شريط الأخبار

ليست شهادة، ولكنها تساؤلات! .. رشاد أبو شاور

07:31 - 20 تموز / نوفمبر 2009

بقلم: رشاد أبو شاور

الدعوة الكريمة من وزارة الثقافة في القطر العربي السوري، تضمنت طلبا منّي ومن زملائي المدعوين، كتابة شهادة حول الرواية الفلسطينيّة.

منذ تسلّمت الدعوة وأنا أضعها أمامي، وأترددُ في الكتابة، لأن الأسئلةَ َ تزاحمت في ذهني. ما المقصود بالرواية الفلسطينيّة؟ أهي الرواية ُ التي يكتبها فلسطينيّون ينتمون تحديدا لفلسطين الجغرافيّة، أو ولدوا لآباءَ وأمهاتٍ فلسطينيين؟!

أين موقع روايات كثيرة كتبها روائيون من أقطار عربيّة، محورها الهّم الفلسطيني؟ هل رواياتهم فلسطينيّة أم إنها روايات تنتمي للبلد العربي الذي ينتمي له الروائي؟ هنا تخطر ببالي روايات كثيرة منها: عرس فلسطيني، أعدائي، حب في بلاد الشام، حسيبة، جيل القدر، رأس بيروت، باب الشمس، ولا ننسى رواية لاجئة للكاتب اللبناني الدكتور جورج حنّا والتي صدرت في خمسينات القرن الماضي، وغيرها...

ثمّ: ما هي الرواية الفلسطينيّة؟ بماذا تختلف عن غيرها من الروايات العربيّة؟ هل تصنّف الرواية ( فلسطينيّة) لأن كاتبها فلسطيني، أم لأن موضوعها فلسطين؟

ترى لو سمعنا ب: رواية سورية، أو مصرية، أو عراقيّة، أو جزائرية، أوتونسيّة، أومغربيّة..فبماذا سيوحي تصنيف الهويّة الإقليمي هذا؟

نحن سنعرف عندئذ أن الروائي ينتمي قطريا لهذا البلد، أو ذاك، ولكن روايته عربيّة، وهي غير محددة الموضوع، أو التقنيّة، بسبب انتماء كاتبها لقطر عربي بعينه.

المشكلة أن رواية (فلسطينيّة)، وروائي (فلسطيني)، أخذت توحي بالحكم المُبرم مُسبقّا: فالرواية الفلسطينيّة تختّص بالموضوع الفلسطيني، والروائي الفلسطيني لا يكتب إلاّ عن فلسطين: النكبة، اللجوء، المقاومة، الغربة التشرّد، المطاردة، السجون والأسر...

هناك حكم مسبق على الرواية الفلسطينيّة لمجرّد انتماءِ كاتبها لفلسطين، وهناك تضييقٌ لأفقها، وهو ما يؤثّر سلبا على علاقة الروائي الفلسطيني بالقارىء العربي.

 الحّق أن بعض ( النقّاد) الكسالى أسهموا في تعميم نظرة أضّرت بالرواية التي يكتبها روائيّون فلسطينيّون.

هناك أسئلة تُطرح أحيانا بغرض التقليل من أهميّة الرواية( الفلسطينيّة)، والتقليل من أهمية الروائيين الفلسطينيين، بسوء نيّة، أو بسذاجة: هل عبّرت الرواية الفلسطينيّة عن النكبة الفلسطينيّة، وهل ارتقت لمستواها؟ أو: لماذا لم تظهر (حرب وسلام) فلسطينيّة؟!

 الروائيون الفلسطينيون لا يسعون لكتابات تعاطف تروّج لأعمالهم الروائيّة، ولكنهم بالتأكيد ينظرون بأسف لتقصّد تجاوز منجزاتهم، والتعتيم عليهم، والتأستذ عليهم، بل والنفاق أيضا على حسابهم.

فلسطين ليست موضوعا مغلقا، وليست وقفا على الروائي العربي الفلسطيني، وهنا أذكّر برواية الكاتبة الأيرلندية (إيثيل مانين) صاحبة (الطريق إلى بئر السبع) التي حثّت الفلسطينيين مبكّرا على حمل السلاح والانتقال إلى المقاومة. 

