شريط الأخبار

مسارات التفاوض وأخطار التأزم .. رضوان السيد

01:05 - 21 تموز / نوفمبر 2009

بقلم: رضوان السيد

ما غير الأميركيون أي شيء في استراتيجيتهم التي بدأوها عشية ولاية باراك أوباما في مطلع العام 2009: فقد قالوا بالعودة للتفاوض في الصراع الإسرائيلي/ الفلسطيني والعربي. كما قالوا بالتفاوض في النزاع على النووي بين إيران والمجتمع الدولي. في المسار الأول طاف جورج ميتشل مبعوث الرئيس الأميركي المنطقة وبخاصة إسرائيل وفلسطين في رحلات مكوكية على مدى عشرة أشهر، وهو يحمل مشروعا واضحا: إعادة الفلسطينيين والإسرائيليين إلى طاولة التفاوض على قضايا الحل النهائي، وصولا لإقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل خلال سنتين. ولا يعرف العالم الكثير عن تفاصيل وخطوات دبلوماسية ميتشل التي بقيت سرية. لكن كان يمكن التنبؤ بحصول تأزم، عندما كان أوباما يصرح للمرة العاشرة أو أكثر بمشروعه للحل، أو عندما تأتي وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى المنطقة لدعم جهود ميتشل. وقد بلغت تلك الجهود إحدى ذراها في جمع الرئيس أوباما للرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي قبل شهرين. وعندها عرفنا تماما أين بدأت العراقيل: رئيس الوزراء الإسرائيلي يريد مفاوضات بدون شروط (مثل وقف الاستيطان)، وبدون مرجعية (القرارات الدولية، وهدف إقامة الدولة الفلسطينية). وكاد الفلسطينيون يقبلون ببدء التفاوض رغم استمرار الاستيطان إنما بضمانات أميركية للمسار والمرجعية. بيد أن تقرير غولدستون وتقلباته ومصائره، وضع السلطة الفلسطينية إلى الجدار، فما عادت تستطيع التنازل في مسألتي الاستيطان والمرجعية. في حين أصر نتنياهو على أن وعوده الانتخابية بشأن القدس والمستوطنات، وتحالفه مع اليمين والمستوطنين، لا تسمح له بالمضي أكثر من ذلك: أي التفاوض من أجل التفاوض!

أما المسار الإيراني، الذي لم يبدأ العمل فيه إلا قبل شهرين، بعد اتصالات سرية فيما يبدو؛ فقد بدا واعدا أكثر، عندما قبلت إيران في الجولة الثانية بالتخصيب خارج أراضيها (روسيا + فرنسا)، كما سمحت بالتفتيش الدولي لمؤسستها الجديدة بجانب مدينة قم. وكان منتظرا بعد الاتفاق على المبدأ أن تتحرك الآليات، وأن تعود «رزمة الحوافز» التي تقدم بها الغرب لإيران قبل قرابة العام، إلى التداول. بيد أن التأزم عاد للظهور قبل شهر عندما عادت إيران للتشدد في مسألة التخصيب خارج أراضيها، تارة لعدم رضاها عن الآليات والضمانات، وطورا للافتقار إلى الثقة بالمجتمع الدولي ووعوده.

لقد تمتعت منطقة الشرق الأوسط ولحوالي العشرة شهور بعد الحرب الإسرائيلية على غزة بهدوء حذر ما عرفته من سنوات. ويرجع ذلك في الأغلب إلى المقاربات الجديدة للرئيس أوباما، ولأن سائر الأطراف أرادت أن تبني لنفسها عنده. ومن النتائج القليلة لذاك الهدوء: انضباط حماس في غزة، وفرضها الانضباط على الفصائل الأخرى، بحيث أثنت إسرائيل أخيرا على وفاء حماس بوعودها! كما كان من نتائج ذاك الهدوء تشكيل الحكومة اللبنانية أخيرا بعد مفاوضات دامت لخمسة أشهر. وقد قيل في الأيام الأخيرة إن التشكيل إنما تم بمساع سورية حثيثة، بسبب التحسن في العلاقات بين السعودية وسورية على أثر زيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز لدمشق. كما قيل إن إيران ما وقفت في وجه الجهود السورية لأنه لا مصلحة لها في إضعاف حلفائها في لبنان والعراق، حيث صارت لها مناطق نفوذ قوية فيهما، قد تتهدد بالاضطراب أو الفراغ أو استثارة النزاعات.

بيد أن التأزم عاد للظهور بقوة وعلى المسارين التفاوضيين: الإسرائيلي/ الفلسطيني والعربي، والإيراني/ الدولي. ومن مظاهر التأزم القوية على المسار الأول:

ـ اجتماع لجنة المبادرة والمتابعة من وزراء الخارجية العرب بالجامعة، واعتزامها حمل القضية إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار يؤكد حل الدولتين على أساس القرارات الدولية. وهذا معناه أمران: التخلي بشكل غير مباشر عن الوساطة الأميركية، ودفع الحكومة الإسرائيلية إلى اتخاذ قرار بالتقدم نحو التفاوض أو الرفض الصريح.

