شريط الأخبار

دراسة دولية تدعو حركة "فتح" لطرح الأسئلة الصعبة حول أجندتها وتحالفاتها

03:34 - 20 تموز / نوفمبر 2009

فلسطين اليوم : وكالات

أكدت دراسة دولية أن إصلاح قيادة "فتح" ومؤسساتها أمر لا بد منه، وهي عملية ينبغي أن تستمر، غير أنه بالنسبة لحركة فقدت بوصلَتها ومشروعها، فإنها بحاجة لفعل أكثر مما فعلته حتى الآن، عليها أن تطرح على نفسها أسئلة صعبة حول أجندتها، وأساليب تنفيذها وتحالفاتها السياسية.

وقالت مجموعة الأزمات الدولية -التي تتخذ من بروكسل مقراً رئيسياً لها- في دراسة تحت عنوان (فلسطين: إنقاذ "فتح")، :"إن هذه الأسئلة تتضمن على نحو خاص ما يلي: إذا ما كانت ستطور إستراتيجية للمقاومة الشعبية اللا عنفية: فقد عبّر المؤتمر عن إجلاله للكفاح المسلح وكان رد فعل أعضائه حماسياً كلما تم ذكره، غير أن المصطلح أثبت فشله المعنوي ونواقصه السياسية، ومن الناحية العملية فإن فتح قد تجاوزته. السؤال هو ما إذا كان بإمكانها تصميم إستراتيجية تحتل موقعاً وسطاً بين العنف واللا عنف يمكن أن تتصدر أشكال المقاومة الشعبية، ويمكنها من أن تمهد طريقاً إلى الأمام في حال فشلت المفاوضات في تحقيق حل الدولتين".

أما بالنسبة للسؤال الثاني، فقالت الدراسة إنها حول علاقة الحركة بالسلطة الفلسطينية: فتح هي حركة تحرر وطني، غير أنها ومنذ سنوات أوسلو اندمجت مع حكومة السلطة، وهذه العلاقة المزدوجة شوهت سمعة الحركة ووسمتها بالفساد وفي نفس الوقت هزت كوادرها وشوشتهم. فعلى فتح أن تقرر إذا ما كانت ترغب بإدارة الأراضي المحتلة وبناء مؤسسات الدولة، أو أن تركز على أجندتها التحررية وبالتالي تفك ارتباطها بالسلطة الفلسطينية وتتركها لتحكم".

وبشأن السؤال الثالث، أضافت "ماذا عن حماس؟ ستعتمد المصالحة على أفعال الحركتين وليس فقط على أفعال حماس، وعلى وجهات نظر اللاعبين الخارجيين، وليس الفلسطينيين فقط. وبالرغم من ذلك، على فتح أن تحدد إذا كانت الوحدة الوطنية أولوية، و إذا كانت مستعدة لإفساح المجال للإسلاميين، والثمن الذي ستكون جاهزة لدفعه (خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة)".

وبالمحصلة، قالت الأزمات الدولية "إن قيادة أكثر ديمقراطية وانسجاماً مع المشاعر الشعبية وتتمتع برؤية واضحة يمكن أن تحد من مرونة المفاوضين وقدرتهم على تقديم التنازلات، كما أنها ستكون أكثر مصداقية ومشروعية وقادرة على المضي قدماً بأنصارها وكوادرها. أما اللاعبون الخارجيون، ومن بينهم الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد لا تعجبهم جميع الأجوبة التي ستقدمها فتح في المحصلة، غير أن ذلك يظل أفضل من عدم وجود أجوبة على الإطلاق".

ومع ذلك، فإن الدراسة تؤكد أن "الصعوبات التي تعاني منها فتح لا تعني أنها استُنفدت، بل يعني أنها بحاجة ماسّة للإصلاح. حركة وطنية قوية هو مطلب ضروري، سواء نجحت المفاوضات وتم التوصل إلى اتفاق أو فشلت وأصبح هناك مطلب بمشروع بديل عنها. والمؤتمر العام لـ فتح في آب، وهو الأول الذي تعقده خلال عشرين عاماً، كان الخطوة الأولى على هذا الطريق، أما الآن فسيأتي الجزء الأصعب وهو: تحديد أجندة الحركة، وكيف ستخطط لتنفيذ هذه الأجندة، ومع من".