فلسطين تختزل كل المواضيع التي يكتبها الروائيون منذ عُرفت الرواية حتى يومنا هذا، فهي رواية الحرب، والحب، والمقاومة الإنسانيّة، وأسئلة الوجود، وهي رواية الصراع بين البشر منذ وجد الإنسان على هذه الأرض، فهي رواية قابيل القاتل وهابيل القتيل، وهي رواية البطولة، والجبن، والخيانة، والفساد، والتحولات الاجتماعيّة، والتضحية، والحريّة، وكّل ما يشغل الإنسان في زمننا...

ولأن فلسطين قضية وجود أمّة، والفلسطيني من صلب هذه الأمّة، ولأن ما يكتبه الروائيون العرب في كل أقاليمهم يصّب في بحر الرواية العربيّة الواحدة، فإن ما يكتبه الفلسطينيّون من وحي معاناتهم وألمهم وتجاربهم، يصّب في بحر الرواية العربيّة الذي بدا يتّسع بتدفّق جداول الرواية العربية من الأقطار العربيّة، بخصوصيات محليّة، تخصب وتفتح آفاقا للرواية العربيّة بلا حدود.

عندما أبدع غسّان كنفاني روايته الصغيرة حجما(رجال في الشمس)، كان يقدّم إضافة فنيّة تقنيّة تسهم في تطوير الرواية العربيّة، فرجال في الشمس لم تنحصر في مكان، وبهذا تجاوزت مفهوم (وحدة المكان)، وهي تخففت من السرد والوصف، ومضت إلى هدفها المفتوح، وصرختِها الختاميّة_ ولا أقول النهائيّة_ المُنذرة، وغسّان وظّفَ الرمز في روايته، وهو ما ارتقى بها من مجرّد حادثة واقعيّة إلى التراجيديا الإنسانيّة التي تتجدد مع صدى ذلك السؤال الرهيب، بكّل أبعاده، وما يوحي به: لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟!.

ولأن غسّان كنفاني كان معنيّا بتطوير فنيّات الرواية العربيّة فقد( استعار) من وليم فولكنر تكنيكه الروائي في (الصخب والعنف)، ووظفه في روايته (ما تبقّى لكم)، ولكنه وهو يستفيد من ( تيّار الوعي) كان يقدّم التجربة الفلسطينيّة بمأساويتها.

 لقد توقفت شخصيّا أمام رمز الساعة في رواية كنفاني، والساعة في رواية (الصخب والعنف)، وكتبت وجهة نظري.

 انطلق غسّان من وعيه بأهمية الزمن بالنسبة للفلسطيني قضيةً ومصيرا. ولأن حامدا بطل رواية غسان وعا دوره في المواجهة، فقد طوّح بالساعة بعيدا على رمال الصحراء، لتبقى تنبض بينما هو في مواجهة الجندي(الإسرائيلي). غسان قال لنا: الزمن محايد، ومن (يفعل) على هذا المسرح الصحراوي الممتّد، هو الذي سيفوز، حيث لا إمكانية َ لمساومةٍ، فإما حامد الفلسطيني شبه الأعزل إلاّ من حقه وإصراره، وإمّا هذا الغريب المدجج بالسلاح التائه على أرض ليست له.

بعد رواية غسّان كنفاني (ما تبقّى لكم) الرائدة، ظهرت رواياتٌ عربيّة كثيرة استفادت من تقنية(عرّبها)، لم تتوقف عند حدود التأثّر والنقل والتقليد، بل تجلّت فيها روح الإبداع.

لم يكن غسان وحيدا في المضي قدما بالرواية العربيّة، إذ لا بدّ من الإشارة إلى تجربة الروائي جبرا إبراهيم جبرا، المترجم الذي نقل الكثير عن اللغة الإنكليزيّة، مسرحا، وروايات، وقصصا قصيرة، وكتبا نقديةً،، وبجهده هذا فتح آفاقا أمام الشعراء والفنانين العرب، وعرّفهم بما ساعدهم على استيعاب (الحداثة) في الفنون والرواية والشعر. هذا الروائي قدّم رواية (الأصوات) كما في روايته (السفينة)، وهو عاد إلى تراثنا الحكائي فكتب روايته الباهرة (البحث عن وليد مسعود) مستفيدا من ألف ليلة وليلة.

