شريط الأخبار

السلطة الفلسطينية: مآزق على عدة جبهات .. مركز الجزيرة للدراسات

12:28 - 26 كانون أول / نوفمبر 2009


لـ: مركز الجزيرة للدراسات

بعد أقل من عام على تولي الرئيس باراك أوباما مقاليد الحكم في البيت الأبيض وتشكيل حكومة نتانياهو، وبعد أسابيع على طرح النص المصري لاتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية، تواجه سلطة الحكم الذاتي في رام الله مأزقاً ثقيل الوطأة.

فالتفاؤل الذي رافق تعيين جون ميشيل مبعوثاً أميركياً خاصاً لاستئناف عملية السلام في مسارها الفلسطيني تبخر كليا، والاعتقاد بأن مباحثات المصالحة الوطنية التي جرت برعاية مصرية، ستعيد السلطة إلى غزة بشروط مواتية، أو تؤدي إلى عزل حماس عربياً وفلسطينياً، كان مبالغاً فيه إلى حد كبير.

أما حسابات القيادة الفلسطينية في رام الله القائمة على أن التوافق العربي خلف المقاربة الفلسطينية للتسوية، إضافة إلى الضغوط الأميركية والأوروبية، ستجبر حكومة نتانياهو على الانصياع للشروط الفلسطينية، أو أنها ستفتح الطريق أمام إعلان وشيك للدولة الفلسطينية، قد ثبت أنها لم تكن حسابات صحيحة.

من هنا أين ستذهب قيادة سلطة الحكم الذاتي؟

 ليس من الواضح تماماً، ولكن ما هو واضح إلى حد الآن، على أية حال هو أن بقاء السلطة على ما هي عليه أصبح يشكل ضرراً أكبر على الوضع الفلسطيني، وعلى موقع الفلسطينيين في ميزان القوى، مما يوفره من إيجابيات.

هذا استطلاع أولي لأبعاد المأزق الذي تواجهه سلطة الحكم الذاتي.

مسار التسوية

ليس ثمة شأن سياسي أكثر أهمية للسلطة الفلسطينية من استئناف المفاوضات مع الطرف الإسرائيلي للتوصل إلى تسوية نهائية للصراع. اتفاق التسوية هو في الحقيقة مبرر وجود السلطة في هذه المرحلة، وبدونه لا يعود لوجود السلطة من معنى، أو هي تتحول إلى أداة مكشوفة وصريحة للاحتلال.

ويمكن القول إن كل الإجراءات التي تبنتها السلطة وأجهزتها منذ صيف 2007، وتحرر السلطة من الشراكة مع حركة حماس، استهدفت توفير الشروط السياسية للتسوية التفاوضية: تشكيل حكومة فياض، تجميد عمل المجلس التشريعي، الحملة الأمنية ضد الجمعيات والهيئات المدنية في الضفة، تجريد الضفة من السلاح وحملات الاعتقالات ضد النشطين الفلسطينيين، والتركيز الكبير على إعادة بناء الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، كلها قصد بها الإسراع في مسار التسوية.

لم تفقد السلطة الأمل عندما بدا أن المفاوضات مع حكومة أولمرت تتعثر، وأن هذه المفاوضات كانت تتحرك ببطء شديد، وبدون تدخل أميركي مرض، بالرغم من الوعود التي قدمتها إدارة بوش في مؤتمر أنابوليس.

وما إن فاز أوباما في انتخابات الرئاسة الأميركية حتى انتعشت آمال السلطة الفلسطينية، والدول العربية الحليفة لواشنطن، في أن سياسة الإدارة الأميركية الجديدة ستكون أكثر حياداً وعدلا إزاء الملف الفلسطيني والقضايا العربيةً.

وحتى بعد انهيار حكومة أولمرت واتضاح ثقل قوى اليمين الإسرائيلي في حكومة نتانياهو، لم تتراجع آمال قيادات السلطة في الوصول إلى التسوية. روج نتانياهو في اتصالاته الغربية والعربية (سيما مع القاهرة) لعزمه على استئناف عملية التسوية، وظنت أوساط السلطة أن الضغوط العربية والالتزام الأميركي المتمثل في تعيين جورج ميتشل مبعوثاً خاصاً لمتابعة ملف السلام في الشرق الأوسط، من شأنه أن يفتح الأبواب المغلقة ويذلل العقبات القائمة.

