليها من تعديلات نراها ضرورية فإنها لا تعني سياسيا إلا معنى واحدا هو دعم (أبو مازن) وإخراجه من مأزقه وإخراج مصر من مأزقها كونها فشلت في مشروع المصالحة الفلسطينية، كما يرى ويفهم اللاعبون الإقليميون والدوليون». وللمزيد من إصرارها على إفشال الوساطة فإن حماس تنهي تعميمها السري هذا بالقول: «إذا فُتحت الورقة المصرية فالحد الأعلى الذي نطرحه هو البرنامج السياسي ورفع الحصار (عن غزة) وإعادة الإعمار.. والملاحظات التي أجمعنا عليها ضرورية والحد الأدنى هو التمسك بتعديل هذه الورقة بناء على هذه الملاحظات التي أجمعنا على أنها ضرورية».

إن هذا هو موقف حماس الحقيقي، فهي ضد الورقة المصرية، وهي تعلن أنها بصدد إعداد برنامج للمقاومة، وفي الوقت ذاته تبادر إلى وقف إطلاق الصواريخ وتفرضه، وتفرض هدنتها الطويلة مع إسرائيل على باقي فصائل المقاومة الفلسطينية وبقوة السلاح وباسم المصالح الوطنية العليا، وهذا يعني أن هذه الحركة لا تزال ملتزمة بالهدف الذي أنشئت في عام 1987 من أجله وهو جبُّ ما قبلها وإحلال نفسها محل كل ما سبقها، منظمة التحرير وفتح والفصائل الأخرى المتعددة المشارب والاتجاهات.

ثم، وبالإضافة إلى كل هذا فإن هناك محاولة تقف وراءها إيران والهدف ليس الاكتفاء بنسف الوساطة المصرية من أولها إلى آخرها فقط، بل والسعي أيضا لانتزاع ورقة هذه الوساطة من يد مصر ونقلها من القاهرة إلى عاصمة عربية أخرى تشارك طهران في النظرة إلى مستقبل هذه المنطقة وعلى أساس معادلة إقليمية جديدة غير هذه المعادلة القائمة الآن. على هذا الصعيد بادرت هذه العاصمة العربية المشار إليها إلى دعوة محمود عباس (أبو مازن) لزيارتها عبر وسطاء خير، وهي أكدت أنها في حال تلبيته هذه الدعوة فإنها ستلزم الفصائل الفلسطينية كلها، الثلاثة عشر فصيلا، بالتصالح معه وعلى أساس برنامجه السياسي الذي يختلف مع برنامج حماس، ومع برامج الكثير من هذا الفصائل المشار إليها، لكن الرئيس الفلسطيني، الذي أدرك أن هدف هذه الدعوة هو انتزاع الورقة الفلسطينية من يد مصر وضمها إلى الأوراق الإيرانية الأخرى، قد أبدى ممانعة تصل إلى حدود الرفض، والسبب هو أنه بتجربته الطويلة يعرف أنه لا بديل للدور المصري بالنسبة لقضية فلسطين لا في الحرب ولا في السلام، وأنه لا غنى عن هذا الدور لا في مسائل الفلسطينيين الداخلية ولا في مشكلاتهم الخارجية.

وبالنتيجة فإن ما لم يعد موضع شكوك وتكهنات هو أن حماس ماضية في إحلال نفسها بديلا لكل الوضع الفلسطيني بماضيه وحاضره، وهو أنها متمسكة بـ«إمارة غزة» تمسكها بالهدف الذي أنشئت أصلا من أجله، وهو أيضا أنها لا تفكر، وعلى الإطلاق، بالهبوط من القاطرة الإيرانية ولا تفكر بالابتعاد عن مشروع إيران الإقليمي، وهذا يقتضي تعاملا عربيا جديدا مع الساحة الفلسطينية يستند إلى المزيد من الدعم لمنظمة التحرير وللسلطة الوطنية ومساندة الخطة الناجحة التي يواصل رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض تطبيقها في الضفة الغربية.

انشر عبر