وإذا كنّا نتحدّث عن الاستفادة من التراث فلا بدّ أن نذكّر برواية (المتشائل) لأميل حبيبي، والتي استقبلت بحفاوة لروحها العربيّة – رغم الاختلاف في التوجّه السياسي _ تقنيةً ونهلاً من أسلوب القّص العربي الذي أدار الروائيون العرب له الظهر منبهرين بأساليب الكتابة الروائيّة الغربيّة، وطبيعي أن أستثني أُستاذ الرواية العربيّة نجيب محفوظ صاحب(الحرافيش)، و(ليالي الف ليلة)، و(رحلة ابن فطّومة) التي هي عودة لأساليب القّص العربي.

الروائيون الفلسطينيّون وظّفوا تجاربهم الشخصيّة، فكتبوا عن معايشتهم في أقطار عربيّة خليجيّة مثلاً : ياليلة دانة للدكتور عبد الله الدنّان من وحي تجربته (الكويتيّة)، وجبرا ( صيادون في شارع ضيّق)، ويحي يخلف في (نجران تحت الصفر) من تجربته ( السعوديّة)، و (براري الحمّى) لإبراهيم نصر الله وكان كتبها بعد ان عمل معلما في السعودية، معايشا حالة التخلّف والبؤس والغربة، وكذا جمال ناجي صاحب رواية (الطريق إلى بلحارث)، وأكثر من رواية لليلى الأطرش من وحي تجربتها الخليجيّة( امرأة الفصول الخمسة، مرافئ الوهم ).

الروائيون الفلسطينيون يعيشون داخل فلسطين، في فلسطين المحتلّة 48، الضفّة الغربيّة، قطاع غزّة، ومن يتأمّل كتاباتهم سيكتشف أنهم وإن كانوا يعيشون تحت نفس الاحتلال، وعلى ارض فلسطين، إلاّ أنّ تقطيع المكان الفلسطيني، جعل البيئة الفلسطينيّة مختلفةً، وهو ما أثّر على هؤلاء الكتّاب الذين هم ابنا بيئاتهم...

هناك روائيون يعيشون في الأردن، سوريّة، لبنان، دول الخليج، وفي المنافي البعيدة : بريطانيا: المرحوم يوسف شرورو، فرنسا : الدكتور أفنان القاسم . أوستراليا: عبد الكريم السبعاوي...

وهناك كتّاب وكاتبات اضطروا لتغيير أماكن إقاماتهم قسرا وقهرا، أواختيارا بحثا عن العمل.

هؤلاء الروائيون والروائيات، عايشوا المجتمعات العربيّة المحليّة، وتأثروا بالمنجزات الروائيّة في تلك البلدان، ولهذا نلمس حجم التباين والغنى في التجربة الروائيّة الفلسطينيّة...

ومن هنا يمكن لنا القول بأن الرواية الفلسطينيّة لا يشملها حكم قيمة، فهي غنيّة بغنى تجارب مبدعيها، والبيئات التي نهلوا منها، ومستوى مواهبهم الذي يعود لهم كأفراد.

الرواية الفلسطينيّة ليست رواية الموضوع الواحد، إنها منفتحة على مواضيع لا حدود لها، بعضها جديد على الرواية العربيّة، يضيف لها.

الروائيّات الفلسطينيّات معنيّات بمشاكل المرأة، باضطهادها، وتخلفها، ولكنهن أيضا يعشن مأساة شعبهن، وتمزقاته، ومع ذلك فإنه يكتبن روايات برؤية مختلفة، وبفنيّات تميّز كل واحدة عن الأخرى، وتميزهن عن زميلاتهن الروائيّات العربيّات. هذا الاختلاف واضح في روايات: سحر خليفة، ليلى الأطرش، نعمة خالد، ليانة بدر، حزامة حبايب...

أوّد أن أنبّه إلى تداخل الرواية الفلسطينيّة والأردنيّة، وهذا يعود إلى التداخل الاجتماعي بين الشعبين الشقيقين، وما ينعكس في أعمال روائيّة للجيل الجديد من الروائيين الفلسطينيين الذين يعيشون في الأردن، ويشاركون زملاءهم الأردنيين الهموم والمتغيرات الاجتماعيّة.

هنا أتوقّف لأنبّه إلى أن الروائيين الفلسطينيين يتأثرون بالظروف الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للأقطار التي يعيشون فيها، أو تضطّرهم الظروف للهجرة إليها.

إن قراءة جادة للمنجز الروائي الفلسطيني، ستكشف للمتابع المعني، ناقدا، أو دارسا أكاديميّا، كم أن ( الرواية) الفلسطينيّة متنوعة غنيّة متباينة فنّا ورؤيةً، بتأثير من اختلاف البيئات التي يعيشها الروائيون الفلسطينيّون، ووعيهم السياسي، ورؤيتهم الفنيّة، ومواهبهم...