بيد أن نتانياهو، لمن أراد أن يرى الأمور على حقيقتها، كان واضحاً في تصوره لعملية السلام، عندما أكد  بأن حكومته ستعمل على استمرار الاستيطان في الضفة الغربية، والقدس الكبرى على وجه الخصوص، وأنه لن يقبل قيام دولة فلسطينية هدفاً للتسوية النهائية.

السلطة الفلسطينية، وبعد أن أوفت بما يتعلق بها من خارطة الطريق، سيما تجريد الضفة من السلاح ومنع الفلسطينيين في الضفة الغربية من القيام بعمليات ضد الإسرائيليين، سواء في الضفة الغربية نفسها أو خلف الخط الأخضر، وضعت إيقاف الاستيطان شرطاً لاستمرار التفاوض، ليس فقط لأن هذا ما تفرضه خارطة الطريق، بل أيضاً لأن السلطة أدركت أن الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وصل مستوى بات فيه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية. إضافة إلى ذلك، وفي مواجهة التحدي الذي تمثله حركة حماس، فقد أراد الرئيس عباس ومن حوله الذهاب إلى المفاوضات هذه المرة من موقع أفضل في عين الشعب الفلسطيني.

استطاع الأميركيون أخيراً، وبجهود هائلة، دفع نتانياهو إلى إعطاء إشارة خجولة ووحيدة وهي قبوله بفكرة قيام دولة فلسطينية كهدف لعملية السلام.

ولكن، وبعد جولات استمرت عدة شهور، أخفق المبعوث الأميركي في الحصول على تعهد إسرائيلي بوقف كلي للاستيطان؛ ونظراً لعجز إدارة أوباما عن ممارسة ضغط ملموس على الحكومة الإسرائيلية، فقد اكتفت بتعهد إسرائيلي لإيقاف جزئي للاستيطان في الضفة، بدون أن يشمل ذلك التعهد بلدية القدس الكبرى. مع العلم أن التوسع الاستيطاني اليهودي في الجانب الشرقي من القدس (الجانب العربي من المدينة) لم تتصاعد وتيرته فحسب، بل إن السلطات الإسرائيلية لم تعد تجد مبرراً لهدم بيوت الفلسطينيين في المدينة إلا ووظفته.

فوجئت القيادة الفلسطينية بترحيب وزيرة الخارجية الأميركية بالعرض الإسرائيلي، ولكنها فوجئت  بدرجة أكبر عندما أعلن وزير الخارجية المصري، بعد لقاء سريع عقدته كلينتون مع الرئيس مبارك، أن القاهرة توافق على التصور الأميركي لاستئناف المفاوضات، محاولاً تغطية الموقف المصري بالمطالبة غير ذات المعنى بتطمينات أميركية للجانب الفلسطيني فيما يتعلق بالهدف من عملية التفاوض.

ويعتقد أن الموقف المصري لم يكن منفرداً، بل إن دولاً عربية أخرى، مثل الأردن والإمارات، أعربت أيضاً عن تأييدها للمقاربة الأميركية الجديدة. هذه ربما هي المرة الأولى في تاريخ عملية السلام التي يبدو فيها الموقف العربي أسرع تراجعاً من الموقف الفلسطيني. ويصعب إيجاد تفسير مقنع للتراجع المصري سوى انشغال القاهرة بعملية التوريث، ورغبة الرئيس مبارك تجنب معارضة أميركية لتولي ابنه جمال للرئاسة خلال العام أو العامين المقبلين.

معركة المصالحة الوطنية

لم يخسر معسكر الرئيس عباس معركة المفاوضات فحسب، بل خسر معركة اتفاق المصالحة الوطنية مع حماس أيضاً. فما إن طرح الوسيط المصري تصوره لاتفاق المصالحة، بعد زهاء العام من المفاوضات بين فتح وحماس، حتى اتضح أن الاتفاق يختلف في مواضع عدة عما تصورت حماس أنها أقرته خلال المفاوضات مع فتح أو مع الوسطاء المصريين.

ويرجح أن الرئيس الفلسطيني، ومجموعة مؤثرة من مستشاريه، لم يكونوا يرغبون فعلاً في المصالحة، التي تؤسس، وإن نظرياً، لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، ووضع نهاية لاحتكار عباس، والمقربين منه من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة، قرار المنظمة؛ إضافة إلى اتفاق المصالحة يدفع نحو تطبيع ولو نسبي للوضع في الضفة الغربية، حيث تعمل السلطة على اقتلاع حماس كلية.