واعتبرت أن الحركة التي "مضى على تأسيسها خمسون عاماً، وكانت ذات يوم القلب النابض للوطنية الفلسطينية، مضت أيام عزها؛ وضعفت قدرتها على التعبئة". وقالت "ولما عصفت بها أزماتها الداخلية، خسرت الانتخابات الأخيرة وهي الانتخابات التنافسية الحقيقية الوحيدة في تاريخ السلطة الفلسطينية. وعدت الحركة بالنضال حتى التحرير، وتحقيق الاستقلال عن طريق المفاوضات، ووعدت بإدارة فعالة للحياة اليومية من خلال السلطة الفلسطينية، لكن أياً من هذه الوعود لم يتحقق".

وأكدت على أن "المشاكل التي تعاني منها فتح ليست كلها من صنعها، بل هي أيضا نتاج لتجربة فلسطينية فريدة؛ فهي ما زالت تئن تحت الاحتلال، وفي نفس الوقت تخوض عملية بناء الدولة، وتتمسك بمفهوم الكفاح المسلح حتى بعد شروعها بالتفاوض. في البداية استفادت الحركة من هذا الظرف فهي الفصيل المهيمن في منظمة التحرير الفلسطينية والمحور الرئيسي في السلطة الوطنية عندما تم تأسيسها في منتصف تسعينيات القرن العشرين؛ وبالتالي سيطرت على الأجندة الدبلوماسية وأدارت الحكومة؛ وبشكل رئيسي من خلال مؤسسها صاحب الشخصية القيادية الآسرة، ياسر عرفات، تمكنت من الاحتفاظ بعباءة المقاومة. ولكن عملية المحافظة على هذا التوازن سرعان ما باتت غير قابلة للاستمرار. لقد ساعد الحكم على اكتساب رعايا جدد، غير أن ثمرته، وهو الفساد، أدى الى استياء شعبي من الحركة. وقد تقيدت فتح بعملية سلام محتضرة. وفي عام 2004 لفّها الحزن على رحيل رمزها".

بيد انها أضافت "وإن لم تكن فتح هي السبب الوحيد في الأزمة التي تعاني منها، فإنها لم تسعَ على الإطلاق إلى تجاوزها، فقد سمحت الحركة لمؤسساتها بالذبول والترهل وانسحاب أعضائها الملتزمين، بينما سعت نخبتها للاستفادة من مزايا وامتيازات المناصب الحكومية، وسعت للهيمنة على السلطة الفلسطينية حتى وهي تتغنى بالتعددية.

لم تعمل الحركة على تحديث أجندتها أو تعديلها لتتلاءم مع محيطها المتغير، لقد قاومت قيادتها التغيير، ما أدى إلى تهميش أجيال من الناشطين وحرمان الحركة من الدماء التي تحافظ على الحياة فيها، والأسوأ من كل هذا، فقد فشلت في الاستجابة بالشكل المناسب إلى سلسلة طويلة من الانتكاسات المتعاقبة أو حتى التعلّم منها: فكانت الانتفاضة الثانية ومن ثم الدمار الذي لحق بالسلطة الفلسطينية؛ وانتصارات حماس الانتخابية التي دشنتها الانتخابات البلدية في عامي 2004 و 2005 وتوّجتها بالانتخابات البرلمانية عام 2006؛ ومن ثم استيلاء الإسلاميين على غزة عام 2007؛ وأخيراً إفلاس العملية السلمية".

المؤتمر السادس فاق كل التوقعات

وذكرت أن "المؤتمر العام لفتح، الذي عقد في آب في بيت لحم، كان علامة جادة على الوعي بوجوب القيام بعمل جذري. وبأكثر من شكل ، بدءاً من حقيقة أن المؤتمر قد انعقد أساساً، إلا انه فاق كل التوقعات" وقالت "خلال التحضيرات للمؤتمر، نظّمت الحركة عدداً غير مسبوق من الانتخابات الفرعية لتحديد المشاركين، وتجديد القيادة على عدة مستويات؛ وعلى مستوى المؤتمر نفسه أعادت تفعيل الهيئات الحاكمة ( المجلس الثوري واللجنة المركزية ) التي كانت في سبات طويل. الغالبية الساحقة من المرشحين الناجحين جُدد على القيادة الرسمية؛ وعلى عكس أسلافهم فقد نشأوا في الأراضي المحتلة، ما يمنحهم معرفة أفضل بالناس الذين يعيشون بينهم.