روايات أحمد عمر شاهين تفيض منها النكهة المصريّة القاهريّة، هو الفلسطيني ابن (خان يونس)، وكان هذا طبيعيّا كونه عاش منذ عام 67 وحتى رحيله في القاهرة. وهو ما ينطبق على أفنان القاسم الذي عاش في فرنسا والجزائر، دارسا وأستاذا وأكاديميّا.

من يعيشون في سوريّة : حسن حميد، ونعمة خالد، عدنان كنفاني، يوسف جاد الحّق، يوسف الأبطح، الياس خوري (الفلسطيني) _وهو غير صديقنا الياس خوري اللبناني الذي اختار فلسطين قضية حياة _ وغيرهم ..يكتبون روايات تختلف عن زملاء لهم يعيشون في الأردن، وعن زملائهم في فلسطين المحتلّة: الضفّة الغربيّة، وقطاع غزّة، وفلسطين ال 48 .

 روايات أحمد رفيق عوض، وأحمد حرب وزملائهما تمتح من تجربة معاناة الاحتلال، ومعايشة الانتفاضتين المباشرة، ومع ذلك فهي تختلف عن روايات زملائنا في قطاع غزّة: خضر محجز، غريب عسقلاني، عبد الله تايه...

تأثير الانتقال من المكان الفلسطيني إلى مكان آخر في المنفى ، يمكن ملاحظته في روايات توفيق فيّاض التي كتبها داخل فلسطين، وبعيدا عنها مكانيّا...

أحسب ان زملائي روائيّات وروائيين، لا يشعرون بالرضي عن ما قدّموه حتى الآن، فهم قلقون قلق المبدعين الحقيقيين، وهذا شأن كل مبدع أصيل، طموح، جاد. وهم عندما يكتبون يضعون أنفسهم أمام تحد، ولا يعتمدون على (وطنية) الموضوع، وقدسية القضيّة، بل إن هذا بحسب معرفتي بهم، يؤرّقهم أكثر، فالموضوع بلا فّن خسارة للكاتب والقضيّة التي يحملها.

الروايات الكبرى التي قرأناها مثل (الحرب والسلام) ، هي روايات حرب، وهي روايات حب، وانقلابات اجتماعيّة.

بين عصر وعصر طبيعي أن تتغيّر أساليب الكتابة، فلكّل عصر فنونه، وأساليبه، وقفزاته العلميّة والمعرفيّة.

 نحن نعيش في زمن السينما، والتلفزيون، والإنترنت، والهاتف الخلوي، والفيس بوك، ولذا فإيقاع عصرنا ليس إيقاع القرن الثامن عشر، والتاسع عشر، وحتى ليس إيقاع النصف الأوّل من القرن العشرين، والروائيون الفلسطينيّون هم أبناء زمنهم، متاح لهم ما هو متاح لغيرهم...

نحن أبناءُ زمننا، والسؤال هو: كيف نعبّر روائيّا عن أسئلة وجودنا وقضايانا؟ كيف نكتب روايات تضيف معرفة ً ومتعة؟ كيف نُعبّر عن مكابدات واشواق وتطلعات الإنسان العربي ؟

 هنا التحدّي..وهو ما أحسبُ أن الروائيين الفلسطينيين ينخرطون، كل بحسب قدراته الإبداعيّة، مع زملائهم الروائيين العرب، في الإجابة عليه، بأعمال روائيّة يحملها فن راق متجدد، ورؤية تضيف معرفةً، وتغني مسيرة الرواية العربيّة...

 

ختاما: لم أتحدث عن تجربتي الروائيّة، فقد سبق وشاركت في ملتقيات، قدّمت فيها مداخلات، تحدثت فيها عن تجربتي، وهذه المداخلات متوفّرة على موقعي على الإنترنت، وعلى مواقع كثيرة .

إذا كنت قد نجحت في وضع أسئلة يمكن أن تثير جدلاً حول مُنجز الرواية الفلسطينيّة، فقد حققت الهدف من مشاركتي، وهو ما ارجوه.

 

* مداخلة الكاتب في مؤتمر الرواية الفلسطينيّة الذي عُقد في دمشق في الفترة 8 و9 و10 تشرين أوّل 2009 .

انشر عبر