ولذا، فقد صعّد الرئيس عباس خلال الأيام الثلاثة السابقة على موعد التوقيع على الاتفاق من هجومه على حماس وعلى حكومتها في غزة، مستخدماً لغة استفزازية غير خافية. لم تكن حماس، بالطبع، في حاجة حماس لهجوم عباس الاستفزازي بعد أن أخذت قراراً بعدم التوقيع على الصيغة المصرية للاتفاق، ودعت إلى فتح باب التفاوض لتعديله.

وقد وجد موقف حماس تأييداً من كافة ما يعرف بتنظيمات دمشق الفلسطينية، ولكن حماس لم تنجح في تسويغ موقفها أمام الرأي العام الفلسطيني، وضاعف من موقفها الحرج أن الرئيس عباس أرسل بالفعل وفداً من فتح إلى القاهرة للتوقيع على الصيغة المصرية.

تصرف معسكر الرئيس عباس  منذ بداية النصف الثاني لهذا العام بثقة كبيرة بالنفس، وبروح معنوية عالية. فإلى جانب شعور مبالغ فيه بأن الموقف الأميركي تبنى المطالب الفلسطينية، نجح الرئيس الفلسطيني، خلال مؤتمر عام إشكالي لفتح، في إعادة بناء هيئات الحركة القيادية كما يريد؛ كما أنه نجح، بدون اعتبار يذكر لحقيقة انتهاء صلاحية مجلسي منظمة التحرير الوطني والمركزي، في تشكيل لجنة تنفيذية مكتملة للمنظمة على النحو الذي يرغب فيه.

وقد جاء الحرج الذي أحاط بإحجام حماس عن توقيع الصيغة المصرية لاتفاق المصالحة ليعزز من وضع الرئيس الفلسطيني، الذي سارع باتخاذ موقف هجومي بإعلانه مرسوماً لعقد انتخابات فلسطينية تشريعية ورئاسية في يناير/ كانون ثاني المقبل، بغض النظر عن موقف حماس وحكومتها في قطاع غزة. بيد أن الشعور الزائد بالثقة سرعان ما أخذ في الانحسار السريع، عندما انكشفت هشاشة وضع الرئيس والسلطة.

أخذت الغيوم في التلبد في فضاء سلطة الحكم الذاتي عندما انفجرت أزمة تقرير غولدستون، الذي اتضح أن السلطة الفلسطينية هي التي عملت على سحبه من جدول أعمال اللجنة الأممية لحقوق الإنسان في جنيف. وقد تعرضت السلطة، وعباس على وجه الخصوص، لهجوم فلسطيني وعربي، شعبي ورسمي، واسع النطاق. لم تساعد أزمة تقرير غولدستون على إخراج حماس من وضعها الحرج وحسب، بل أظهرت أكثر من ذلك عجز السلطة في الدفاع عن أبسط الحقوق الوطنية، حتى عندما يكون هناك ما يكفي من الدعم العالمي لهذه الحقوق.

كما أن رفض حماس التوقيع على الصيغة المصرية لاتفاق المصالحة لم يؤد إلى عزل الحركة عربياً وإسلامياً. بل إن مواقف دول عربية مثل قطر وسورية والسودان (وربما حتى اليمن)، إضافة إلى الموقف التركي والإيراني، كانت أقرب إلى حماس منها إلى موقف قيادة السلطة ومصر. ثم جاء التحول في الموقف الأميركي، وتراجع مصر عن دعم المطلب الفلسطيني بإيقاف الاستيطان اليهودي في الضفة، ليغلق الدائرة نهائياً.

مواجهة الأزمة

في ظل هذه الأجواء لم يجد الرئيس عباس في جعبته من أداة ضغط سوى التلويح برغبته عدم الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة. تصور عباس أن الإعلان سيدفع الدول العربية المساندة للسلطة إلى التحرك باتجاه الحليف الأميركي؛ أو أن الأميركيين سيغيرون ولونسبياً من موقفهم، أو أنهم سيضغطون على الإسرائيليين من أجل تقديم تنازلات ملموسة للرئيس الفلسطيني، تدعم من وضعه أمام شعبه. ولكن حتى بعد مرور أسابيع على إعلان عباس رغبته في عدم الترشح، وتكرار هذا الإعلان في صيغة أو أخرى، لم يكن هناك في الأفق من تغير إيجابي في الموقفين الأميركي والإسرائيلي.