وظهر عباس بشرعية جديدة، حيث خرج أخيراً من ظل سلفه، كانت هناك ثغرات بلا ريب، وبعضها كبير. شريحة كبيرة من أعضاء المؤتمر لم يتم انتخابهم في النهاية، بل تم تعيينهم، كما أن السيطرة المفرطة على المؤتمر وسط اتهامات واسعة بتزوير الانتخابات ترك شعوراً لدى البعض بأنه تم استغلالهم، حيث أسندت لهم أدوار صغيرة مجتزأة في مسرحية سياسية كان يتم إخراجها في مكان آخر. رغم ذلك، فقد رأى كثيرون أنها كانت مرحلة هامة في سبيل إعادة إحياء التنظيم الداخلي للحركة وحضورها على الأرض".

ونوهت الدراسة إلى أن "الولايات المتحدة، ومعها المجتمع الدولي، ضغطت على فتح لعقد مؤتمرها، على أساس أنه لا غنى عن التغيير لضمان النجاح في المستقبل. وقد كان تشخيصها صحيحاً لكن الوصفة العلاجية لم تكن كاملة".

وأشارت الدراسة إلى انه "إذا كانت فتح قد تحركت نحو الإصلاح الداخلي في بيت لحم، إلا أنها فشلت بما يتعلق بالتحدي الآخر الذي تواجهه وهو توضيح غايتها ومشروعها السياسيين، وكذلك علاقاتها مع السلطة الفلسطينية، والرئيس عباس وحماس. إن الحديث إلى أعضاء حركة فتح على مختلف المستويات يعطي فكرة أوضح، ليس من خلال ما يقولونه بل من خلال ما لا يقولونه، رغم أن البرنامج السياسي مكوّن من 31 صفحة.

لا يستطيع الكثيرون شرح ما تمثله الحركة، ناهيك عن الموافقة على ما لا تمثله؛ وكيف ينبغي أن تتصرف إذا ظلت عملية السلام مشلولة؛ وما إذا كانت قادرة أو راغبة في الانخراط في الاحتجاج الجماهيري السلمي؛ وكيفية التعامل مع حماس أو كيف تعيد توحيد غزة والضفة الغربية".

التحديات ستتعاظم

وقالت "من المرجح أن التحديات التي تواجه فتح ستتعاظم في الشهور القادمة. لقد قدمت الأسابيع القليلة الماضية بياناً صارخاً بذلك من خلال خطأين سياسيين متتالين أضرّا بمصداقية عباس - ومن ثم، ولو بشكل غير مباشر، بمصداقية فتح، تمثل الأول بقرار الرئيس الفلسطيني حضور لقاء ثلاثي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي باراك أوباما رغم عدم موافقة إسرائيل على تجميد الاستيطان. أما الثاني، الأكثر ضرراً، فتمثل في قرار تأجيل النظر في تقرير القاضي رتشارد غولدستون حول حرب غزة في كانون الأول - كانون الثاني 2009 في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة".

وحذرت من أن "المستقبل لن يكون أكثر رحمة، إذ يبدو أن المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية تراوح مكانها، والدبلوماسية الأميركية تحت رحمة الأحداث بدلاً من أن تتحكم بها؛ والحوار الفلسطيني- الفلسطيني في طريق مسدود، ورئيس الوزراء المقتدر، المستقل والبارع سياسياً تزداد قوته في السلطة الفلسطينية؛ وأمر عباس الرئاسي بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في كانون الثاني 2010، وهي الانتخابات التي، إن أجريت، فستعتبر تحدياً لـ حماس وستضعه في مواجهة مع الكثيرين في فتح نفسها ممن يخشون أن اقتصار الاقتراع على الضفة الغربية سيعزز الانقسام الجغرافي والسياسي، وإعلان الرئيس الفلسطيني عن نيته بعدم ترشحه للانتخابات سيزيد من الغموض الذي يكتنف صورة الأوضاع".

وقالت "وعلى افتراض أن الانتخابات ستجرى، وأن عباس سيلتزم بوعده، فإن الحركة ستواجه عملية انتقال مضطربة للسلطة لا يبدو أن الحركة مستعدة لها على الإطلاق. كل هذه المسائل تتطلب من فتح أن تتخذ موقفاً وتتصرف".

انشر عبر