ـ عدم التقدم في مسائل التفاوض على الجانب الإسرائيلي/السوري. وكانت المفاوضات غير المباشرة بواسطة تركيا قد توقفت بسبب حرب غزة. وقد تحرك الفرنسيون أخيرا لدفع الطرفين للتفاوض تحت المظلة الفرنسية، لكن الرئيس الأسد رفض ذلك في زيارته الأخيرة لباريس، وأصر على الوساطة التركية. وكان الإسرائيليون قد قالوا قبل فترة إنهم ما عادوا يريدون الوساطة التركية، وإنما يريدون مفاوضات مباشرة مع سورية، برعاية أميركية. كما يريدون تعهدا سوريا بالتوقف عن دعم حزب الله، ودعم المتطرفين الفلسطينيين. وهكذا فقد ظهر تأزم في هذا الجانب من المشهد أيضا، وبخاصة أن الأميركيين لا يبدون متحمسين حتى الآن لاستنهاض المفاوضات على هذا الطرف من نزاع الشرق الأوسط.

ـ ويتصل بهذا المشهد أيضا عدم تقدم الحل المصري بين حماس وفتح، بسبب رفض حماس له. ولذلك، ففي الوقت الذي يعاني فيه الفلسطينيون من الاستيطان والهجمة على القدس، ينتظر أن تزداد معاناتهم من الانقسام الداخلي، بحيث تزداد احتمالات الاضطراب من جديد.

أما التوتر على المسار الإيراني/ الدولي، فيتجلى فيما يلي:

ـ عودة الغربيين (مضافا إليهم روسيا الاتحادية) لتهديد إيران باتخاذ قرار في مجلس الأمن بزيادة العقوبات للمرة الرابعة.

ـ عودة إيران، بعد توقف شهرين بسبب مشكلات انتخابات الرئاسة، إلى نشر التوتر من خلال امتداداتها العربية، وهذه المرة على الحدود اليمنية / السعودية، من خلال المتمردين المعروفين باسم الحوثيين. فقبل شهر هاجم مرشد الثورة، السيد الخامنئي، المملكة بذريعة الحج والحجاج، ومعاملة الشيعة. وتلا ذلك بعد أسبوعين إعلان الحوثيين أنفسهم عن اختراق للحدود مع السعودية. ومنذ أكثر من أسبوعين تدور اشتباكات على الحدود السعودية مع اليمن بين الجيش السعودي والحوثيين، ويستمر الإيرانيون في التصريح بدعم الحوثيين، وخلط ذلك بالحديث عن الحج والأشهر الحرم، كما فعل لاريجاني رئيس مجلس الشورى أخيرا!

ماذا يعني هذا كله؟ إن هذا يعني أن فترة «السماح» للرئيس أوباما أوشكت على الانتهاء. وأن العرب لم يحصلوا على شيء غير الكلمات الطيبة التي قالها الرئيس الأميركي في مناسبات مختلفة. كما أن الإيرانيين ـ مستندين إلى التردد الغربي ـ لن يعودوا لقبول التخصيب في الخارج. وهم ماضون في تغذية امتداداتهم في العالم العربي، وقد أثاروا جبهة على حدود السعودية، بعد أن كانوا فقد فعلوا الشيء نفسه مع مصر من خلال حماس في غزة. فإذا أضفنا لذلك التفجر الحاصل أخيرا في باكستان، وازدياد التردي في الموقف في أفغانستان؛ يكون المخشي الآن أن يبادر أحد الجانبين: الإسرائيلي أو الإيراني لتفجير الموقف أو زيادة توتره؛ من أجل تغيير المشهد، أو قلبه لصالحه.

فالإسرائيلي لا يريد التفاوض ولا السلام. إذ إن تركيبة الحكومة الإسرائيلية لا تمكن من ذلك. ثم إن نتنياهو معروف الماضي والحاضر، وليست للسلام أكثرية في إسرائيل الآن. ويخشى الإسرائيليون أن تصل إيران إلى إنتاج سلاح نووي. ولهذا كله قد تذهب إسرائيل باتجاه الحرب الصغيرة أو الكبيرة لتغيير المشهد وإيقاف الضغوط عليها. والعائق الوحيد حتى الآن معارضة إدارة أوباما والروس والصين.

والإيراني يريد المطاولة والكر والفر في التفاوض إلى أن يصبح ملفه النووي بمأمن. وقد أفاد من الاستثمار في لبنان والعراق وحماس، فلماذا لا يستثمر في اليمن والحوثيين لمزيد من المشكلات، واستنزاف للطاقات والقدرات. وهو يبدو راضيا عما حققه حتى الآن. لكنه إن تضايق أكثر فقد يعود لاستخدام الساحتين اللبنانية والعراقية. وإن غداً لناظره قريب.

انشر عبر