السلاح الثاني في جعبة قيادات السلطة الفلسطينية كان مشروع إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد وبدعم دولي، وهو ما يعرف بـ "خطة فياض". وبالرغم من الضجيج الذي يحيط بهذا الخيار إلا أنه في الحقيقة ليس بالأمر الجديد. فطبقاً لاتفاق أوسلو كان من المفترض أن ينتهي التفاوض على الحل النهائي في 1999؛ ولكن هذه المفاوضات لم تكن  قد بدأت أصلا في 1998. وهذا ما دفع الرئيس عرفات حينها إلى دراسة فكرة إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد؛ مما أثار ردود فعل تهديدية من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتانياهو.

الفكرة نفسها تقريباً، مع بعض الإضافات، أعاد إحياءها في أغسطس/ آب الماضي رئيس وزراء سلطة الحكم الذاتي سلام فياض. في ورقة تفصيلية طويلة، طرح فياض تصوره لإقامة المؤسسات والبنى التحتية (المالية والاقتصادية والسياسية والأمنية) للدولة الفلسطينية خلال العامين القادمين، تقوم السلطة الفلسطينية في نهايتها بالطلب من مجلس الأمن الدولي بالاعتراف بدولة فلسطينية ضمن حدود 1967.

من وجهة نظر فياض، سيقلب إعلان الدولة المنطق الذي تقوم عليه المفاوضات المتعثرة رأساً على عقب. فما إن تعلن الدولة، سيكون من الأسهل انطلاق مفاوضات مع الإسرائيليين حول مسائل الحدود واللاجئين والقدس. خلال الأسابيع القليلة التالية لطرح "خطة فياض" صدرت إشارات تفيد بأن الخطة تجد دعماً من توني بلير، مبعوث الرباعية، من خافيير سولانا، مسؤول الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ومن بعض دوائر الإدارة الأميركية، بما في ذلك الجنرال جيمي جونز، مستشار الرئيس للأمن القومي. وبالنظر إلى أن سولانا صرح بدعمه لخطة فياض، حتى قبل إعلان رئيس وزراء السلطة لها، فإن ثمة أدلة على أن دوائر أوروبية ربما ساهمت أصلاً في صياغة الخطة. المهم، أن فياض نجح في حشد بعض الدعم لخطته من داخل وخارج قيادة حركة فتح؛ ولكنه وجد في الوقت نفسه معارضة صريحة من قبل قيادات فتحاوية أخرى.

وحتى نوفمبر/ تشرين ثاني، لم يكن موقف الرئيس عباس من الخطة قد اتضح؛ بل إن ثمة دوائر فلسطينية رأت أن خطة فياض ليست أكثر من مقدمة لتخلي القوى الغربية عن عباس، ودعم فياض لتسلم مقاليد الرئاسة الفلسطينية.

في 12 نوفمبر/ تشرين ثاني، أعلنت لجنة الانتخابات الفلسطينية عدم قدرتها تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها المقرر في يناير/ كانون ثاني، وذلك بعد أن رفضت حكومة حماس في قطاع غزة إجراء انتخابات في القطاع بدون الاتفاق على المصالحة الوطنية. وقد جاء قرار لجنة الانتخابات، على الأقل في الوقت الراهن، مخرجاً للرئيس الفلسطيني ومعسكره. فبدون أن يضطر عباس للتراجع عن قراره بعقد الانتخابات وعن رغبته عدم الترشح للرئاسة، أصبح من الممكن أن تلجأ السلطة إلى المجلس المركزي لمنظمة التحرير (الذي كان مصدر قرار إنشاء سلطة الحكم الذاتي أصلاً) لتوفر شرعية لاستمرار الرئيس في منصبه، وكذلك لحكومته.

