شريط الأخبار

عباس وتأجيل الانتخابات .. منير شفيق

11:35 - 16 حزيران / نوفمبر 2009

بقلم: منير شفيق

الرئيس محمود عباس في حالة يرثى لها، فقد هشمه قراره بتأجيل التصويت على تقرير غولدستون في الجمعية العامة للجنة حقوق الإنسان في جنيف.

فجأة، ومن حيث لا يحتسب، إذ له سوابق بإصدار مثل هذا القرار، ووجه بحملة استنكار واسعة جداً لقراره بتأجيل التصويت المذكور. فقد انتقد القرار حتى من مقربين إليه ولم يجد عنه، وله، مدافعاً داخل لجنته المركزية غير صائب عريقات. وممن حوله غير نمر حماد. أما على المستوى الفلسطيني العام أو العربي العام، أو حتى العالمي فقد تراوح النقد بين التخطيء إلى اعتبار القرار جريمة، وكان هنالك كثيرون عاملوه باعتباره نهجاً وخطاً سياسياً وليس مجرد خطأ.

السوابق التي مرت من دون أن تثار حولها ضجة يمكن أن تستحضر منها سابقتان. الأولى كانت «الاتفاقية» التي عقدها الهلال الأحمر الفلسطيني مع «نجمة داوود»، وذلك لتمرير إدخال «نجمة داوود» الإسرائيلية إلى عضوية الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدوليين. وكانت المحاولة فشلت سنة بعد أخرى منذ قيام دولة الكيان الصهيوني حتى 2005. وبهذا أحرج الموقف العربي والدولي تماماً كما حدث مع قرار التأجيل المذكور. وبالمناسبة لم تطبق «الاتفاقية» أو ذلك «التفاهم» من جانب الطرف الصهيوني، وإنما كان المقصود إعطاء الغطاء لتمرير عضويته المخالفة لشروط العضوية إلى جانب الصليب الأحمر والهلال الأحمر الدوليين.

أما السابقة الثانية فقد جاءت من مندوب منظمة التحرير الفلسطينية في هيئة الأمم المتحدة رياض منصور، ولا سيما منذ حصار غزة، وخصوصاً إحباطه لمشروع قرار اتفقت عليه 130 دولة في الجمعية العمومية، وفي أثناء حرب العدوان على قطاع غزة، يدين الكيان الصهيوني بارتكاب جرائم حرب بأشد مما جاء في تقرير غولدستون، ويطالب بوقف العدوان فوراً. وكانت حجته أن يصوت على مشروع قرار يكسب أصوات الأوروبيين. أي يصوت على قرار بلا طعم ولا لون ولا رائحة، أو على مشروع بمعادلة صفرية، لا يدين المعتدي، إن لم يجد له مباشرة، أو بصورة غير مباشرة، عذراً في ما يفعل.

لو قام أحد الدارسين بمراجعة مواقف المندوب الفلسطيني في الجمعية العامة لهيئة الأمم لوجد مناسبات كثيرة أفلت منها الكيان الصهيوني من الإدانة بفضل مواقف المندوب المذكور، وكلها بتعليمات من الرئيس محمود عباس. ومن يتابع تصريحات رئيس الجمعية العامة الأب ميغيل ديسكوتو بروكمان حول تجربته مع المندوب الفلسطيني يجد أن المأساة ذات تاريخ طويل سابق لقرار التأجيل العتيد. ولكن الفارق الوحيد جعل من الظرف الراهن الذي سمح بإطلاق الحملة ضد قرار التأجيل ولم يكن متوفراً في السابق. ولهذا فوجئ محمود عباس وكل من يؤيد خطه بالحملة الفلسطينية- العربية- الإسلامية- العالمية شبه الشاملة. ومع ذلك لم يعترف بالخطأ ناهيك عن الاعتراف بأن الخلل في أساسه نابع من خطه السياسي وليس خطأ موقف من هنا أو هناك.

الأمر تكرر حين تواصلت الضربات على يافوخ ذلك الخط السياسي عندما تغير الموقف الأميركي من موضوع الربط بين المفاوضات ووقف النمو الاستيطاني الذي ربط أيضاً بخطوات تطبيعية عربية. وكان ربط المفاوضات بوقف النمو الاستيطاني من جانب إدارة أوباما قد رفع سقف سياسة

محمود عباس من هذا الموضوع وأغراه بتبنيه

وإظهار «التشدد» فيه. والدليل أنه أجرى مفاوضات ثنائية حثيثة لما يقارب السنتين من دون أن يشترط وقف النمو الاستيطاني. بل من دون التمنع عن حضور جلسة مفاوضات واحدة، فيما التوسع الاستيطاني يتصاعد بصورة جنونية في ذلك الوقت.

هذا يعني أن محمود عباس تورط بالتزام ربط وقف التمدد الاستيطاني بالمفاوضات استناداً إلى موقف أميركي، كان حازماً في التأكيد على هذا الشرط. الأمر الذي وضعه بعد تغييره أمام الفضيحة إثر الذي حصل مع قراره تأجيل التصويت في مجلس حقوق الإنسان المذكور. ومن هنا أعلن أنه لا يريد الترشح للرئاسة في الانتخابات القادمة، بدلاً من أن يعتذر عن كل خطه الذي قام على رهان المفاوضات، والرعاية الأميركية للمفاوضات، وبدلاً من أن يستقيل من «اللجنة التنفيذية» الصورية وغير الشرعية. بل بدلاً من أن يعيد النظر في كامل تجربة اتفاق أوسلو وما ولدته من سلطة أصبحت الآن تحت السيطرة الأمنية للجنرال كيث دايتون ورئيس وزرائها سلام فياض، وارتهنت مالياً للدول المانحة (قرارها أميركي-صهيوني).

والسؤال: ما معنى الاختباء وراء عدم الترشح للانتخابات، وكان قد بيت تأجيلها من خلال قرار اللجنة المشرفة عليها باعتبارها غير ممكنة تحت حجة عدم إمكان إجرائها في ظل الانقسام بين الضفة والقطاع؟ الجواب ببساطة جاء لاستدرار بعض التأييد وبعض العطف من جهة وكسب الوقت لإيجاد صيغة منقذة لخط التفاوض بعد تغيير الموقف الأميركي من جهة أخرى.

إذا كان من الممكن أن تفهم هذه الخطوة الشكلية- المظهرية- عديمة المحتوى من جانب محمود عباس فإن التهافت على الترحيب بها، والمناداة بضرورة دعمه غير مفهومين إذ سرعان ما فقدت مفعولها بعد قرار لجنة حنا ناصر المشرفة على الانتخابات. أي بقي الرئيس رئيساً وبقيت المفاوضات هي الاستراتيجية. أما استئنافها فبانتظار مبادرة «مبدعة» أو «خلاقة». فالموقف ما زال في مربعه إياه: إذا فشلت جولة مفاوضات نبحث عن جولة مفاوضات أخرى. فيما دايتون والاستيطان مستمران لتثبيت الواقع القائم واستفحاله في ظل الاحتلال والسلطة الكارثة.

انشر عبر