صلاحية المجلس المركزي، كما المجلس الوطني، انتهت منذ زمن طويل، ومن الواضح أن شرعية المجلس المنقوصة لا يمكن أن تصبح مصدراً لمؤسسات أخرى، لم ينته الجدل حول شرعيتها منذ أزمة غزة في صيف 2007. ولكن مشكلة السلطة أن قانونها الأساسي ينص على أن منصب الرئاسة، في حال استقالة أو وفاة رئيس السلطة، يؤول إلى رئيس المجلس التشريعي، الذي يتولى الرئاسة مؤقتاً إلى حين إجراء انتخابات جديدة. ولأن رئيس المجلس التشريعي ينتمي لحركة حماس، فإن اللجوء إلى المجلس المركزي يستهدف منع رئيس المجلس التشريعي من تولي منصب الرئاسة.

لم يدع المجلس المركزي للاجتماع بعد؛ ولكن الرئيس عباس يتحرك وكأنه باق في منصبه على أي حال. وفي الأسبوع الثالث من نوفمبر/ تشرين ثاني، أصبح واضحاً أن عباس يتبنى "خطة فياض"، ربما باعتبارها الأداة الوحيدة المتبقية للرد على الموقف الإسرائيلي وعلى تراجع سياسة إدارة أوباما.

وبعد أن كان تصور فياض يفترض الذهاب إلى مجلس الأمن بعد عامين من تطوير أجهزة ومؤسسات السلطة، أعلنت مصادر السلطة أنها تخطط بالفعل التقدم إلى مجلس الأمن لتوفير الدعم والغطاء الدولي لخطة السنتين. على أن ردود الفعل الإسرائيلية، التي اتهمت السلطة بالخروج على اتفاق أوسلو وتوكيده على منع أي من طرفيه التصرف الانفرادي، والتي هددت بالرد على أية خطوة فلسطينية انفرادية، دفع السلطة إلى التخلي عن قرار الذهاب إلى مجلس الأمن، والطلب من المجموعة العربية بأن تتكفل هي بالتقدم إلى مجلس الأمن لدعم خطة إعلان الدولة خلال سنتين.

المشكلة أن تصريحات أركان السلطة، سواء من حلفاء فياض أو مساعدي عباس، التي استبطنت وجود دعم أوروبي وأميركي كاف لخطة فياض، لم تكن صحيحة، أو أنها استندت إلى تقديرات غير دقيقة للموقف على الأقل. فسرعان ما أعلن البيت الأبيض عدم تأييده للمقاربة الفلسطينية، ليتلوه تصريح لوزير خارجية السويد، التي ترأس الاتحاد الأوروبي حالياً، يؤكد على أن من المبكر التفكير في إعلان دولة فلسطينية.

والواضح، في المدى المنظور على الأقل، أن تأييد دوائر أوروبية وأميركية لخطة فياض لا يتعلق بالشق الخاص بإعلان دولة فلسطينية، بل بالشق الذي يخص تطوير مؤسسات السلطة وتحسين أوضاع الفسطينيين الاقتصادية؛ وهو الأمر الذي يدعو إليه نتانياهو على أية حال باعتباره حلاً بديلاً لقيام دولة فلسطينية. وبذلك انتهى المهرجان المتعلق بخطة فياض؛ بالرغم من أن رئيس وزراء السلطة لم يزل مصراً على أن خطته هي الكفيلة بتحقيق السلم وتلبية الطموحات الوطنية الفلسطينية، وأن هذه الخطة ستجد دعماً غربياً كافياً في النهاية، بغض النظر عن الموقف الإسرائيلي منها.

نتائج وتوصيات

1- ليس من الصعب إدراك أن "خطة فياض" لا تستند إلى أسس صلبة، حتى إن تمتعت بدعم أوروبي وأميركي. إعلان دولة فلسطينية، مهما كان الغطاء المتوفر لهذا الإعلان، سيضع نهاية للقضية الفلسطينية باعتبارها حركة تحرر وطني، ويحولها في نهاية المطاف إلى مجرد اختلاف طويل المدى على الحدود. ولأن ليس ثمة قضية من قضايا الحل النهائي قد اتفق عليها، فإن الدولة المنشودة ستعود إلى المربع الذي تقف فيه السلطة اليوم: التفاوض بلا أفق زمني على قضايا الحدود والقدس واللاجئين والسيادة والمياه والمستوطنات، إلخ. الفارق أن هذه الدولة المراد الإعلان عنها ستفاوض من موقع أضعف، بعد أن يتراجع الاهتمام العربي/ الإسلامي والدولي بالمسار الفلسطيني، طالما أن الفلسطينيين قد أعلنوا دولتهم. ولأن هذه الدولة لن تتمتع بأي قدر من السيادة، فلا أحدَ  يمكنه أن يقدر المستوى الذي سيصله الاستيطان اليهودي في الضفة. وبغض النظر عما إذا كانت هنالك دولة أو لا دولة، فمن الواضح أن الكيان الفلسطيني في الضفة الغربية قد تحول إلى مجرد غطاء لاستمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني.

2- ليس ثمة شك في أن سلطة الرئيس عباس قد تضعضعت باطراد منذ أزمة غزة في صيف 2007، وأن وضعه الشعبي قد تراجع إلى حد كبير. وجاءت قضية تقرير غولدستون لتوقع عطباً كبيراً في ثقل الرئيس المعنوي وقيادته للمشروع الوطني الفلسطيني. في حال تراجع عباس عن إعلانه عدم الترشح لمنصب الرئاسة، وقبل بالبقاء في منصبه بقرار من المجلس المركزي لمنظمة التحرير، فإن الشك في شرعية الرئيس ومصداقيته سيتعمق ويتسع.

3- ما تواجهه سلطة الحكم الذاتي هو أزمة بنيوية شاملة، ولا يمكن التعامل معها لا بسياسات ترقيعية، ولا بمنطق سياسي مشتق من ذلك الذي أوصل إلى اتفاق أسلو ومساره. وتمثل هذه الأزمة عبئاً ثقيلاً على كاهل القضية الوطنية. الاعتماد على حسن نوايا الإدارة الأميركية، وعلى حلفاء عرب، يصعب تحررهم من العلاقة التحالفية مع واشنطن وإستراتيجية الحفاظ على السلم القائم مع الدولة العبرية، لن يخرج الوضع الفلسطيني من الأزمة. كما أن التهديد بحركة احتجاج شعبي سلمية، باعتبارها مجرد تكتيك أو أداة ضغط لاستئناف المفاوضات، لن يؤخذ على محمل الجد من القيادة الإسرائيلية، وربما يصعب تنفيذه في ظل الانقسام الفلسطيني الداخلي.

ما تتطلبه هذه الأزمة هو انقلاب جوهري في وضع السلطة، وفي العلاقات الوطنية الفلسطينية، وفي برنامج العمل الوطني. وفيما يلي بعض التوصيات لما يمكن عمله:

أ‌- القرار الفلسطيني الجاد الذي يمكن أن يعيد الأمور إلى نصابها، هو حل سلطة الحكم الذاتي ووضع نهاية للدور الذي تعهدته باعتبارها امتداداً للاحتلال، وإجبار الدولة الإسرائيلية بالتالي على العودة إلى نظام الاحتلال المباشر، والعالم على التعامل مع الوضع على هذا الأساس؛ وإعلان قطاع غزة في الوقت نفسه منطقة محررة، يدافع عنها الفلسطينيون بكل ما أوتوا من قوة.

ب- التخلي عن اتفاق المصالحة المطروح، سواء في صيغته المصرية أو حتى في صيغته التي تطالب بها حماس، على اعتبار أن هذا مجرد اتفاق تقني لترتيب العلاقات في ظل سلطة الحكم الذاتي، واستبداله بمفاوضات وطنية واسعة للتوصل إلى ميثاق سياسي للعمل الوطني في ظل المرحلة الراهنة، يقوم على أسس ثلاثة: إعادة بناء منظمة التحرير كإطار لكل قوى الشعب وفئاته؛ تحويل قطاع غزة إلى قاعدة محررة للحركة الوطنية بكل تنظيماتها؛ الاتفاق على برنامج نضالي وطني للعمل في الضفة الغربية.

ت- أن تبدأ قوى الحركة الوطنية، في إطار من منظمة التحرير الجديدة، تداولاً معمقاً حول تبني هدف الدولة الواحدة. في ظل المتغيرات المتسارعة على الأرض، وتراجع الموقف الدولي عن كبح جماح الاستيطان اليهودي في الضفة والغربية والقدس الكبرى، يقترب خيار الدول الواحدة من الحتمية التي يفرضها الواقع، أكثر من تعلقه بتدافع الآراء والقناعات والدوافع داخل الساحة الفلسطينية.

انشر عبر